احمد شعبان يكتب : قراءة فاحصة في مقال المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي «ماذا تعني الشهادتان؟»

يطرح المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله «ماذا تعني الشهادتان؟» سؤالًا يتجاوز مجرد النطق بعبارة: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، إلى جوهر أعمق: هل تكون الشهادة شهادة حقيقية إذا لم تقم على العلم والمعرفة واليقين؟
وهنا يفتح المقال بابًا مهمًا لإعادة فهم معنى الشهادة في ضوء القرآن الكريم، فلا تصبح مجرد ألفاظ تُقال، وإنما إقرارًا واعيًا يعقبه التزام ومسؤولية.
وقد جاء القرآن واضحًا في الربط بين الشهادة والعلم، فقال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[الزخرف: 86]
فالآية لم تقل فقط: «شهد بالحق»، وإنما أضافت:
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
وكأن العلم هنا جزء أصيل من حقيقة الشهادة.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[محمد: 19]
فجاء الأمر أولًا بـ العلم قبل أن تصبح «لا إله إلا الله» مجرد عبارة متداولة على اللسان.
ومن هنا يمكن القول إن التوحيد في القرآن ليس لفظًا يردد، بل معرفة وإدراك وقناعة تستقر في النفس ثم تنعكس على السلوك.
والقرآن يكرر ربط المعرفة باليقين في قوله تعالى:
﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[إبراهيم: 52]
فقال:
﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
ولم يجعل القضية تلقينًا مجردًا.
الشهادة بالله تبدأ بمعرفته
حين يقول الإنسان:
«أشهد أن لا إله إلا الله»
فإنه يعلن إقرارًا بوحدانية الله، ومن ثم يصبح السؤال الذي يطرحه المقال مشروعًا: كيف يشهد الإنسان بما لم يتعرف إليه؟
ولهذا عرّف الله سبحانه نفسه للناس في كتابه فقال:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ • هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾
[الحشر: 22–24]
كما لخّص التوحيد في قوله:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَدُ • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: 1–4]
وبذلك تصبح الشهادة بالله إقرارًا قائمًا على معرفة من هو الله كما عرّف نفسه، لا كما تصنعه التصورات البشرية.
وماذا تعني الشهادة بأن محمدًا رسول الله؟
الشطر الثاني من الشهادة لا يمكن فصله عن الرسالة التي حملها الرسول.
فالقرآن يحدد مهمة الرسول بوضوح:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا • وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾
[الأحزاب: 45–46]
ويبين طبيعة الرسول الإنسانية:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
[الكهف: 110]
كما يأمره أن يعلن للناس حدود قدرته البشرية:
﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: 188]
وتتحدد مهمته كذلك في البلاغ:
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾
[المائدة: 99]
ومن هنا تصبح عبارة:
«محمد رسول الله»
إقرارًا بأن محمدًا قد بلغ رسالة الله، وأن الطريق إلى صدق هذه الشهادة هو التعرف على ما بلغه الرسول من القرآن واتباعه.
الاتباع هو البرهان العملي على الشهادة
يستند المقال إلى قوله تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
[آل عمران: 31]
ثم:
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾
[آل عمران: 32]
وهنا ينتقل القرآن من القول إلى الفعل.
فالمحبة ليست ادعاء، والشهادة ليست لفظًا، بل هناك نتيجة عملية يجب أن تظهر في الحياة.
وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ • كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[الصف: 2–3]
فإذا انفصل القول عن العمل فقدت الكلمات قيمتها الحقيقية.
الإسلام ليس طقوسًا منفصلة عن الحياة
من أهم ما يلفت إليه المقال رفض اختزال دين الإسلام في عدد محدود من الممارسات التعبدية وكأنها تمثل الرسالة كلها.
فالعبادات جزء أصيل من الدين الإسلامي، لكن القرآن يربطها بآثارها الأخلاقية والسلوكية.
فيقول عن الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: 45]
ويقول عن الصيام:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة: 183]
ويقول عن الزكاة:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾
[التوبة: 103]
ويقول عن الحج:
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
[البقرة: 197]
أي أن العبادة في القرآن مرتبطة بصناعة الإنسان، وليست مجرد أداء شكلي.
ومن هنا تصبح المشكلة الحقيقية ليست في العبادات، وإنما في فصلها عن مقاصدها وآثارها.
المقاصد الأخلاقية جزء من حقيقة الإسلام
القرآن لم يجعل رسالة الإسلام مجموعة طقوس فحسب، بل رسم منهاجًا كاملًا للإنسان.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
[النحل: 90]
وقال:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: 83]
وقال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]
وقال:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[فصلت: 34]
وقال:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[البقرة: 190]
إذن من يشهد لله بالوحدانية وللرسول بالرسالة إنما يدخل في منظومة قيم كاملة، تتجلى في العدل والإحسان والسلام وعدم الاعتداء وحسن التعامل مع الناس.
الشهادة بداية طريق وليست نهاية المعرفة
فالإنسان لا يشترط أن يحيط بكل تفاصيل الدين الإسلامي قبل دخوله فيه، وإنما المطلوب أن يعرف حقيقة ما يشهد به، وأن يقبله عن وعي وقناعة، ثم يبدأ رحلة التعلم والعمل.
وهذا ما يوضحه القرآن في قوله:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[الحجرات: 14]
فالآية تكشف أن هناك انتقالًا وتدرجًا من الدخول في الإسلام إلى تعمق الإيمان في القلب.
كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾
[محمد: 17]
فالهداية نفسها قابلة للنمو والزيادة.
وبذلك تكون الشهادتان بداية رحلة وعي والتزام مستمر، لا شهادة تخرج بعدها النفس وقد اكتمل علمها بكل شيء.
والسؤال لا يخص الداخل الجديد إلى الإسلام وحده
وهنا يمكن توسيع السؤال الذي طرحه المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي.
ليس السؤال فقط:
هل يعرف من يدخل دين الإسلام معنى الشهادتين؟
بل كذلك:
كم من الذين وُلدوا مسلمين يعرفون حقيقة ما يشهدون به كل يوم؟
وهذا سؤال أشد أهمية.
فالقرآن يحذر من مجرد وراثة الأفكار دون تدبر:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
[البقرة: 170]
ويأمر بالتدبر:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
[محمد: 24]
فالمشكلة لا تكمن فقط فيمن يدخل الإسلام حديثًا، بل فيمن ورثه دون أن يعيد اكتشاف رسالته.
الشهادة في ميزان القرآن
بعد هذه القراءة يمكن اختصار حقيقة الشهادة في ثلاثة أركان:
علم — إقرار — التزام.
العلم:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
والإقرار:
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
والالتزام:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾.
وهكذا يصبح النطق بالشهادتين إعلانًا عن بداية حياة جديدة؛ حياة يعرف فيها الإنسان ربه، ويتعرف على رسالته، ويتبع ما بلغه الرسول، ثم يترجم ذلك إلى عدل وإحسان وعمل صالح.
ولهذا جاء الوعد القرآني:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾
[طه: 123]
وجاء في موضع آخر:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[النحل: 97]
وهنا تتجلى الرسالة الأساسية للمقال:
ليس المطلوب أن نعلّم الإنسان كيف ينطق بالشهادتين فحسب، بل أن يعرف ماذا يشهد، وعلى أي أساس يشهد، وماذا يترتب على شهادته.
فالشهادتان في حقيقتيهما ليستا كلمتين تُقالان في لحظة، وإنما وعي بالله، وتصديق برسالته، والتزام بمنهجه، وعمل يصدّق القول.
وتبقى الآية الجامعة:
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.



