الرئيسيةالسوداننشرة الأخبار

السودان على حافة كارثة غذائية.. الحرب والجفاف يحاصران ملايين المدنيين ويهددان بتوسّع المجاعة

‏ الخرطوم- مركز العرب ‏
لم تعد أزمة الغذاء في السودان مجرد انعكاس جانبي للحرب المستمرة منذ أبريل 2023، بل تحولت إلى ‏واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في العالم، بعدما تداخلت المعارك والنزوح وتدمير البنية التحتية مع ‏تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار وتعثر وصول المساعدات. وبينما يبحث ملايين السودانيين عن ‏وجبة تسد جوعهم، تتزايد التحذيرات الدولية من اتساع رقعة المجاعة، في ظل ظروف معيشية وصحية ‏تهدد حياة الأطفال والنساء والفئات الأكثر ضعفًا‎.‎
وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي‎ (IPC)‎، والتحذيرات ‏الأممية المنشورة خلال أكتوبر 2026، عن أزمة تتجاوز نقص الطعام إلى انهيار متزامن في مصادر ‏الدخل والإنتاج الزراعي والرعاية الصحية ومياه الشرب، بما يجعل الجوع أحد أكثر الوجوه قسوة للحرب ‏السودانية‎.‎


‎ 19.5 ‎مليون شخص يواجهون الجوع الحاد

تشير أحدث التحليلات الوطنية المتاحة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، الصادرة في مايو ‏‏2026، إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من السكان المشمولين بالتحليل، يواجهون ‏مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026. ويعني ذلك أن نحو ‏أربعة من كل عشرة أشخاص يعيشون في ظروف تتراوح بين الأزمة الغذائية والطوارئ والكوارث‎.‎
وتتوزع هذه الأعداد على مستويات خطيرة؛ إذ يواجه نحو 14 مليون شخص المرحلة الثالثة، المصنفة ‏باعتبارها مرحلة الأزمة، بينما يتجاوز عدد الموجودين في مرحلة الطوارئ خمسة ملايين شخص، ويواجه ‏نحو 135 ألف شخص المرحلة الخامسة، المعروفة بمرحلة الكارثة الغذائية، التي ترتبط بنقص بالغ في ‏الغذاء ومخاطر متزايدة للوفاة وسوء التغذية الحاد‎.‎

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية مع دخول السودان عامه الرابع من الحرب، إذ لم تعد الأزمة محصورة ‏في مناطق الاشتباكات المباشرة، بل امتدت آثارها إلى الأسواق ومناطق الإنتاج ومجتمعات النزوح، ‏وأصبحت قدرة الأسر على شراء الغذاء أو إنتاجه مرتبطة بدرجة كبيرة بالوضع الأمني وتوافر المساعدات‎.‎‏ ‏ووفقًا لتحذير منظمة الصحة العالمية الصادر في 12 أكتوبر 2026، تتزايد مخاطر المجاعة في أجزاء ‏من إقليمي دارفور وكردفان الكبرى، نتيجة استمرار القتال والنزوح والجفاف ونقص التمويل الإنساني‎. ‎


‎ ‎المجاعة خطر قائم.. والجفاف يفاقم الكارثة

لا تقتصر خطورة الوضع على الأعداد الحالية للجائعين، بل تمتد إلى احتمال تدهور الأوضاع خلال ‏الأشهر المقبلة. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من تزايد مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور ‏وكردفان، مع استمرار القيود على وصول المساعدات وتراجع القدرة على الحصول على الغذاء والمياه ‏والخدمات الصحية‎.‎
وفي 23 أكتوبر 2026، أفادت وكالة رويترز بأن الأمطار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، وهي ذروة ‏موسم الأمطار، سجلت أدنى مستوياتها على مستوى السودان منذ أكثر من 30 عامًا، الأمر الذي ألحق ‏أضرارًا بالمحاصيل والثروة الحيوانية، ولا سيما في دارفور وكردفان والقضارف‎.‎
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي، وفق التقرير نفسه، إلى أن الجفاف قد يدفع نحو 350 ألف ‏شخص إضافي إلى مستويات حادة من الجوع بحلول نهاية 2026، مع احتمال ارتفاع العدد بمقدار 1.2 ‏مليون شخص إضافي بحلول أغسطس 2027‏‎.‎
ويعني اجتماع الحرب والجفاف أن السودان يواجه أزمة مزدوجة؛ فالمزارعون لا يستطيعون الوصول الآمن ‏إلى بعض الأراضي أو الحصول على مستلزمات الإنتاج، وفي الوقت نفسه تتراجع فرص تعويض نقص ‏الغذاء من خلال موسم حصاد جيد. وتزداد المخاطر عندما تتزامن خسائر المحاصيل مع ضعف القدرة ‏الشرائية وارتفاع تكلفة النقل والوقود‎

.‎
‎ ‎كيف حوّلت الحرب الغذاء إلى أزمة حياة أو موت؟

منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023، تعرضت ‏المنظومة التي يعتمد عليها ملايين السودانيين لتأمين احتياجاتهم اليومية لضربات متلاحقة، فالحرب لا ‏تقتل المدنيين بالرصاص والقصف وحدهما، بل تقوض أيضًا قدرتهم على الحصول على الطعام، حتى ‏عندما يكون متاحًا في مناطق أخرى من البلاد‎.‎
‏ ووفقا للبيانات المتاحة جرى تدمير سبل العيش والإنتاج الزراعي. أدت المواجهات والاضطرابات الأمنية ‏إلى تعطيل أنشطة زراعية وتجارية، وصعّبت وصول المزارعين إلى الحقول ومستلزمات الزراعة. ومع ‏نقص الوقود والأسمدة والبذور وارتفاع تكاليف النقل، أصبحت زراعة الأرض أكثر صعوبة، بينما يهدد ‏ضعف الأمطار في موسم 2026 بتقليص المحاصيل في مناطق إنتاج رئيسية. وهكذا تتراجع قدرة البلاد ‏على توفير الغذاء محليًا في وقت تتزايد فيه الحاجة إليه‎.‎
كما رصدت تقارير دولية انهيار الأسواق والقدرة الشرائية. لا يعني وجود السلع في الأسواق أن الأسر ‏تستطيع شراءها. فالنزوح وفقدان الوظائف وتوقف الأنشطة التجارية وتراجع الدخل جعلت الحصول على ‏الغذاء عبئًا متزايدًا على الأسر، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الحبوب والسلع الأساسية. وبالنسبة إلى ‏العائلات التي فقدت منازلها أو مصادر دخلها، تتحول الوجبات اليومية إلى معركة للبقاء‎.‎
وبسبب الحرب فرض حصار على المناطق السكانية وتعطيل المساعدات إذ يمثل تعذر الوصول الإنساني ‏أحد أخطر العوامل التي تحول نقص الغذاء إلى مجاعة. فالقتال والقيود الأمنية والإدارية والمخاطر التي ‏تواجه قوافل الإغاثة قد تمنع وصول الغذاء إلى المناطق الأشد احتياجًا. وعندما تُحاصر التجمعات ‏السكانية أو تنقطع طرق الإمداد، تتقلص الخيارات المتاحة أمام المدنيين، ويصبح الأطفال والمرضى وكبار ‏السن أكثر عرضة للخطر‎.‎
وفي سياق وثقت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف، في بيان مشترك صدر في ‏‏15 مايو 2026، كيف أسهم النزوح وتدمير الأسواق والمنشآت الصحية وشبكات المياه والأصول الزراعية ‏في تفاقم الأزمة الغذائية. كما أشارت إلى أن القيود على الحركة ووصول الإمدادات تعرقل تقديم المساعدة ‏بالحجم المطلوب‎.‎

‎ ‎الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
تبدو آثار الأزمة أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، الذين يحتاجون إلى تغذية متوازنة خلال مراحل ‏النمو، بينما يؤدي الحرمان الغذائي إلى إضعاف المناعة وزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض وتأخر ‏النمو، وتتوقع تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون ‏الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة قدرها 7% مقارنة بعام 2025، وبنحو ‏‏25% فوق مستويات ما قبل الحرب المسجلة خلال الفترة من 2021 إلى 2023‏‎.‎
ولا تنفصل هذه الأرقام عن تراجع قدرة النظام الصحي على الاستجابة؛ إذ أفادت بيانات أممية بأن نحو ‏‏37% من المنشآت الصحية في السودان توقفت عن العمل بحلول عام 2026، وفق تحذير منظمة ‏الصحة العالمية الصادر في أكتوبر. ويؤدي ذلك إلى صعوبة اكتشاف حالات سوء التغذية مبكرًا وتوفير ‏العلاج اللازم، فضلًا عن ارتفاع مخاطر الأمراض المرتبطة بنقص الغذاء والمياه النظيفة‎.‎
ويزداد الوضع خطورة عندما يجتمع سوء التغذية مع الإصابة بالإسهال أو الكوليرا أو الحصبة، لأن الجسم ‏المنهك يصبح أقل قدرة على مقاومة العدوى. ومن ثم، فإن إنقاذ الأطفال لا يتطلب توفير الطعام وحده، بل ‏يحتاج أيضًا إلى المياه الآمنة والعلاج والمكملات الغذائية ومراكز متخصصة لعلاج سوء التغذية‎.‎

المياه والصحة.. وجه آخر للمأساة
تتجاوز تداعيات الحرب أزمة الغذاء إلى تراجع الوصول إلى الخدمات الأساسية. ووفق البيانات المشتركة ‏الصادرة في مايو 2026 عن وكالات الأمم المتحدة، يفتقر نحو 17 مليون شخص إلى مياه الشرب ‏الآمنة، بينما يفتقر قرابة 24 مليونًا إلى خدمات الصرف الصحي الملائمة، وتكشف هذه الأرقام عن ترابط ‏وثيق بين الجوع والمرض؛ فغياب المياه النظيفة يزيد من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، بينما يؤدي ‏تدهور الخدمات الصحية إلى صعوبة علاج المصابين، خصوصًا الأطفال الذين يعانون بالفعل من نقص ‏التغذية‎.‎

كما أن تراجع خدمات الصرف الصحي والنظافة في مناطق النزوح يرفع احتمالات انتشار الأوبئة، ويجعل ‏أي تحسن في إمدادات الغذاء أقل تأثيرًا إذا لم تصاحبه استجابة صحية وبيئية متكاملة‎.‎

‎ ‎المساعدات الإنسانية لا تواكب حجم الاحتياجات
على الرغم من اتساع الأزمة، لا تزال الاستجابة الإنسانية تواجه تحديات التمويل والوصول إلى السكان. ‏فقد ذكر البيان المشترك لوكالات الأمم المتحدة في مايو 2026 أن خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية ‏للسودان لم تكن قد حصلت، حتى أبريل، إلا على نحو 20% من التمويل المطلوب‏‎.‎
وفي فبراير 2026، استهدفت الجهات الإنسانية الوصول إلى 4.8 مليون شخص شهريًا بالمساعدات، لكن ‏نحو 3.13 مليون شخص فقط تلقوا المساعدة خلال ذلك الشهر، بحسب البيان نفسه، وتعني الفجوة بين ‏الاحتياجات والموارد أن ملايين الأشخاص قد يضطرون إلى تقليل حصصهم الغذائية أو الاعتماد على ‏مساعدات غير منتظمة، في وقت ترتفع فيه تكاليف إيصال الإمدادات وتزداد فيه صعوبة الوصول إلى ‏المناطق المتضررة، وتحذر التطورات الأخيرة من أن استمرار نقص التمويل بالتزامن مع تراجع المحاصيل ‏قد يضاعف الأعباء على المنظمات الإنسانية، ويجعل التدخلات الطارئة أقل قدرة على منع تدهور ‏الأوضاع‎.‎
‎ ‎لماذا يصعب احتواء المجاعة؟
تتسم الأزمة السودانية بتداخل عوامل متعددة؛ فالصراع المسلح يعطل الإنتاج والنقل والتجارة، والنزوح يزيد ‏الضغط على المناطق المستقبلة، والجفاف يقلص الموارد الزراعية، ونقص التمويل يحد من قدرة المنظمات ‏على التدخل‎.‎‏ وتبرز هنا أهمية التمييز بين الجوع الحاد والمجاعة وفق التصنيف الدولي للأمن الغذائي. ‏فوجود ملايين الأشخاص في المرحلة الثالثة أو الرابعة أو حتى الخامسة لا يعني تلقائيًا أن المجاعة أُعلنت ‏في جميع المناطق التي يعيشون فيها. ويعتمد إعلان المجاعة على معايير فنية تشمل حجم فجوات الغذاء، ‏وانتشار سوء التغذية الحاد، ومعدلات الوفيات، وتوافر الأدلة الميدانية‎.‎
‎ ‎ما المطلوب لإنقاذ ملايين السودانيين؟

تبدأ مواجهة الكارثة بوقف الأعمال القتالية وتأمين المدنيين، لكن الاستجابة الفعالة تحتاج إلى خطوات ‏متزامنة تتجاوز الإغاثة المؤقتة‎.‎‏ في مقدمة هذه الخطوات ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ‏ومستدامة إلى المناطق المحاصرة والنائية، وفتح طرق الإمداد أمام الغذاء والوقود والدواء، وحماية الأسواق ‏والمنشآت الصحية ومصادر المياه والأصول الزراعية‎.‎‏ كما يتطلب احتواء الأزمة توسيع برامج التغذية ‏العلاجية للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، وتوفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وتقديم ‏دعم عاجل للمزارعين من خلال البذور والمدخلات الزراعية والأدوات اللازمة لاستعادة الإنتاج‎.‎
ويظل توفير التمويل الكافي شرطًا أساسيًا لنجاح هذه الجهود، إلى جانب دعم المبادرات المحلية وشبكات ‏الإغاثة المجتمعية التي تستطيع الوصول إلى بعض المناطق التي يصعب على المنظمات الدولية بلوغها‎.‎

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى