هاني الجمل يكتب.. أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان الاستقلال الاستراتيجى

في ظل التحولات الدراماتيكية الواسعة التي يشهدها العالم الآن، ومنذ فترة ليست بالقريبة، تعاني القارة العجوز من أزمة الاستقلال الاستراتيجي الذي حدا بها للوقوع في براثن التبعية الأمريكية، بعد أن أسدلت الحرب العالمية الثانية ظلالها على واقع عالمي جديد تسيدته الولايات المتحدة الأمريكية منفردة إلا في توقيتات بسيطة ناوش من خلالها الاتحاد السوفيتي من خلال رسم جغرافيا سياسية تنافسية، إلا أن انهيار هذه المنظومة حدا بأمريكا أن تكون شرطي العالم ودفع أوروبا لقبول أوضاع لا تليق بكونها سيدة العالم من أقصاه إلى أقصاه، واتكأت في هذا التوقيت على الإنفاق العسكري الأمريكي السخي في حلف “الناتو”، مما استفادت منه أوروبا في خطط التنمية المجتمعة التي شعر بها المواطنون، وصارت القارة العجوز هدفًا للمهاجرين لما تتمتع به من مزايا اجتماعية، ولكن الحرب الروسية – الأوكرانية وضعت أوروبا في موقف لا تحسد عليه؛ ليس فقط من مجابهة التغول الروسي، ولكن بارتفاع نسب التضخم الفلكية التي نالت منها، أضف إلى ذلك حرب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب خلال ولايته الثانية لأمريكا، وذلك وسط جملة من التحديات التي تعكس ضعف الأداء الأوروبي وعجز الدول السبع والعشرين عن التأثير في مجريات الأمور، سواء كانت تواصل الحرب في غزة أو الحرب الإسرائيلية – الأمريكية، ومؤخرًا ما حدث في إيران وفشل الترويكا الأوروبية بهندسة المشهد العالمي في الحد من الانزلاق إلى أتون حرب شاملة.
اقرأ أيضا: هاني الجمل يكتب.. الانتخابات الألمانية.. واقع سياسي خارج السياق
الإنفاق العسكري.. نقط مفصلية في مستقبل أوروبا
يعول الأوربيون على تسريع بناء قدراتهم الدفاعية والتحول إلى لاعب فاعل على المسرح الدولي، وباتت أوروبا بحاجة ماسة لزيادة قدراتها العسكرية بنسبة ملحوظة، ليس فقط من أجل مغامرات روسية جديدة تلوح في الأفق منذ فترة، وتجاوبًا مع المقتضيات الجيوسياسية المستجدة؛ بل لحماية نفسها من هذه الإدارة الأمريكية، ومن احتمال السيناريو الأسوأ الذي يقلق مضاجع دوائر بروكسل الدبلوماسية، ألا وهو وصول نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” إلى البيت الأبيض إذا استطاع أن يسير على نهج سلفه ترامب، وتترافق هذه الأهداف مع الضغوط العلنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالب مرارًا الدول الأوروبية برفع سقف عتبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 5 %، وهي عتبة لم تدركها أي دولة داخل حلف (الناتو) بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ فيها حجم الإنفاق العسكري نسبة 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا لا يبعد قليلًا عن التغول الصيني في مناطق نفوذ القارة العجوز، سواء في منطقة الخليج أو القارة السمراء، مستفيدًا بذلك من ارتفاع خطاب الكراهية ضدها كقوى استعمارية تقليدية قامت بنهب الثروات الطبيعية من القارة وسلبتها حلم شبابها، وزجت بها في أتون فقر واسع.
وعلى الرغم من الافتقاد إلى تفاهمات حتى الآن بشأن الإنفاق العسكري المشترك والدفاع داخل الاتحاد الأوروبي، فإن الدول الأعضاء تبدي اهتمامًا بزيادة استثماراتها الوطنية في هذا المجال، وهو ما أعلنت عنه رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين التي أكدت تلقيها طلبات رسمية من زعماء دول أعضاء للمضي قدمًا في هذه الخطط، وهو ما انسجم مع تحقيق تقدم كبير في استراتيجيته الخاصة بالسيادة ودعم قاعدته الصناعية، لا سيما في مجال “تكنولوجيا الدفاع”، فالأشهر الستة الماضية تميزت بما يشبه اليقظة الاستراتيجية الأوروبية، ومما تحقق خلالها صدور “الكتاب الأبيض” الذي يرسم المسار الاستراتيجي للنادي الأوروبي والخطة الخاصة بإعادة تسليح الاتحاد، غير أن هذه الخطط الطموح تصطدم بعقبات رئيسية ترتبط بالقيود التي يفرضها ميثاق “الاستقرار والنمو” للاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء.
ما هو ميثاق “الاستقرار والنمو”؟
يفرض الميثاق على الدول الأعضاء التقيد بسياسة مالية للموازنة من أجل إبقاء العجز العام أقل من نسبة 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك الدين أقل من 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفي حال تجاوز هذا السقف فإن الدول الأعضاء تكون معرضة لتطبيق إجراءات “العجز المفرط” من قِبَل المفوضية الأوروبية، بجانب عقوبات وغرامات، وتخضع بالفعل حاليًا سبع دول أعضاء وهي فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وبولندا والمجر ورومانيا وسلوفاكيا لمثل هذا الإجراء.
ملامح الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي
يشير تحليل التفاعلات والتحركات الأوروبية إلى وجود زخم وإرادة سياسية، لبناء مسار جديد يقوم على الاستقلال الاستراتيجي، وبالفعل بدأ الأوروبيون في اتخاذ خطوات ومناقشة أخرى على طريق تحقيق هذا الهدف، وهو ما ظهر بشكل واضح في رسالة الدعوة التي وجهها أنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي إلى قادة الدول الـ27، بأن الغرض من الاجتماع الذهاب إلى «بناء أوروبا تتمتع بقدرة تنافسية أكبر وأكثر أمنًا واستقلالية، وأن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى لاعب فاعل وموثوق على المسرح الدولي”، وهو من الأمور الملموسة على صعيد بناء القاعدة الصناعية الدفاعية من خلال برنامج التمويل المشترك الذي يتكون من مبلغ 150 مليار دولار الذي ستقترضه المفوضية، وتضعه تحت تصرف أعضاء الاتحاد، وثمة برامج صناعية مشتركة أخرى قيد التنفيذ وعمادها تمويل الإنتاجات والمشتريات الدفاعية المشتركة والاستفادة من اقتراض المفوضية لمبلغ 150 مليار يورو، من أجل ضخ استثمارات مخصصة للإنتاج والاقتناء المشترك، ما يسعى إليه الأوروبيون في المحصلة “وضع حد للتبعية” الأوروبية إزاء الولايات المتحدة الأمريكية في ميدان التسلح، بيد أن هدفًا كهذا سيحتاج لسنوات طويلة قبل أن يصبح واقعًا، خصوصًا أنه يحتضن تحديات استراتيجية وسياسية، وليس فقط مرهونًا بقوة القاعدة الصناعية لأوروبا، وهنا صارت أوروبا بين عدة سيناريوهات أحلاها أكثر مرارة من الآخر، ولكن خطة الاستقلال الاستراتيجي باتت الأكثر أمنًا لضراوة ما تشهده الأيام المقبلة، ليس فقط في الداخل الأوروبي الذي ظهرت عليه علامات التمزق بسبب صعود تيار اليمين والرغبات الشعبية بتقليل سيطرة بروكسل على الحكومات الوطنية، فضلًا عن ملف الهجرة غير النظامية التي تستنزف خطط التنمية الاقتصادية في الداخل الأوروبي، وتسرع وتيرة الصدام المسلح بين القوميين الجدد وبين المهاجرين، فضلًا عن خطر الرسوم الجمركية الأمريكية التي وضعت أوروبا في مأزق الانفصال عن التبعية الأمريكية، والمضي قدمًا في مشروع أوروبي لعودة القارة العجوز مرة أخرى للساحة الدولية لاعبًا أساسيًا.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



