الرئيسيةنشرة الأخبار

الكويت في أسبوع .. اقتصاد يتجاوز صدمة الحرب ويعيد رسم طريقه نحو التعافي والتنويع

الكويت- مركز العرب

رغم أن الاقتصاد الكويتي واجه خلال الأشهر الماضية واحدة من أصعب الصدمات التي مر بها قطاع الطاقة منذ عقود، فإن المؤشرات المتاحة لا تقود بالضرورة إلى قراءة تشاؤمية لمستقبل الدولة الخليجية، بقدر ما تكشف عن اختبار قاسٍ لقدرتها على إدارة المخاطر والاستفادة من مواردها المالية الضخمة لإعادة بناء اقتصاد أكثر مرونة وأقل تعرضاً للصدمات الجيوسياسية.

ومثل إغلاق مضيق هرمز وما رافقه من اضطراب في حركة صادرات النفط وضع الكويت أمام تحد استثنائي، نظراً إلى اعتمادها الكبير على الممر البحري في تصدير إنتاجها النفطي، مقارنة بدول خليجية تمتلك مسارات بديلة. كما انعكست التطورات الأمنية على بعض المنشآت النفطية والحيوية، وتراجع إنتاج الخام بصورة حادة في بعض مراحل الأزمةإلا أن الوجه الآخر للصورة يبدو أكثر إيجابية؛ إذ تمتلك الكويت احتياطيات نفطية ضخمة، وأصولاً سيادية توفر لها مساحة واسعة لامتصاص الصدمات، إلى جانب مؤسسات اقتصادية وخبرات تراكمت عبر عقود من إدارة الثروة النفطية. والأهم أن مؤشرات التعافي بدأت تظهر في قدرة القطاع النفطي على رفع الإنتاج مجدداً، بالتوازي مع استمرار ثقة المؤسسات الدولية في متانة المركز المالي للدولة.

الكويت إصدار سيادي تاريخي

صدمة.. لكن ليست أزمة هيكلية

يصعب التقليل من حجم الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد الكويتي. فالقطاع النفطي يمثل نحو 90% من الإيرادات الحكومية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في صادرات الخام ينعكس سريعاً على المالية العامة والنشاط الاقتصادي، حيث تشير البيانات التي تتضمنها المادة إلى أن الاقتصاد الكويتي انكمش بنحو 4.6% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026، بينما تراجع الناتج المحلي للقطاع النفطي بنسبة 12.5%.

إلا أن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة مرتبطة بطبيعة الصدمة نفسها. فالأزمة الحالية مرتبطة بظرف جيوسياسي استثنائي، وليس بانهيار في قدرة الاقتصاد الكويتي على الإنتاج أو تراجع مفاجئ في موارده الطبيعية، وهنا تكمن نقطة القوة الأساسية في الاقتصاد الكويتي: القدرة على امتصاص الصدمات المؤقتة، ثم استعادة النشاط عندما تتحسن البيئة الإقليمية.

ويعزز هذه الرؤية ما أورده المستشار السابق لوزير المالية الكويتي محمد رمضان من أن الاقتصاد مرشح لنمو يتجاوز 10% في العام المقبل، معتبراً أن الأزمة الحالية مؤقتة وأن آثارها يمكن أن تتراجع سريعاً بمجرد استقرار الأوضاع وعودة حركة الملاحة.

النفط.. من نقطة ضعف إلى فرصة لإعادة الهيكلة

وكشفت الأزمة الحالية عن إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في النموذج الاقتصادي الكويتي، والمتمثلة في الاعتماد على طريق بحري واحد تقريباً لتصدير النفط، فالكويت، بخلاف السعودية والإمارات، لا تمتلك في الوقت الحالي شبكة خطوط أنابيب تمكنها من تجاوز مضيق هرمز بصورة واسعة، وهو ما جعل اضطراب الملاحة في المضيق أكثر تأثيراً على صادراتها.

لكن اللافت أن مؤسسة البترول الكويتية لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد ظرف طارئ، وإنما بدأت التفكير في مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تقلل من المخاطر مستقبلاً.

وتشمل هذه الإجراءات تخزين النفط خارج المضيق بالقرب من قواعد العملاء، وزيادة حجم أسطول الناقلات، والبحث مع السعودية والإمارات في إمكانية استخدام خطوط أنابيب لنقل الخام.

وهذه الإجراءات تحمل دلالة تتجاوز الأزمة الحالية؛ فهي تعني أن الكويت بدأت تتعامل مع أمن صادراتها النفطية باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي الوطني، وليس مجرد ملف تشغيلي تابع لقطاع النفط. كما أن هذا الاتجاه يمكن أن يمثل مدخلاً لإعادة تقييم البنية التحتية للطاقة، بما يزيد قدرة الكويت على الاستجابة لأي اضطراب مشابه في المستقبل.

الكويت سداد ديون الغارمين

الإنتاج يستعيد زخمه

أحد المؤشرات الإيجابية المهمة يتمثل في عودة الإنتاج النفطي إلى الارتفاع، فوفق البيانات الواردة في المادة، ارتفع إنتاج الكويت من النفط الخام في يوليو إلى نحو 1.971 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.65 مليون برميل يومياً في يونيو، بعد أن كان الإنتاج قد هبط إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال مايو.

ويتقاطع ذلك مع رؤية الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية الشيخ نواف سعود الصباح، الذي أكد أن المؤسسة تستطيع العودة إلى مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل الأزمة، بل تجاوزها، بمجرد عودة حركة الملاحة عبر المضيق إلى طبيعتها. وهذا يعني أن الصدمة أصابت مسار الإنتاج والتصدير أكثر مما أصابت القدرة الأساسية للكويت على إنتاج النفط.

الكويت أمن الخليج العربي

احتياطي ضخم.. ووسادة مالية قوية

ربما يكون العامل الأكثر أهمية في قدرة الكويت على تجاوز الأزمة هو امتلاكها قاعدة مالية واستثمارية ضخمة، فالكويت تمتلك أكثر من 100 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المثبتة، وفق الأرقام الرسمية الواردة في المادة، وهو ما يمنحها قاعدة طويلة الأجل للاستفادة من الطلب العالمي على النفط.

ويشير محمد رمضان الخبير الاقتصادي، إلى أن الكويت لا تواجه، في الوقت الحالي، ضرورة ملحة للاقتراض من أجل تمويل احتياجاتها، نظراً إلى إمكانية الاستفادة من موارد الصندوق السيادي، سواء من خلال تسييل بعض الأصول أو استخدام موارده.

وتمنح هذه القدرة الدولة ميزة مهمة للغاية في مواجهة الأزمات: فهي لا تضطر بالضرورة إلى اتخاذ إجراءات مالية انكماشية حادة فور تراجع الإيرادات النفطية. وبمعنى آخر، يستطيع الاقتصاد الكويتي شراء الوقت، وهذه ميزة استراتيجية في مواجهة الصدمات المؤقتة.

الكويت الذكاء الاصطناعي

الثقة الائتمانية.. مؤشر إضافي على الصلابة

تدعم النظرة الائتمانية الدولية هذه الصورة، فقد أكدت وكالة فيتش التصنيف الائتماني للكويت عند «AA-» مع نظرة مستقبلية مستقرة، رغم استمرار التأثيرات الناتجة عن الصراع الإقليمي واضطراب صادرات النفط، ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الكويتي محصن ضد المخاطر، لكنه يشير إلى أن الأسواق والمؤسسات الائتمانية لا تنظر إلى الأزمة الراهنة باعتبارها تهديداً وجودياً أو تحولاً هيكلياً في المركز المالي للدولة، فالاحتياطيات الكبيرة والأصول السيادية توفران مظلة حماية تسمح للكويت بالتعامل مع انخفاض مؤقت في الإيرادات دون الوقوع مباشرة في أزمة تمويل.

الكويت سداد ديون الغارمين

البورصة ترسل إشارة تفاؤل

وفي الداخل، تبدو الأسواق المالية بدورها قادرة على استيعاب التطورات، ففي مستهل تعاملات بورصة الكويت، ارتفعت المؤشرات الرئيسية، بما فيها السوق الأول والعام، فيما سجل المؤشر الرئيسي 50 ارتفاعاً أكبر، بدعم من صعود سبعة قطاعات، في مقدمتها قطاع التكنولوجيا الذي ارتفع بأكثر من 3%.

ورغم أن حركة جلسة واحدة لا يمكن أن تكون دليلاً حاسماً على اتجاه الاقتصاد، فإنها تقدم إشارة مهمة بشأن سلوك المستثمرين وتوقعاتهم، فالأسواق لا تتحرك فقط وفق أرقام النمو الحالية، وإنما تسعّر أيضاً المستقبل. وعندما تستمر السيولة في التداول، وتظهر قطاعات غير نفطية في صدارة الارتفاعات، فإن ذلك يعكس وجود مساحة لدى الاقتصاد الكويتي لتوليد نشاط استثماري خارج قطاع الطاقة.

تدريب اتحاد 25 البحري

القطاع الخاص.. شريك في إدارة الأزمة

تقدم تجربة شركة ميزان القابضة مثالاً آخر على قدرة القطاع الخاص الكويتي على لعب دور يتجاوز النشاط التجاري التقليدي، فالشركة أعلنت مساهمة بقيمة مليون دولار لصالح صندوق الكويت للاستجابة الطارئة، كما عملت على الحفاظ على استمرارية إمدادات المنتجات الأساسية، وحليب الأطفال والأدوية والمياه، من خلال تفعيل مصادر توريد ومسارات نقل بديلة.

وتكشف هذه التجربة عن أهمية وجود قطاع خاص قادر على التعامل مع الأزمات عبر سلاسل إمداد متنوعة ومرنة، والأهم أن الكويت لا تحتاج إلى بناء اقتصاد جديد من الصفر؛ فهي تمتلك بالفعل شركات لديها خبرات إقليمية وشبكات توزيع وتصنيع واستثمارات تمتد إلى دول عدة.

ويمكن لهذه الشركات أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي، وتقليل الاعتماد النسبي على الإنفاق الحكومي.

الكويت أمير البلاد عمان

الثروة السيادية.. من حماية الاقتصاد إلى تمويل المستقبل

وفي المقابل تملك الكويت فرصة خاصة في هذا المجال بفضل أصولها السيادية، فالصندوق السيادي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره حساباً للطوارئ تلجأ إليه الدولة عندما تتراجع أسعار النفط أو تتعرض الصادرات للخطر، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية استثمارية طويلة المدى تخلق عوائد مستدامة وتدعم انتقال الاقتصاد إلى قطاعات جديدة.

كما أن تنويع الاستثمارات الخارجية يمكن أن يترافق مع توجيه جزء من القدرات المالية نحو مشروعات محلية منتجة، شريطة وجود معايير صارمة للحوكمة والجدوى الاقتصادية، ومن هنا، فإن قوة الكويت المالية يمكن أن تتحول من مجرد «وسادة أمان» إلى محرك للتنمية.

الأمن الاقتصادي.. الدرس الأبرز من الأزمة

الدرس الأهم الذي تركته أزمة هرمز بالنسبة إلى الكويت ربما لا يتعلق بالنفط نفسه، وإنما بمفهوم الأمن الاقتصادي.

فالدولة قد تمتلك احتياطيات ضخمة، وصندوقاً سيادياً قوياً، وقدرة إنتاجية كبيرة، لكن هذه المقومات تحتاج إلى بنية تحتية ومسارات تصدير آمنة حتى تتحول إلى قوة اقتصادية فعلية.

لذلك فإن تطوير مسارات بديلة لتصدير الطاقة، وزيادة قدرات التخزين، وتنويع الأسواق، وتعزيز أسطول النقل البحري، وتطوير العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، كلها أصبحت عناصر أساسية في استراتيجية الكويت المستقبلية.

والأزمة الحالية جعلت هذه الأولويات أكثر وضوحاً.

الكويت عقود

تعافٍ متوقع ونموذج أكثر مرونة

المؤشرات المتاحة تتيح قدراً من التفاؤل الحذر بشأن مستقبل الاقتصاد الكويتي. فالأزمة الحالية، وفق المعطيات المقدمة، تبدو مؤقتة في جوهرها، بينما تمتلك الدولة الأدوات المالية التي تسمح لها بامتصاص تداعياتها، ومن المرجح أن يكون استقرار الملاحة في مضيق هرمز العامل الأسرع تأثيراً في عودة النشاط النفطي، خصوصاً مع وجود قدرة إنتاجية يمكن إعادة تشغيلها ورفعها تدريجياً.

لكن الرهان الأكبر يجب أن يكون أبعد من مجرد عودة النفط إلى مستوياته السابقة، فالمستقبل الاقتصادي الأكثر أماناً للكويت هو ذلك الذي تستفيد فيه الدولة من قوتها النفطية والسيادية لتمويل اقتصاد متنوع، وتطوير التكنولوجيا والخدمات واللوجستيات والصناعة، وتعزيز القطاع الخاص، وبناء بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.

وبهذه الرؤية، لا تبدو الكويت أمام خيار بين النفط والتنويع، وإنما أمام فرصة لاستخدام النفط كجسر إلى اقتصاد أكثر تنوعاً.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى