رأي

إشتيوي الجدي يكتب.. هزيمة ترامب وحزبه… صناديق الاقتراع تقلب موازين السلطة في أمريكا.. والعرب والمسلمون يطرقون أبواب صناعة القرار

لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026 مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، أو تحول تقليدي في موازين المنافسة الحزبية، بل حملت رسالة سياسية مدوية إلى الرئيس دونالد ترامب وإدارته، بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، منهياً بذلك سيطرة الجمهوريين على السلطتين التشريعيتين، وفاتحاً مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والمؤسسي في واشنطن.

لقد تلقى ترامب وحزبه درساً في واحدة من أهم قواعد النظام السياسي الأمريكي: الفوز بالرئاسة لا يعني امتلاك الدولة، ولا يمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً للتصرف كما يشاء أو الانفراد بالقرار وتجاوز المؤسسات. فالرئاسة، مهما بلغت قوتها، تظل محكومة بالتوازنات الدستورية والرقابة الشعبية، ولا توجد سلطة بمنأى عن المحاسبة. وما تمنحه صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية يمكن أن تعيد تشكيله بعد عامين فقط.
وهنا تكمن الأهمية الحقيقية للانتخابات النصفية؛ فهي ليست مجرد استحقاق لاختيار أعضاء الكونغرس وتجديد جزء من مقاعد مجلس الشيوخ وانتخاب حكام الولايات، بل تمثل اختباراً شعبياً لأداء الإدارة الرئاسية، ومؤشراً على مدى استمرار الثقة في سياساتها. فالناخب الأمريكي لا ينتظر أربع سنوات كاملة حتى يعبر عن رفضه أو اعتراضه، بل يمتلك فرصة دستورية في منتصف الولاية لإعادة رسم موازين القوى، وإيصال رسالة واضحة إلى البيت الأبيض بأن الرئاسة ليست شيكاً على بياض.
وبفقدان الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، يجد ترامب نفسه أمام واقع سياسي مختلف؛ إذ لن يكون بمقدوره تمرير أجندته التشريعية بالسهولة السابقة، كما ستخضع سياساته الداخلية والخارجية، وقراراته العسكرية والتجارية، لرقابة تشريعية أكثر تشدداً، بما يفرض عليه التعامل مع أغلبية معارضة تمتلك أدوات دستورية لمساءلة إدارته ومراجعة قراراتها.
غير أن الدلالة الأعمق لهذه الانتخابات لا تكمن في هزيمة ترامب وحزبه وحدها، بل تمتد إلى التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، وفي مقدمتها تنامي الحضور العربي والإسلامي داخل المؤسسات المنتخبة، وانتقال أبناء المهاجرين من هامش المشاركة إلى قلب المنافسة على مواقع السلطة والتأثير.
فقد وجد كثير من العرب والمسلمين واللاتينيين في الحزب الديمقراطي مساحة سياسية أوسع، بالنظر إلى مواقفه التقليدية بشأن الهجرة والتعددية وحقوق الأقليات والرعاية الاجتماعية، وإن لم يكن ذلك يعني تطابق مواقف جميع هذه المكونات معه في كل القضايا. وفي المقابل، أثارت سياسات ترامب وخطاباته المتعلقة بالهجرة والمسلمين والأقليات انتقادات واسعة تجاوزت حدود الداخل الأمريكي.
واللافت أن أبناء الأجيال الثانية والثالثة من المهاجرين لم يعودوا يكتفون بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق النجاح المهني، بل باتوا أكثر إدراكاً أن النجاح الفردي لا يكفي لحماية الحقوق والمصالح، وأن من يغيب عن مواقع صناعة القرار يظل خاضعاً لقرارات الآخرين، مهما بلغ من مكانة وثروة.
إننا أمام انتقال نوعي من الاندماج في المجتمع إلى المشاركة في إدارة شؤونه، ومن إثبات الوجود إلى ممارسة التأثير. فلم يعد الأصل العربي أو الإسلامي بالضرورة حاجزاً أمام الوصول إلى المؤسسات التشريعية، بل أصبح في بعض الدوائر الانتخابية رصيداً اجتماعياً يمكن تحويله إلى قوة سياسية، متى اقترن بالتنظيم وبناء التحالفات وتقديم برامج تخاطب المجتمع بمختلف مكوناته.
ومن أبرز ما حملته هذه الانتخابات فوز سبعة مسلمين بمقاعد في الكونغرس الأمريكي، بواقع ستة في مجلس النواب وواحد في مجلس الشيوخ، في مؤشر على اتساع المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين وتعاظم حضورهم داخل المؤسسة التشريعية.
وضمت قائمة الفائزين آدم حماوي، الطبيب الأمريكي من أصول مصرية، عن ولاية نيوجيرسي، وإلهان عمر ذات الأصول الصومالية عن ولاية مينيسوتا، ورشيدة طليب ذات الأصول الفلسطينية عن ولاية ميشيغان، إلى جانب أندريه كارسون عن ولاية إنديانا، وداريا ليزا أفيلا شوفالييه عن ولاية نيويورك، ولطيفة سيمون عن ولاية كاليفورنيا.
أما في مجلس الشيوخ، فقد فاز الديمقراطي عبد السيد، من أصول مصرية، بمقعد عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية هذا المجلس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا تكمن أهمية هذه النتائج في عدد المقاعد وحده، بل في دلالتها السياسية والاجتماعية؛ إذ تؤكد أن المسلمين الأمريكيين لم يعودوا مجرد كتلة سكانية تسعى إلى حماية مصالحها أو إثبات حضورها، وإنما أصبحوا طرفاً فاعلاً في المنافسة الانتخابية، وقوة قادرة على المشاركة في اختيار ممثليها والوصول بهم إلى مواقع التشريع والرقابة.
كما تحمل هذه النتائج رسالة إلى دعاة الإقصاء وخطابات التخويف من الإسلام والمهاجرين؛ فمحاولات تحويل الهوية الدينية أو الأصول العرقية إلى نقطة ضعف انتخابية لم تمنع هؤلاء المرشحين من الوصول إلى مواقعهم. لقد قالت صناديق الاقتراع كلمتها، وأثبتت أن المشاركة السياسية المنظمة قادرة على تجاوز كثير من الحواجز التي تحاول خطابات الكراهية إقامتها.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص النظام الديمقراطي الأمريكي، على الرغم مما يعتريه من اختلالات وتناقضات؛ فهو يتيح، من خلال تداول السلطة والفصل بين المؤسسات والانتخابات الدورية، أدوات لتصحيح المسار والحد من تغوّل السلطة التنفيذية. فالرئيس ليس فوق المؤسسات، والكونغرس ليس تابعاً للبيت الأبيض، بل سلطة دستورية مستقلة تمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية مهمة.
ومع ذلك، فإن الديمقراطية التمثيلية ليست نظاماً مثالياً؛ فهي تواجه تأثير المال السياسي ونفوذ جماعات الضغط والتفاوت في القدرة على التأثير الإعلامي وتوجيه الرأي العام. وقد دفعت هذه الاختلالات إلى الدعوة لتوسيع المشاركة الشعبية وتطوير آليات الديمقراطية التشاركية. لكن الانتخابات الدورية وتداول السلطة واستقلال المؤسسات تظل من أهم الأدوات المتاحة لمحاسبة الحكام والحد من احتكار القرار.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع هذا الحضور العربي والإسلامي المتنامي داخل الكونغرس تغيير السياسة الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ أم أن تأثيره سيظل محكوماً بسقف المصالح الاستراتيجية ومراكز النفوذ التقليدية؟
هنا ينبغي التمييز بين الوصول إلى المؤسسة التشريعية وامتلاك القدرة على تغيير توجهات الدولة؛ فالأول إنجاز انتخابي مهم، أما الثاني فيحتاج إلى قوة سياسية وتنظيمية وتحالفات أوسع.
لا شك أن وجود نواب وشيوخ من أصول عربية وإسلامية يتبنون مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية، ويطالبون بمراجعة الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، من شأنه أن يوسع النقاش داخل الكونغرس بشأن الاحتلال الإسرائيلي والحرب على غزة والاعتداءات على لبنان والتوسع الاستيطاني والانتهاكات التي تطال الأراضي الفلسطينية والعربية. كما يمكن أن يرفع مستوى المساءلة بشأن السياسات الأمريكية في المنطقة، بما فيها المواجهة العسكرية مع إيران وتداعياتها على أمن الخليج العربي والممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب.
لكن ينبغي ألا نبالغ في تقدير قدرة هؤلاء على إحداث تغيير جذري في السياسة الأمريكية؛ فالمقعد البرلماني يمنح صاحبه صوتاً وأدوات للتشريع والرقابة، لكنه لا يمنحه منفرداً سلطة إعادة صياغة السياسة الخارجية للدولة. كما أن وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل أو إنهاء الاحتلال أو رفع الحصار عن غزة لا يتحقق بمجرد مواقف فردية، مهما كانت شجاعة أصحابها ووضوح مواقفهم.
فالسياسة الأمريكية لا تُصنع داخل الكونغرس وحده، وإنما تتداخل في صياغتها صلاحيات الرئيس والإدارة التنفيذية ومؤسسات الأمن والدفاع والاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية، فضلاً عن نفوذ جماعات الضغط وشبكات المصالح. ولذلك فإن تغييرها يتطلب تحالفات سياسية واسعة، وأغلبية قادرة على تحويل المواقف إلى تشريعات وقرارات، إلى جانب ضغط شعبي وإعلامي منظم ومستمر.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لفوز هؤلاء المرشحين لا تُقاس فقط بما يستطيعون تحقيقه فور دخولهم الكونغرس، بل بما يمكن أن يؤسسوا له من حضور سياسي مستدام، وما ينجحون في بنائه من تحالفات، وما يحدثونه من تحول في النقاش العام والمواقف التشريعية تجاه قضايا المنطقة.
وهنا نصل إلى الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستوعبه عربياً؛ فهؤلاء المرشحون لم يصلوا إلى مواقعهم لمجرد أنهم عرب أو مسلمون، ولم يكتفوا بتقديم أنفسهم باعتبارهم ممثلين لجالياتهم وأصولهم، بل خاضوا المنافسة بوصفهم مواطنين أمريكيين، وانخرطوا في أحزابهم، وقدموا برامج سياسية، وبنوا تحالفات انتخابية، وخاطبوا شرائح واسعة من المجتمع الأمريكي على اختلاف أديانها وأعراقها.
لقد أدركوا أن الانتماء إلى أقلية لا ينبغي أن يتحول إلى عزلة سياسية، وأن حماية المصالح لا تتحقق بالشكوى من التهميش، وإنما بالمشاركة الفاعلة في المؤسسات التي تصنع القرار.
إن قوة الجاليات لا تُقاس بعدد أفرادها أو بحجم ثرواتها فحسب، بل بقدرتها على التنظيم وبناء المؤسسات وتكوين التحالفات والمشاركة في الحياة السياسية، وتحويل مصالحها المشروعة إلى برامج ومواقف قادرة على التأثير.
في المحصلة، لم تكن هزيمة ترامب وحزبه مجرد خسارة لأغلبية برلمانية، كما لم يكن صعود العرب والمسلمين إلى الكونغرس مجرد انتصار لمرشحين من أصول مهاجرة؛ بل إن الحدثين معاً يكشفان حقيقة سياسية مهمة: السلطة في الأنظمة الديمقراطية ليست ملكاً دائماً لمن يصل إليها، والتمثيل السياسي ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
فصناديق الاقتراع قد تفتح أبواب السلطة، لكنها لا تضمن وحدها تغيير سياساتها. وبين الفوز بالمقعد وامتلاك القدرة على التأثير في القرار مسافة لا يقطعها إلا الوعي والتنظيم والتحالفات والإصرار على مواصلة العمل السياسي.
وتلك هي العبرة الأهم: من يريد أن يكون له صوت مسموع في العالم، عليه أن يمتلك أدوات التأثير، لا أن يكتفي بانتظار أن يسمعه الآخرون.
اشتيوي الجدي
دبلوماسي ليبي سابق

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى