تقدير موقف

هل الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا وجوديًّا للإنسان؟! قراءة تحليلية في تحذير بيل جيتس بأن الذكاء الاصطناعي سيتسبب في وفاة مليار إنسان!

إعداد/ دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.
أثار بيل جيتس في سبتمبر 2026 نقاشًا واسعًا بعد تصريح له في مقابلة مع برنامج Meet the Press بأن الذكاء الاصطناعي «قوي بما يكفي لدفع أحداث قد تتسبب في وفاة مليار شخص»، مضيفًا أن الجمع بين أشخاص ذوي نيات سيئة وأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي يمثل قدرة خطرة لم يسبق أن امتلكها البشر بهذا المستوى، والأهم في صياغة جيتس أنه لم يقل إن الذكاء الاصطناعي سيقتل مليار إنسان حتمًا، ولم يقدم رقمًا إحصائيًا بوصفه توقعًا علميًا؛ بل تحدث عن إمكان قدرة الذكاء الاصطناعي على تمكين أحداث كارثية بهذا الحجم.


وتنبع أهمية التصريح من أن الخطر الذي يشير إليه جيتس لا يتمثل بالضرورة في سيناريو خيالي تصبح فيه الآلة واعية ثم تقرر إبادة البشر، وإنما في سيناريو أكثر واقعية من الناحية الاستراتيجية، يتمثل في أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي مضاعفًا لقدرات الفاعلين البشريين؛ فإذا امتلك شخص أو جماعة أو دولة ذات أهداف عدائية أداة شديدة القدرة على التحليل والتخطيط والأتمتة والتأثير، فإن حجم الضرر الذي يمكن إحداثه قد يتجاوز بكثير قدرة الفاعل البشري منفردًا.
أولًا: لماذا يمثل الذكاء الاصطناعي تحولا في طبيعة القوة؟
تكمن خصوصية الذكاء الاصطناعي في أنه لا يمثل مجرد أداة تقنية جديدة، وإنما يمثل انتقالا في طبيعة القوة من القدرة على امتلاك الموارد إلى القدرة على تحويل المعلومات إلى قرارات وأفعال بسرعة وعلى نطاق واسع. فالإنسان يستطيع التفكير والتخطيط، لكنه محدود بالوقت والقدرة على معالجة البيانات وعدد العمليات التي يستطيع تنفيذها في وقت واحد؛ أما الأنظمة الذكية فتستطيع تحليل كميات ضخمة من المعلومات، وتوليد البدائل، وأتمتة عدد كبير من المهام، والعمل بصورة مستمرة.
ولهذا فإن المشكلة الأمنية لا تكمن فقط في أن الذكاء الاصطناعي «ذكي»، وإنما في أنه يستطيع توسيع القدرة البشرية والتغلب عليها، فإذا كان الإنسان يمتلك قدرة محدودة على شن هجوم سيبراني أو إنتاج معلومات مضللة أو تحليل أهداف عسكرية، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض تكلفة هذه العمليات ويزيد سرعتها ونطاقها، ومن هنا يمكن فهم عبارة جيتس عن «الأشخاص ذوي النيات السيئة»؛ فالمشكلة في هذا التصور ليست الآلة وحدها، بل الاقتران بين الذكاء الاصطناعي والفاعل العدائي.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي بوصفه «مضاعفًا استراتيجيًّا للتهديد»
يمكن استخدام مفهوم مضاعف القوة لفهم المسألة بصورة أدق، فالأداة التقليدية تزيد قدرة الفاعل في مجال محدد، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل في الوقت نفسه في مجالات متعددة، مثل: الاستخبارات، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والحرب المعلوماتية، والتخطيط، والاقتصاد، والاتصالات، والاستطلاع، واقتراح الخطط الهجومية، والقيادة والسيطرة.
وبالتالي قد لا يكون الخطر في «هجوم واحد» ينفذه الذكاء الاصطناعي، وإنما في تراكم القدرات. يستطيع الفاعل العدائي استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف نقاط الضعف، ثم تحليل البيئة المستهدفة، ثم إنتاج الأدوات أو المحتوى المناسب، ثم أتمتة أجزاء من العملية، ثم متابعة رد فعل الخصم وتعديل استراتيجيته، وهنا ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة مساعدة إلى كونه بنية تحتية معرفية لإدارة غرفة العمليات.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي وتطور الحروب السيبرانية:
يمثل المجال السيبراني أحد أهم المسارات التي يمكن من خلالها تصور حدوث أضرار واسعة النطاق، فقد أشار جيتس في تحذيراته السابقة إلى إمكان استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب جهات خبيثة في الهجمات السيبرانية والاحتيال والتضليل واستهداف المستشفيات والمؤسسات المالية وشبكات الكهرباء والأنظمة الحكومية.
وتزداد خطورة السيناريو عندما لا يكون الهدف مجرد سرقة بيانات أو تعطيل موقع إلكتروني، بل استهداف البنية التحتية الحيوية، فالمستشفى يعتمد على الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية، وشبكات المياه تعتمد على أنظمة تحكم، وشبكات الطاقة والنقل تعتمد بدرجات متفاوتة على البرمجيات والاتصالات، ومن ثم فإن الهجوم السيبراني قد يتحول من مشكلة معلوماتية إلى مشكلة تتعلق مباشرة بسلامة الإنسان.
والعامل الجديد الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي هو إمكانية زيادة سرعة البحث عن نقاط الضعف والأتمتة والتوسع، وهو ما يفسر اهتمام الحكومات حاليًا بمخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية، وقد أصبحت قضايا الهجمات الإلكترونية والجهات غير الحكومية واستخدام الأنظمة المتقدمة للذكاء الاصطناعي، من الموضوعات المطروحة في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
رابعا: الذكاء الاصطناعي والحرب البيولوجية:
يمثل المجال البيولوجي مسارًا آخر بالغ الحساسية؛ لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرع بعض جوانب البحث العلمي وتحليل البيانات البيولوجية، وهذه القدرات يمكن أن تكون ذات قيمة هائلة في تطوير الأدوية وتشخيص الأمراض، لكنها في الوقت نفسه تثير مسألة الاستخدام المزدوج؛ أي أن المعرفة ذاتها قد تكون نافعة في الاستخدام السلمي وقابلة لإساءة الاستخدام.
وهنا ينبغي الحذر من المبالغة: لا توجد قاعدة علمية تسمح بالقول إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتمًا إلى إنتاج وباء يقتل مليار شخص؛ لكن المنطق الاستراتيجي للتحذير يقوم على أن التكنولوجيا التي تخفض الحواجز المعرفية أمام بعض الأنشطة الخطرة قد تزيد من حجم المخاطر إذا اجتمعت مع فاعل عدائي وموارد مناسبة، ولذلك أصبح AI-biosecurity أحد المجالات المهمة في النقاشات الحديثة حول سلامة الذكاء الاصطناعي.
خامسًا: الذكاء الاصطناعي والأسلحة والحرب المستقبلية:
هناك بعد آخر يتعلق بالاستخدام العسكري، فكلما أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل المعلومات العسكرية بسرعة أكبر، والمساعدة في تحديد الأهداف، والتنبؤ بسلوك الخصم، وإدارة عمليات معقدة، ظهرت مشكلة جوهرية تتعلق بسرعة القرار.
فالإنسان يحتاج إلى وقت لتقييم المعلومات والتأكد من صحتها واتخاذ القرار، بينما تستطيع الأنظمة الحاسوبية معالجة المعلومات بسرعة هائلة، وإذا أصبحت دورة الاكتشاف–التحليل–القرار–التنفيذ أسرع من قدرة الإنسان على المراجعة، فقد تنشأ مخاطر جديدة، حتى إذا ظل الإنسان من الناحية الرسمية «داخل دائرة اتخاذ القرار»، وقد ظهر بالفعل نقاش حديث حول ما إذا كان بقاء الإنسان في الحلقة كافيًا عندما لا يملك عمليًّا الوقت الكافي للتدخل، وهذا يعني أن الخطر لا يرتبط فقط بفكرة «الأسلحة الذاتية»، بل أيضا بمشكلة أعمق هي انضغاط زمن القرار الاستراتيجي.
سادسًا: الذكاء الاصطناعي وتطور حروب الإدراك والعمليات النفسية:
لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على المجال المادي؛ فهناك أيضا المجال الإدراكي، فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نصوص وصور وفيديوهات وأصوات واستخدام المؤثرات البصرية والصوتية بصورة دقيقة تحير بين المحتوى الحقيقي والمزيف!!!
وفي حالات الأزمات والحروب يمكن أن يصبح هذا الأمر وسيلة للتأثير في الإدراك الجماعي، وإثارة الخوف، وزيادة الاستقطاب، وتشويه المعلومات، وإرباك عملية صنع القرار، والخطر هنا ليس أن يصدق الناس خبرًا كاذبًا واحدًا، وإنما أن يؤدي تدفق المحتوى الاصطناعي إلى إضعاف الثقة في البيئة المعلوماتية بأكملها، وعندما لا يعود المواطن أو صانع القرار قادرًا على التمييز بسهولة بين الحقيقي والمصطنع، تصبح المشكلة أكبر من الأخبار الكاذبة؛ لأنها تمس البنية المعرفية التي يعتمد عليها المجتمع في صناعة قراراته.
سابعًا: أن الخطر الحقيقي ليس «ذكاء الآلة» فقط وإنما عند اقترانه بسوء النية:
هذه النقطة هي الأقرب إلى جوهر تحذير جيتس فقد أكد أن المشكلة تكمن بصورة خاصة في اجتماع الفاعلين ذوي النيات السيئة مع أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، كما قال إن التنظيم الذاتي للشركات لا يكفي، ودعا إلى مشاركة أجهزة إنفاذ القانون والحكومات في وضع الضمانات وآليات المراقبة، وبذلك يمكن إعادة صياغة المشكلة فلسفيا على النحو الآتي:
أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق بالضرورة الشر، لكنه قد يضخم قدرة الشر على الفعل. فالإنسان الشرير كان يستطيع إحداث الضرر قبل ظهور الذكاء الاصطناعي؛ لكن قدرته كانت مقيدة بعوامل مثل المعرفة والوقت والموارد والمهارات والمعلومات المتاحة عن الهدف، وكلما تمكن الذكاء الاصطناعي من إزالة بعض هذه القيود، أصبح الفاعل العدائي أكثر قدرة على تحويل النية إلى فعل، وتوسيع دائرة الاستهداف.
وإذا كان الخطر ناتجًا عن تفاعل القدرة التقنية + النية العدائية + ضعف الرقابة، فإن الاستجابة لا ينبغي أن تكون مجرد محاولة لإيقاف التطور التكنولوجي، وإنما بناء منظومة قادرة على حوكمة وإدارة المخاطر، ولهذا دعا جيتس إلى أن لا تترك مسألة السلامة للشركات وحدها، وإنما إلى إشراك الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون في تحديد الضمانات والمراقبة.
وتشمل الحوكمة الفعالة من منظور استراتيجي: تقييم المخاطر قبل إطلاق الأنظمة المتقدمة، واختبارات السلامة، ومراقبة الاستخدامات عالية الخطورة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير آليات للتحقق من المحتوى، ووضع قواعد واضحة للمسؤولية، وتعزيز التعاون الدولي.
وربما تكمن إحدى أخطر المشكلات في الفجوة بين سرعة التطور التقني وسرعة التطور المؤسسي، فالتكنولوجيا يمكن أن تنتشر عالميا في فترة قصيرة، بينما تحتاج التشريعات والاتفاقيات الدولية والمؤسسات الرقابية إلى سنوات، وقد ظهر هذا التوتر بوضوح في النقاش الدولي الراهن حول سلامة الذكاء الاصطناعي؛ إذ تتزايد الدعوات إلى آليات رقابية واختبارات أمنية، بينما لا تزال الدول والشركات تختلف حول مستوى التنظيم المطلوب وحدوده.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام الأمن القومي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس فقط كيف نطور التكنولوجيا؟ وإنما أيضا: كيف نضمن أن لا تتجاوز سرعة التطور قدرة بعض الدول والمجتمع الدولي على فهم المخاطر وإدارتها؟
وأن معادلة مخاطر عصر الذكاء الاصطناعي يمكن صياغتها كالتالي:
قدرة الذكاء الاصطناعي × نية عدائية × قابلية التوسع × هشاشة الأنظمة × ضعف الحوكمة = خطر كارثي محتمل.
وختامًا:
يكشف تحذير بيل جيتس عن تحول مهم في طبيعة النقاش حول الذكاء الاصطناعي، فبدلًا من اختزال الخطر في سيناريو خيالي عن آلة واعية تقرر إبادة البشر، يمكن دراسة الخطر بصورة استراتيجية أكثر واقعية يتمثل في تضخيم القدرات البشرية على إحداث الضرر.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل الفاعل العدائي أسرع في جمع المعلومات، وأوسع قدرة على تحليلها، وأكثر قدرة على أتمتة العمليات، وأشد تأثيرًا في البيئة المعلوماتية، وأقدر على استهداف أنظمة مترابطة، وإذا تزامن ذلك مع ضعف الحوكمة وهشاشة البنية التحتية وغياب التعاون الدولي، فقد تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة إلى مضاعف استراتيجي للأزمات، وأن الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يزيد قدرة بعض الفاعلين على إحداث كوارث واسعة النطاق، بما يجعل منع إساءة الاستخدام وإدارة المخاطر جزءا من الأمن القومي والأمن الإنساني العالمي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى