تقارير ومنوعات

دحلان يدعو إلى مراجعة شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية والانتقال من صراع السلطة إلى شراكة الوطن

دعا محمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي، إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية، معتبرًا أن حجم الخسائر التي لحقت بالشعب الفلسطيني، وما أصاب المشروع الوطني من انقسام وتراجع، يفرض الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تقوم على الشراكة والمواطنة وسيادة القانون.

وقال دحلان، في رسالة وجهها إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي، إن ما تعرض له الفلسطينيون من فقدان ودمار، ولا سيما في قطاع غزة، إلى جانب المخاطر التي تواجه الضفة الغربية والقدس، وما وصفه بـ”الانهيار والضعف والتفكك” الذي طال المؤسسات الوطنية، يستدعي “مراجعة صادقة وشجاعة” للتجربة السياسية الفلسطينية.

وأوضح أن الهدف من هذه المراجعة لا ينبغي أن يكون محاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، وإنما فهم ما حدث واستخلاص الدروس ومنع تكرار الأخطاء، معتبرًا أن السؤال الرئيسي في المرحلة المقبلة يجب أن يتعلق بكيفية حماية الشعب والقضية الفلسطينية وإنقاذ سكان غزة وحماية الأرض والشعب في الضفة والقدس، إلى جانب تحديد طبيعة النظام السياسي الذي ينبغي بناؤه للأجيال القادمة.

النظام السياسي وإدارة التعددية

وأكد دحلان أن المشكلة في التجربة الفلسطينية، من وجهة نظره، لم تكن في وجود حركة فتح أو حركة حماس أو غيرهما من القوى والتنظيمات، وإنما في غياب نظام سياسي قادر على إدارة التعددية وفق قواعد ومؤسسات موحدة.

وأشار إلى أنه كان، منذ الانتخابات الفلسطينية الأولى عام 1996، يؤمن بأن النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يستقيم عبر إقصاء القوى المختلفة، وأن إدارة الاختلاف ينبغي أن تتم داخل المؤسسات، وليس عبر الشارع أو استخدام السلاح.

وأضاف أن تحول التنظيمات إلى قوى أقوى من المؤسسات، وتقديم المصالح الفصائلية على المصلحة الوطنية، أدى إلى تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع ثم إلى انقسام، وهو ما دفع الشعب الفلسطيني ثمنه على مدار السنوات الماضية.

مراجعة المسؤوليات ورفض طمس الحقيقة

وشدد رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي على ضرورة التعامل مع الماضي بمسؤولية، مؤكدًا أن الاعتراف بالمسؤولية الوطنية لا يعني اعتبار الأخطاء متساوية أو توزيع المسؤوليات بصورة موحدة.

وأوضح أن التجربة الفلسطينية شهدت أخطاء في التقدير السياسي، وإخفاقات في إدارة المؤسسات، وممارسات للإقصاء، واستخدامًا للسلطة والمال العام في الخصومات السياسية، إلى جانب اللجوء إلى القوة والسلاح والفشل في منع الانقسام وإطالة أمده وإغلاق مسارات المصالحة.

ورفض دحلان، في هذا السياق، ما وصفه بالمصالحة التي “تطمس الحقيقة”، مؤكدًا أن الوحدة لا ينبغي أن تقوم على النسيان، وأن كل طرف مطالب بمراجعة أخطائه والاعتراف بمسؤوليته عنها، معتبرًا أن الاقتتال الداخلي يمثل “جريمة وطنية”، وأن السلاح لا ينبغي أن يكون وسيلة لحسم الخلاف السياسي أو تحديد من يحكم.

من صراع السلطة إلى الشراكة

ودعا دحلان إلى إعادة صياغة العلاقة بين مختلف القوى الفلسطينية على أساس الانتقال من محاولة إضعاف الآخر إلى التنافس السياسي أمام الشعب، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في حماية الوطن.

وأكد أن الخلاف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإلغاء أي طرف، مشددًا على أن القاعدة التي ينبغي أن تحكم الحياة السياسية هي عدم وجود “غالب أو مغلوب في الوطن”، وأن الشرعية السياسية يجب أن تستند إلى إرادة الشعب.

وفي الوقت نفسه، شدد على أن مفهوم الشراكة الذي يدعو إليه تيار الإصلاح الديمقراطي لا يعني العودة إلى المحاصصة الفصائلية، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني أكبر من مجموع الفصائل والتنظيمات السياسية.

دولة المواطنين بدلًا من حكم الفصائل

وطرح دحلان تصورًا يقوم على الانتقال من هيمنة الفصائل على مؤسسات الدولة إلى بناء دولة للمواطنين، مؤكدًا أن الفصائل من حقها الاحتفاظ ببرامجها وهوياتها والتنافس على ثقة الناخبين، لكنها لا تملك الدولة في حال وصولها إلى الحكم.

وشدد على ضرورة أن تبقى مؤسسات الأمن والقضاء والإدارة والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات وطنية تخدم المواطنين، لا أدوات حزبية أو تنظيمية، مؤكدًا أن السلطة ينبغي أن تكون تفويضًا مؤقتًا يمنحه الشعب عبر الانتخابات ويمكنه استرداده بالطريقة نفسها.

عقد وطني اجتماعي جديد

ودعا رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي إلى صياغة “عقد وطني اجتماعي جديد” يحدد قواعد الحياة السياسية الفلسطينية ويضع ضوابط تحول دون تكرار أسباب الانقسام.

وتضمن التصور الذي طرحه مجموعة من المبادئ، من أبرزها اعتبار الشعب مصدر الشرعية، واعتماد الانتخابات الحرة والدورية وسيلة لتداول السلطة، واحترام نتائج الانتخابات، ووضع القانون والمؤسسات فوق الأفراد والتنظيمات، ورفض احتكار السلطة أو التمثيل أو القرار الوطني.

كما دعا إلى تحريم استخدام السلاح والقوة في الصراعات الداخلية، وإخضاع السلاح والقوة المنظمة للسلطة الشرعية والقانون، وقصر قرارات الحرب والسلام على مرجعية وطنية شرعية وجامعة، إلى جانب ضمان استقلال الأجهزة الأمنية والمال العام والوظيفة العامة عن التجاذبات الحزبية.

وأكد كذلك ضرورة حماية الحقوق والحريات وكرامة المواطنين، وإشراك مختلف مكونات المجتمع في صناعة القرار، وحسم الخلافات عبر الحوار والقانون وصندوق الاقتراع، مع تطبيق قواعد المسؤولية والمحاسبة على الجميع دون استثناء.

وشدد دحلان على أن هذه المبادئ ينبغي ألا تظل في إطار الشعارات السياسية، وإنما تتحول إلى قواعد دستورية وقانونية ومؤسساتية قادرة على حماية النظام السياسي الفلسطيني من تكرار أخطاء الماضي.

تمكين المرأة والشباب

وتطرق دحلان إلى دور المرأة والشباب في المرحلة المقبلة، داعيًا إلى إشراكهما بصورة أوسع في عملية صنع القرار السياسي والمجتمعي.

وأكد أن تمكين المرأة سياسيًا ومجتمعيًا يمكن أن يسهم في دعم التنمية والاستقرار، داعيًا إلى أن يكون حضورها في صناعة القرار متناسبًا مع مكانتها ودورها في المجتمع الفلسطيني.

كما شدد على ضرورة منح الشباب دورًا حقيقيًا في تحديد أولوياتهم وصياغة مستقبلهم، مشيرًا إلى أن جيل الشباب يمثل جيل التحولات الرقمية والتكنولوجية، وداعيًا إلى التركيز على التعليم والتدريب والتمكين لإعداده للمشاركة في عملية البناء الوطني.

واختتم دحلان رسالته بالتأكيد على ضرورة فتح مسار سياسي مختلف، يقوم على اعتبار الاختلاف حقًا لا تهديدًا، والتعددية مصدرًا للقوة لا سببًا للانقسام، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من جميع القوى والتنظيمات.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى