رأي

أحمد شعبان محمد يكتب: من الانبهار بالأشخاص إلى ميزان العمل

كاتب المقال : عضو الأمانة العامة لمؤسسة رسالة السلام العالمية

– الجزء الثالث من قراءة مقال «الكرامات والأولياء» للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي

بعد تناول الحكم على صلاح الإنسان، ثم مناقشة نسبة القدرات الغيبية إلى البشر، نصل إلى أثر هذه التصورات في حياتنا: ماذا يحدث حين يصبح الانبهار بالأشخاص أساسًا لتصديق أقوالهم، وقبول ممارساتهم، وتعليق الآمال عليهم؟

ينتهي مقال المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بالاستشهاد بقول الله تعالى:

﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: ١٠٠]

ومن هذه الآية تنطلق قراءتنا إلى ضرورة التمييز؛ فالإعجاب بشخص، وكثرة أتباعه، وانتشار الحكايات عنه، أمور تستدعي الوعي حتى يظل الحكم متعلقًا بالدليل والعمل وأثره في الناس.

فالانبهار يستحوذ على الانتباه، ويجعل صاحبه أكثر استعدادًا للتصديق. وحين يقترن بالخوف أو الحاجة، يشتد تعلق الإنسان بمن يظن أنه يحمل له النجاة. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على من يتحدث باسم الدين الإسلامي: أن يحفظ للناس عقولهم وكرامتهم، وأن يصدقهم القول، وأن يحترم حقهم في السؤال والتحقق.

وحين نتناول الحكايات المنسوبة إلى السيد البدوي أو غيره، فإن كل حكاية تحتاج إلى دليل يخصها. وتوارث الرواية عبر الأجيال يثبت انتشارها، أما وقوع الحدث وتفسيره فيحتاجان إلى بحث مستقل. وكذلك فإن حسن ظننا بإنسان لا يمنح كل ما يُنسب إليه صفة الحقيقة.

ويقتضي الإنصاف أن نميز بين الشخص التاريخي وما أضافه الناس إلى سيرته؛ فلا نحمله مسؤولية كل رواية قيلت بعد وفاته، ولا نقبل الرواية لمجرد ارتباطها باسمه. ومسؤوليتنا تتعلق بما نصدقه اليوم، وما ننشره، وما نبني عليه من مواقف وأعمال.

ويظهر الخلل حين تتحول مكانة الشخص إلى حصانة لأقواله. فيصبح السؤال إساءة، والنقد اعتداء، والبحث في صحة الرواية خروجًا على الاحترام. وعندئذ تتعطل المراجعة، ويتسع المجال لمن يستغل ثقة الناس أو خوفهم.

أما احترام الإنسان فيتسع للحوار وفحص الرأي؛ فصاحب العلم يُسأل عن حجته، وصاحب العمل يُنظر في أثر عمله، ومن يدّعي قدرةً يُطالب بدليل عليها. وتظل كرامة الجميع مصونة أثناء هذا الفحص.

والقرآن يحمّل الإنسان مسؤولية ما يتبعه وينقله:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: ٣٦]

وتتجاوز آثار هذه المسؤولية حدود الاعتقاد الفردي إلى واقع المجتمع. فحين تُعلَّق معالجة مشكلات الحياة على قدرات غيبية منسوبة إلى أشخاص، يضعف الاهتمام بما نملكه من وسائل للفعل: العلم والعمل والتنظيم والتعاون. ويصبح واجبنا إعادة توجيه الجهد إلى أسباب نافعة، مع إخلاص التوجه إلى الله.

فالمريض يحتاج إلى الرعاية والعلاج، والفقير يحتاج إلى ما يسد حاجته ويفتح أمامه فرصة للكسب، والمظلوم يحتاج إلى إنصاف يحفظ حقه. وفي الاستجابة لهذه الاحتياجات تظهر قيمة الإيمان في حياة الناس، وتتجسد الرحمة والعدالة في أعمال ملموسة.

وهنا تمنحنا المقاصد العليا للقرآن ميزانًا لتقييم الممارسة: هل تصون كرامة الإنسان؟ هل تحفظ ماله وحقه في المعرفة؟ هل تعينه على تحمل مسؤوليته؟ وهل تثمر رحمة وعدلًا وسلامًا؟

وبهذا الميزان نراجع ما يُقدَّم إلينا باسم الصلاح والولاية؛ فالادعاء يحتاج إلى إثبات، والسلوك يخضع للمساءلة، وحقوق الناس واجبة الحفظ مهما علت مكانة صاحبه في النفوس.

وفي هذا الأفق تتحدد أهمية الدور الذي تنهض به مؤسسة رسالة السلام العالمية في نشر الوعي بالمقاصد العليا للقرآن، وتقديم رسالة الرحمة والعدل والسلام إلى العالم أجمع. ويتصل بهذه الرسالة تحرير الإنسان من الاستغلال، وتشجيع التفكير المسؤول، وترسيخ التعاون لخدمة الأحياء وتخفيف معاناتهم.

وتُحفظ سيرة الصالحين بإحياء ما ثبت من إحسانهم؛ علمًا ننتفع به، وعملًا نواصله، ورحمةً نمنحها للناس.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى