”الزكاة.. صدقة وقرض حسن”.. كتاب للشرفاء الحمادي يستعيد للمال وظيفته الاجتماعية

لا يتعامل كتاب «الزكاة.. صدقة وقرض حسن» للمفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي مع الزكاة بوصفها فريضة مالية تؤدى فحسب، بل يعيد وضعها في قلب سؤال أكبر: كيف يتحول الإيمان إلى عدالة اجتماعية، وكيف يصبح المال وسيلة لحماية المجتمع لا سببًا في انقسامه؟ ومن هذا المنطلق، يقدم الكتاب قراءة تدبرية تستند إلى القرآن، وتبحث في الغاية الاجتماعية للزكاة وقدرتها على تضييق الفجوة بين الغني والفقير وصون أمن المجتمع.
والكتاب معني بالكيف لا الكم، وبالرسالة المكثفة لا الحشو اللفظي؛ لذا صدر في ست وخمسين صفحة من القطع المتوسط عن مؤسسة رسالة السلام في القاهرة، وطُبع بعدة لغات أجنبية إلى جانب العربية لنشر هذه الرؤية التجديدية على نطاق عالمي، موزعًا مادته بين مقدمة وخاتمة وسبعة عناوين داخلية.
تحت عنوان “الزكاة صمام أمان الأوطان”، يطرح المؤلف هذه الفريضة باعتبارها شراكة بين مَنْ يملك ومَنْ يحتاج؛ فالمال في رؤيته أمانة استخلف الله الإنسان عليها، ومن ثم يصبح الغني وسيلة لإيصال حق المحتاج، مستندًا إلى قوله تعالى: “وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ” (النور: ٣٣)، وقوله: “وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ” (الحديد: ٧)؛ ليؤكد أن التكافل ليس عملًا هامشيًا، بل ضمانة أساسية لسلامة الأوطان.

وفي ظل العنوان الثاني “الزكاة إصلاح للنفس وتطهير للمال”، ينتقل الكتاب من الاقتصاد إلى الإنسان؛ فالزكاة تهذب النفس وتقاوم الشح والأنانية، مستحضرًا قوله تعالى: “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (التغابن: ١٦)، كما يلفت إلى اقتران الصلاة بالزكاة في آيات كثيرة، ومنها: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ” (البقرة: ٤٣).
أما العنوان الثالث، “نسبة مال الزكاة وفق التشريع الإلهي”، فيقدم أكثر أطروحات الكتاب إثارة للنقاش؛ إذ لا يقبل المؤلف نسبة اثنين ونصف بالمئة المتداولة، ويرى أن القرآن يشير إلى الخمس، أي عشرين بالمئة من صافي الأرباح والمكاسب، من دون ربطه بمدة زمنية، مستندًا إلى قوله تعالى: “وَاِعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ…” (الأنفال: ٤١). وهذه رؤية اجتهادية مركزية في الكتاب تستهدف تحقيق المقصد الاجتماعي للزكاة وسد الفجوة بين الطبقات.
وفي فضاء العنوان الرابع، “لمن تصرف الزكاة”، يحدد الباحث دائرة المستحقين مستندًا إلى قوله تعالى: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ” (التوبة: ٦٠)، وجاء العنوان الخامس، “مصادر الصدقة”، ليناقش الموارد، سواءً المال النقدي أو الزراعة والصناعة، أو الأنعام والتجارة وغيرها، ويربطها بصافي المكسب بعد حسم المصروفات.

ثم يأتي العنوان السادس، “الفئات المستحقة للصدقة / الزكاة”، ليؤكد من خلاله الشرفاء الحمادي أن الإنفاق يمثل “قرضًا حسنًا” من الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، مصداقًا لقوله: “مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” (البقرة: ٢٤٥)، وصولًا إلى العنوان السابع، ”مؤسسة الزكاة”، وهو مقترح لكيان تنموي لا تقتصر مهمته على جمع الأموال، بل تمتد إلى الرقابة، والمحاسبة، وتوجيه الموارد نحو مصارف غير تقليدية؛ كالمنح الدراسية، وقروض بلا فوائد للمشروعات الصغيرة، وتأمين الرعاية الصحية، وبناء المدارس ودور الأيتام، فضلًا عن توفير المساكن للفئات محدودة الدخل، وغيرها من الأنشطة ذات الأثر الاجتماعي والتنموي المستدام.
ويكشف ترتيب العناوين عن محاولة لبناء الفكرة من تعريف وظيفة الزكاة إلى تطبيقاتها: أثرها في النفس والمال، وتحديد النسبة، والمستحقين، ومصادر المال، وآلية تنظيمه. وفي مقدمة الكتاب، يستشهد الشرفاء الحمادي بسورة الليل، مستخلصًا منها معنى الاختبار بين البذل والإمساك، ويرى أن التكافل يبدأ من قرار الفرد قبل أن يتحول إلى نظام اجتماعي؛ مؤكدًا أن “الزكاة هي خَلْق شراكة بين الفقير والغني للمحافظة على سلامة المجتمع وأمنه”.
وتزداد أهمية هذا التصور حين يربط المؤلف بين عدالة توزيع المال وانخفاض التوتر الاجتماعي؛ فحين يجد المحتاج ما يسد حاجته، يتراجع الفقر بوصفه وقودًا للحقد والحسد والجريمة. ومن هنا، لا يقدم الكتاب الزكاة كإعانة مؤقتة، وإنما كآلية لبناء العلاقة بين أفراد المجتمع على أساس المشاركة والمسؤولية؛ وهي النقلة التي تمنح العمل بعده الإصلاحي، وتجعل السؤال عن الزكاة سؤالًا عن المجتمع ككل.
وفي الخاتمة، يعود الكتاب إلى أصل المسألة: المال اختبار أخلاقي، والإنفاق فعل إيمان ومسؤولية. وهنا تتضح قيمة الكتاب في نقله الزكاة من الشعيرة الفردية إلى فضاء بناء الأوطان، ومن الحساب المجرد إلى سؤال العدالة والرحمة.
علي الشرفاء الحمادي.. تجربة تتجاوز الكتاب
تتصل هذه الرؤية بمسار فكري وعملي طويل لعلي محمد الشرفاء الحمادي، الذي جمع بين تجربة رجل الدولة واهتمام المثقف بسؤال الإصلاح؛ وقد تولى منصب مدير ديوان الرئيس المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بين عامي ١٩٧٣ و١٩٩٥، في مرحلة تأسيسية من تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، وأسهمت هذه التجربة في تشكيل تصور يرى التنمية والاستقرار مرتبطين بالإنسان والعدل.
وفي مشروعه الفكري، يميز الشرفاء الحمادي بين الخطاب الإلهي والاجتهاد البشري، ويجعل القرآن مرجعية لمراجعة المقولات والتفسيرات، من دون رفض التراث أو إلغاء قيمته التاريخية؛ ومن هنا، تأتي دعوته إلى تحرير الوعي من الخلط بين الوحي والفهم البشري، وإعادة وصل المسلم بالنص القرآني ومقاصده: العدل، والرحمة، وكرامة الإنسان، وحرية الاختيار.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب «الزكاة.. صدقة وقرض حسن» حلقة من مشروع إصلاحي أكبر، يريد للدين أن يكون قوة للبناء والتكافل والسلام الاجتماعي. ولا ينفصل هذا المنهج عن نظرته إلى الدين باعتباره مصدرًا للأخلاق والعمران، لا أداة للصراع أو الإقصاء. ولذلك يسعى إلى استعادة المعنى الإنساني للخطاب القرآني، مع إبقاء الاجتهاد البشري مفتوحًا للمراجعة. ومن هذه الزاوية، تبدو الزكاة عنده أكثر من حكم مالي؛ إنها اختبار حقيقي للضمير، ومقياس لقدرة المجتمع على تحويل القيم إلى ممارسة ملموسة.
طالع العدد السادس والخمسين من مجلة من هنا



