تقدير موقف

إيتمار بن غفير وطموحه لتولي وزارة الدفاع الإسرائيلية: قراءة استشرافية لتداعيات تصريحاته بقتل الأسرى، وتهجير الفلسطينيين، وإلغاء القيود الأخلاقية على استخدام القوة

إعداد- دكتور/ أحمد البدوي سالم

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.

تثير طموحات إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «القوة اليهودية» “عوتسما يهوديت”؛ لتولي منصب وزير الدفاع تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وحدود استخدام القوة ضد الفلسطينيين، ومدى التزام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالقواعد القانونية والأخلاقية المنظمة للنزاعات المسلحة، وتزداد خطورة هذه التساؤلات في ضوء التصريحات المنسوبة إليه بشأن قتل الأسرى الفلسطينيين، وتوعده بتهجير الفلسطينيين، ومقترحاته المتعلقة بتعديل مدونة الأخلاق العسكرية لجيش الاحتلال، ولا سيما ما يتصل بإزالة النصوص التي تحظر إيذاء غير المقاتلين والأسرى، واستبدال مفهوم «نقاء السلاح» بمفهوم «عدالة السلاح».
ولا تتوقف المسألة عند تغيير المصطلحات المستخدمة في الخطاب العسكري فحسب، بل تمتد إلى محاولة محتملة لإعادة صياغة العلاقة بين القوة العسكرية والقيود القانونية والأخلاقية المفروضة عليها، فإذا أصبح الانتصار العسكري هو المعيار الحاكم للسلوك الميداني، من دون تحديد واضح لما لا يجوز للقوة المسلحة فعله حتى في أثناء الحرب، فقد تتحول الضرورات الأمنية إلى مبرر لتوسيع نطاق العنف، وتتراجع الحماية المقررة للمدنيين والأسرى، وتزداد احتمالات ارتكاب الانتهاكات وتفاقم عواقبها السياسية والقانونية والإنسانية.
أولًا: واقعة حبات الزيتون الثمانية ودلالاتها السياسية والرمزية:
في العاشر من مايو 2026، تناولت تقارير إعلامية واقعة مرتبطة بتدخل بن غفير في إدارة السجون الإسرائيلية، بعدما أُبلغ، وفقًا لما ورد في تلك التقارير، بأن أحد الأسرى الفلسطينيين حصل على ثماني زيتونات بدلًا من ست، وذكر تقرير أن بن غفير تلقى صورة لوجبة الطعام، ثم توجه إلى سجن كتسيعوت، حيث استدعى مسؤولين في مصلحة السجون لمحاسبتهم على ما اعتبره تجاوزًا للتعليمات المتعلقة بالطعام المقدم للأسرى. ونُقل عنه قوله: «الحكم يبدأ من الزيتون».
وتتجاوز الدلالة السياسية لهذه الواقعة مسألة كمية الطعام المقدمة إلى أحد الأسرى؛ إذ يمكن قراءتها في سياق توظيف تفاصيل الحياة اليومية داخل السجون لإظهار التشدد، وتأكيد السيطرة على الأسرى، وتقديم صورة سياسية تقوم على عدم التساهل معهم، وفي مثل هذه الحالات تصبح الممارسات المرتبطة بالطعام والاحتياجات الأساسية أدوات رمزية لإيصال رسائل سياسية إلى الجمهور الإسرائيلي، ولا سيما إلى التيارات اليمينية التي ترى في تشديد ظروف احتجاز الأسرى دليلًا على الحزم الأمني، وأن وضع تلك الواقعة في سياق تصريحات بن غفير الأخرى بشأن الأسرى، ومواقفه من العقوبات المفروضة عليهم، يجعلها ذات أهمية في تحليل تصوره لدور السلطة السياسية في إدارة السجون، وانعدام التعامل الإنساني مع الأسرى الفلسطينيين.
ثانيًا: التهديد بقتل الأسرى:
لم تقتصر مواقف بن غفير على الدعوة إلى تشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين، بل شملت تصريحات ولقطات مصورة ظهر فيها وهو يوجه تهديدات وإهانات إلى أحد الأسرى الفلسطينيين. ففي سبتمبر 2026، نُشر مقطع مصور ظهر فيه بن غفير وهو يرتعد ويتوارى خلف الجنود، أثناء مواجهة حسن سلامة، الذي أُدين في قضايا تفجيرات حافلات إسرائيلية وقعت عام 1996، ويقول له: إنه يريد قتله وإعدامه، متفاخرًا بأنه جعل حياته في السجن «جحيمًا».
وتكشف هذه التصريحات عن توظيف قضية الأسرى في التعبئة السياسية الداخلية، إذ لا يظهر الأسير في هذا الخطاب باعتباره شخصًا خاضعًا للاحتجاز وله حقوق قانونية محددة، بل باعتباره هدفًا للانتقام وإظهار الحزم لكن الرسالة جاءت عكسية فبن غفير هو الذي ظهر خائفا مذعورا، ومن شأن هذا النمط من الخطاب أن يضعف الفصل بين إدارة السجون وفقًا للقانون وبين استخدامها منصةً للاستعراض السياسي، كما قد يبعث برسائل إلى الجمهور الإسرائيلي مفادها أن الإذلال والتشديد العقابي يمثلان في حد ذاتهما إنجازًا سياسيًا. ودعاية انتخابية على حساب الإنسانية وضوابط معاملة الأسرى.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين العقوبة التي تُفرض بموجب حكم قضائي وإجراءات قانونية معترف بها، وبين التهديد الشخصي بالقتل أو الإيذاء. فإدانة شخص بارتكاب جرائم خطيرة لا تعني سقوط جميع حقوقه، ولا تمنح المسؤولين سلطة التصرف فيه خارج إطار القانون، كما أن خطورة الجرائم المنسوبة إلى الأسير لا تلغي التزامات الجهة المحتجزة بشأن معاملته أثناء الاحتجاز.
وقد تناولت تقارير أخرى في أكتوبر 2026 ظهور بن غفير في مقاطع مرتبطة بتهديدات بالقتل في سياق التعامل مع الأسرى، بما يعزز أهمية دراسة هذه التصريحات باعتبارها جزءًا من خطاب سياسي أوسع، لا مجرد انفعالات عابرة. .
ثالثًا: طموح بن غفير لتولي وزارة الدفاع الإسرائيلية:
يمثل سعي بن غفير إلى تولي وزارة الدفاع تطورًا سياسيًا يستحق الاهتمام؛ لأن هذا المنصب يمنح صاحبه نفوذًا مباشرًا على السياسات الدفاعية والعسكرية، وإن كانت ممارسة الصلاحيات الفعلية تخضع أيضًا للأطر القانونية والمؤسسية ولعلاقات السلطة داخل الحكومة الإسرائيلية، ومن ثم، فإن انتقال بن غفير من موقع وزير الأمن القومي، الذي يركز أساسًا على الشرطة والأمن الداخلي ومصلحة السجون، إلى موقع وزير الدفاع قد يثير قلقا بشأن اتساع نطاق تأثير رؤيته السياسية على استخدام القوة العسكرية.
وقد تناولت تقارير سياسية إسرائيلية مطالب حزبه بالحصول على حقيبة الدفاع ضمن تصورات تتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة والسياسات التي يسعى الحزب إلى تنفيذها.
ولا ينبغي افتراض أن تولي بن غفير هذا المنصب أمر محسوم؛ فذلك يتوقف على نتائج الانتخابات والمفاوضات الائتلافية وتوزيع الحقائب الوزارية؛ لكن أهمية هذا الاحتمال تكمن في طبيعة السياسات التي قد يسعى إلى دفعها، وفي مدى قدرتها على التأثير في التوجيهات العسكرية، وتعريف الأهداف العملياتية، والعلاقة بين الضرورات الأمنية والقيود المفروضة على استخدام القوة.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال إذا اقترن الطموح السياسي بمشروع لتغيير المبادئ الأخلاقية التي تستند إليها المؤسسة العسكرية، ففي هذه الحالة لا يتعلق الأمر بتغيير شاغل منصب وزاري فحسب، وإنما باحتمال انتقال خطاب سياسي متشدد إلى مستوى صياغة المبادئ التي توجه سلوك الجنود الإسرائليين.
رابعًا: استبدال «نقاء السلاح» بـ«عدالة السلاح».
من أبرز المسائل المثيرة للجدل اقتراح بن غفير استبدال مبدأ «نقاء السلاح» بمفهوم «عدالة السلاح»، ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «إسرائيل ناشونال نيوز» في 15 أكتوبر 2026، يتضمن المقترح إعادة صياغة مدونة الأخلاق العسكرية الإسرائيلية بما يركز على تحقيق النصر على الأعداء، ويعزز المرجعية الأخلاقية اليهودية، مع حذف أو تعديل عبارات تتعلق بضرورة الاقتصار على استخدام القوة بالقدر اللازم، وبحظر إيذاء غير المقاتلين والأسرى، فكلمة «العدالة» قد تتحول إلى مفهوم فضفاض إذا تُرك تحديد معناها بالكامل للسلطة السياسية أو للقائد العسكري، من دون ضوابط قانونية تحدد ما يجوز وما لا يجوز فعله.
أما مبدأ «نقاء السلاح» في مدونة «روح جيش الدفاع الإسرائيلي»، فيرتبط باستخدام القوة والأسلحة لأداء المهمة العسكرية وعند الضرورة، مع المحافظة على الإنسانية وعدم إيذاء المدنيين غير المشاركين في القتال والأسرى، والعمل على منع المساس بحياتهم وأجسادهم وكرامتهم وممتلكاتهم. كما تتضمن المدونة مبدأ كرامة الإنسان، الذي يؤكد القيمة الإنسانية لكل فرد بصرف النظر عن أصله أو دينه أو جنسيته أو جنسه أو وضعه، ووفقا لتصريح بن غفير فإن مصطلح «عدالة السلاح» سيُستخدم لإعادة ترتيب الأولويات على نحو يجعل تحقيق النصر مقدّمًا على حماية الأشخاص الذين لا يجوز استهدافهم.
خامسًا: حذف الحماية الصريحة لغير المقاتلين والأسرى:
تكتسب المقترحات المنسوبة إلى بن غفير خطورتها الأساسية من الحديث عن إزالة النصوص التي تحظر إيذاء غير المقاتلين والأسرى، فضلًا عن تعديل القيود التي تقصر استخدام القوة على القدر الضروري لتنفيذ المهمة العسكرية. فإذا نُفذت هذه التغييرات على النحو الذي وصفته التقارير، فإنها ستثير تساؤلات جدية بشأن الرسالة المؤسسية التي ستوجهها المدونة المعدلة إلى الجنود والقادة.
فالمدونة العسكرية ليست مجرد وثيقة رمزية؛ إذ يمكن أن تسهم في تشكيل الثقافة التنظيمية، وتوجيه القرارات الميدانية، وتحديد توقعات القيادة بشأن السلوك المقبول. وعندما تنص الوثيقة بوضوح على ضرورة حماية المدنيين والأسرى، فإنها تضع حدًا أخلاقيًا صريحًا أمام من يمارس القوة. أما حذف هذه العبارات، فقد يخلق غموضًا بشأن الأولويات، حتى لو بقيت الالتزامات القانونية الدولية قائمة.
إضافة إلى أن غياب الحظر الصريح في وثيقة تنظيمية قد يثير مشكلات تتعلق بالتدريب والمساءلة وتفسير الأوامر. ولذلك، فإن المسألة لا تقتصر على احتمال ارتكاب انتهاكات فردية، بل تشمل خطر إضعاف الرسائل الوقائية التي يُفترض أن توجه السلوك العسكري وتمنع التجاوزات قبل وقوعها.
سادسًا: القانون الدولي الإنساني وحدود السلطة العسكرية:
يضع القانون الدولي الإنساني قيودًا على سلوك أطراف النزاعات المسلحة، سواء تعلقت هذه القيود باختيار الأهداف أو بوسائل القتال وأساليبه أو بمعاملة الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها. ومن المبادئ الأساسية في هذا المجال التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين بصفتهم هذه، واحترام مبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الضرر الواقع على المدنيين.
وتؤكد قواعد حماية الأشخاص المحتجزين ضرورة معاملتهم معاملة إنسانية، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، مع مراعاة الأحكام القانونية المنطبقة على نوع النزاع وصفة المحتجزين. ولا يعني ذلك أن جميع المحتجزين يتمتعون بالوضع القانوني نفسه في كل حالة؛ فالتصنيف القانوني يتوقف على ظروف النزاع والقواعد المنطبقة. لكن الاختلاف في الوضع القانوني لا يبرر إطلاق يد السلطات في إيذائهم أو إهدار كرامتهم.
ومن المهم أيضًا التمييز بين مسألة عقوبة الإعدام، التي تختلف أحكامها باختلاف النظام القانوني والسياق القضائي والقواعد الدولية ذات الصلة، وبين القتل خارج الإجراءات القانونية، أو التهديد بإيذاء المحتجزين، أو تعريضهم لمعاملة محظورة. فحتى عندما يجيز نظام قانوني معين عقوبة الإعدام في ظروف محددة، فإن ذلك لا يمنح المسؤولين حق تنفيذها بصورة تعسفية أو خارج الإجراءات القانونية الواجبة.
وبناء على ذلك، لا يمكن لأي مسؤول سياسي أن يلغي التزامات الدولة الدولية بمجرد تغيير المصطلحات الواردة في مدونة عسكرية أو إصدار توجيهات داخلية. كما أن وجود خطاب سياسي متشدد لا يكفي وحده لإثبات وقوع جريمة حرب؛ إذ يتطلب التوصيف القانوني فحص الوقائع والأدلة والعناصر القانونية ذات الصلة. غير أن التصريحات التي تدعو إلى إضعاف الحماية المقررة للمدنيين والأسرى تظل محل قلق جدي من زاوية الوقاية من الانتهاكات واحترام القانون.
سابعًا: التداعيات الاستراتيجية المحتملة على إسرائيل:
لا تقتصر آثار إعادة تعريف أخلاقيات استخدام القوة على سلوك الجنود الإسرائيليين فحسب، بل قد تمتد إلى المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية على المدى البعيد، فالتشدد العسكري قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل لدى قطاعات من الجمهور، وقد يُقدَّم بوصفه دليلًا على الحزم والقدرة على الردع؛ لكن هذه المكاسب المحتملة لا تعني بالضرورة أن السياسات الناتجة عنه ستعزز الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
أولًا: قد يؤدي تراجع الثقة في الالتزام بحماية المدنيين والأسرى إلى زيادة التوتر والعداء، وتعميق الشعور بالظلم، وتعقيد أي جهود مستقبلية للتهدئة أو التسوية السياسية.
ثانيًا: قد تزداد الضغوط الدبلوماسية والقانونية على إسرائيل إذا ارتبطت التعديلات المؤسسية بخطاب يدعو إلى إزالة القيود الأخلاقية على استخدام القوة.
ثالثًا: قد تؤثر هذه السياسات في العلاقات مع الحلفاء والشركاء الدوليين، ولا سيما عندما تتعارض الممارسات الميدانية أو التصريحات السياسية مع التوقعات المتعلقة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، وقد ينعكس ذلك على التعاون الأمني والدعم السياسي والقدرة على بناء تفاهمات دبلوماسية في أوقات الأزمات.
رابعًا: قد يؤدي إضعاف الضوابط الداخلية إلى مشكلات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فالجيش يحتاج إلى أوامر واضحة، ومعايير قابلة للتطبيق، وآليات للمساءلة، وإذا أصبحت الحدود بين القوة المشروعة والانتهاك غامضة، فقد تتراجع الثقة في اتساق القيادة، وتزداد احتمالات الخلاف بشأن قانونية الأوامر أو مشروعيتها الأخلاقية.
وعليه، فإن تقييم هذه التوجهات من منظور استراتيجي لا ينبغي أن يقتصر على قدرتها على إرضاء جمهور سياسي معين، بل يجب أن يشمل آثارها على الردع طويل الأمد، والشرعية الدولية، والتماسك المؤسسي، وإمكانات إدارة النزاع ومنع اتساعه.
ثامنا: المساءلة ومسؤولية القيادة والمسؤولية الجنائية الفردية:
يُعد تحديد المسؤولية عن الانتهاكات المحتملة عنصرًا أساسيًا في أي نقاش جاد بشأن أخلاقيات الحرب. فالمسؤولية لا تقتصر بالضرورة على الجندي الذي ينفذ الفعل؛ إذ قد تثار، بحسب الوقائع والأدلة والقواعد القانونية المطبقة، وأن التصريحات التي تدعو إلى حذف الحماية الصريحة للمدنيين والأسرى تستحق التدقيق؛ لأنها قد تكشف عن توجهات في صياغة السياسات أو تحديد الأولويات المؤسسية. وإذا تحولت هذه التوجهات إلى أوامر أو ممارسات أدت إلى انتهاكات، فإن تقييم المسؤولية يستلزم التحقيق في الوقائع، وسلسلة القيادة، وطبيعة الأوامر، ومدى توافر العلم والقصد أو غيرهما من العناصر التي تشترطها القواعد القانونية ذات الصلة.
تاسعًا: الفرق بين عدالة الحرب وعدالة السلوك أثناء الحرب:
يتطلب فهم الجدل حول «نقاء السلاح» و«عدالة السلاح» التمييز بين سؤالين فلسفيين وأخلاقيين: الأول: هو ما إذا كان اللجوء إلى الحرب أو استخدام القوة مبررًا في المقام الأول؛ والثاني: هو ما إذا كانت الوسائل المستخدمة أثناء الحرب مشروعة وأخلاقية. وقد يكون لطرف ما ادعاء مشروع بالدفاع عن النفس، لكن ذلك لا يمنحه الحق في استخدام جميع الوسائل الممكنة لتحقيق أهدافه.
ويعبر هذا التمييز عن الفرق بين عدالة اللجوء إلى الحرب وعدالة السلوك أثناء الحرب، فمشروعية الهدف السياسي أو العسكري لا تعني أن كل وسيلة لتحقيقه مشروعة، كما أن وصف الخصم بالإرهاب أو الإجرام لا يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط الحماية المقررة للأشخاص الذين لا يشاركون في القتال، أو للأشخاص الذين أصبحوا خارج نطاق الأعمال العدائية.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لأي عقيدة عسكرية ليس قدرتها على إعلان النصر أو التعبير عن الإرادة القومية فحسب، بل قدرتها على تحديد الحدود التي لا يجوز تجاوزها حتى في أشد الظروف العسكرية تعقيدًا. فالقوة المنضبطة ليست نقيضًا للفاعلية العسكرية، بل أحد الشروط التي تميز بين استخدام القوة وفق قواعد معلومة وبين تحويلها إلى سلطة غير مقيدة.
خاتمة: ماذا تعني «عدالة السلاح» في سياق التعامل مع الأسرى واستخدام القوة العسكرية؟
تكشف مواقف إيتمار بن غفير وتصريحاته المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، إلى جانب مقترحه المعلن بشأن تغيير مدونة الأخلاق العسكرية الإسرائيلية، عن جدل يتجاوز المنافسة على المناصب الوزارية أو استخدام الشعارات السياسية، فالقضية الأساسية تتعلق بطبيعة القيود التي ينبغي أن تحكم استخدام القوة، وبمدى استعداد القيادة السياسية للحفاظ على حماية المدنيين والأسرى بوصفها التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، لا مجرد اختيار سياسي قابل للتغيير.
وأن التهديدات المنسوبة إلى بن غفير بشأن قتل الأسرى، ومقترح إزالة النصوص التي تحظر إيذاء غير المقاتلين والمحتجزين، فتثير أسئلة أعمق حول الحدود الفاصلة بين الردع والانتقام، وبين الدفاع المشروع عن الدولة وإضعاف الضوابط التي تحكم استخدام القوة.
وبناءً على ذلك، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان ينبغي استخدام مصطلح «نقاء السلاح» أو «عدالة السلاح»، بل ما إذا كان أي منهما سيضمن بقاء القوة العسكرية خاضعة لحدود واضحة، أم سيصبح غطاءً لتوسيع سلطة الإيذاء وتقليص الحماية الإنسانية، فالعمل العسكري لا يمنح شرعية تلقائية لكل وسيلة تُستخدم لتحقيقه، والهوية القومية أو الدينية لا تُسقط الحقوق القانونية الأساسية للخصم، كما أن إدانة شخص بارتكاب جريمة لا تمنح السلطة حق الانتقام منه خارج القانون.
إن جوهر المسألة هو أن القوة العسكرية لا تصبح عادلة لمجرد أن من يستخدمها يصف هدفه بالعدالة؛ وإنما تتحدد مشروعيتها أيضًا بمدى التزامه بالقيود القانونية والأخلاقية التي تحمي الإنسان من التعسف في استعمالها.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى