رأي

صبري الديب يكتب.. التقيت «رئيس المحاكم الإسلامية» الذي تريد أمريكا اعتقاله

في سبتمبر عام 2006، تلقيت دعوة لحضور الاحتفال الأضخم بالذكرى السابعة لتأسيس الاتحاد الإفريقي في مدينة سرت الليبية، في حضور 23 رئيس دولة، وجّه إليهم الرئيس الليبي معمر القذافي الدعوة، التي جاءت بعد أيام من الاحتفالات بذكرى الثورة الليبية، التي كنت أحضرها لأول مرة، وشاء القدر أن أتعرف خلالها على شخص قريب للغاية من الزعيم الليبي، جمعت بيننا صداقة كأن عمرها سنين.

ورغم أن صديقي المسؤول كان المحرك الأول لكل الأمور التنظيمية الخاصة بالمناسبات الرئاسية، فإنني ظللت لشهور لا أعلم هوية المنصب الذي يشغله، أو الجهة السيادية التي ينتمي إليها، غير أنه فاجأني خلال إحدى الجلسات المرحة لتدخين الشيشة التي كانت تجمعنا كل ليلة، بأنني مدعو لحضور ذكرى تأسيس الاتحاد الإفريقي، وأنني سأكون برفقته في الرحلة من طرابلس إلى سرت صباح اليوم التالي، وهو ما حدث بالفعل.

وقبل يوم من الاحتفال، كنت أجلس في بهو فندق المدينة المنورة بسرت، وفوجئت بصديقي المسؤول يناديني، وقال لي بصوت منخفض للغاية: “تخيل أن الشيخ شريف شيخ أحمد، رئيس المحاكم الإسلامية في الصومال، والمطلوب أمنيًا من أمريكا، سيحضر الاحتفال بدعوة خاصة من الرئيس القذافي، وأنه وصل صباح اليوم، ويقيم في مجمع القصور الرئاسية، في الفيلا رقم كذا، الدور رقم كذا..”

فقلت في ذهول: معقول، إن وجوده يعد حدثًا سيتحدث عنه العالم، ولقاؤه يعد سبقًا صحفيًا عالميًا يغري أي صحفي.. قال: مستحيل أن يلتقيه أحد، لأنه مجمع القصور يخضع لرقابة أمنية صارمة لا تسمح بالدخول أو المغامرة.. قلت: الله المستعان.

وتركته حاملًا حقيبتي الصغيرة التي كانت تحوي جهاز “تسجيل صغير”، وانطلقت بتاكسي إلى حيث يقيم أحد أشهر قادة الصومال على الإطلاق، الذي ظل العالم حتى عام 2006 يعتقد أن أمريكا تريده اعتقاله، في حين أنها كانت تستجدي رضاه، بعد أن تمكن خلال ترؤسه لقوات المحاكم الإسلامية من أسر 12 جنديًا أمريكيًا، واضطرت واشنطن إلى إخفاء الأمر، وظل الرئيس جورج دبليو بوش يسعى للقائه والتفاوض معه سرًا، خشية انكشاف الخيبة الثقيلة للقوات الأمريكية في الصومال.

وكان الشيخ شريف قد نجح عام 2003 في جمع كل المحاكم الإسلامية في الصومال في كيان واحد تحت رئاسته، ودحر كل الميليشيات والعصابات المسلحة، التي تشكلت في غياب السلطة المركزية، وأوقف كافة جرائم القتل والنهب، وأعاد الأمن لأغلب مناطق البلاد، غير أنه اضطر في عام 2006 إلى الفرار باتجاه الحدود الكينية، بعد هزيمة المحاكم أمام القوات الإثيوبية التي قامت بغزو الصومال، وتم اعتقاله.

وتوقع الجميع أن تقوم كينيا بتسليمه إلى أمريكا، غير أن إدارة بوش الابن تعاملت معه باحترافية عالية، حيث سارعت السفارة الأمريكية في نيروبي بالإعلان رسميًا أنها لم تطلب اعتقاله، وقام السفير الأمريكي باستقباله بأمر رئاسي فور الإفراج عنه، طمعًا في كسب ثقته، والإفراج عن الجنود الأمريكيين، وظل نجمه في الصعود إلى أن تم انتخابه في عام 2009 رئيسًا للصومال، ونجح في وضع دستور للبلاد، وإنشاء العديد من المؤسسات الحيوية مثل الجيش والشرطة، والقضاء على أغلب الجماعات المتشددة وعلى رأسها حركة الشباب.

ونزلت من التاكسي على بعد أمتار من المجمع الرئاسي، وسط انتشار كثيف للقوات الخاصة الليبية التي تم استنفارها لحماية مقار إقامة 23 رئيس دولة، وانطلقت مرتديًا نظارتي السوداء، ورأسي إلى أعلى، وخطواتي واثقة، وكأني لا أرى أحدًا، عابرًا بوابة المجمع بكل ثقة، لأجد نفسي فجأة وسط الصرح السيادي الضخم، الذي يحوي 26 فيلا رئاسية، تم تصميمها على طراز معماري فريد، لاستضافة الزعماء والرؤساء الذين يشاركون في القمم العربية والإفريقية التي كانت تستضيفها سرت.

ولأنني لم أكن أمتلك رفاهية التأمل في المكان الذي دخلته بعناية وتوفيق العلي القدير، فقد اتخذت طريقي بشكل مستقيم، متجنبًا أي خطأ قد يقودني إلى السجن، وعندما اطمأننت أنني بتُّ وسط الفيلات، سألت بتعالٍ شديد عن رقم الفيلا المطلوبة، واتجهت إليها ودخلت بنفس الثقة، وصعدت إلى الدور الثاني، وقطعت الممر المزود بأرقى أنواع السجاد والأثاث بخطى واثقة، وطرقت الجرس، فخرج إليَّ شاب أسمر، تبدو عليه علامات الهدوء، يرتدي ثوبًا أشبه بالزي الأفغاني.

فألقيت عليه التحية، فرد بصوت منخفض وأدب جم: “أهلًا وسهلًا”. قلت: أريد مقابلة الشيخ شريف. فقال: من حضرتك؟ قلت: “فلان، صحفي مصري”. فقال: استأذنك في الانتظار لدقائق، فهو الآن مشغول بأداء الصلاة. وأشار إليَّ بالانتظار في صالون فخم على بعد أمتار معدودة.

وبعد أقل من 10 دقائق، خرج الشاب، وأشار إليَّ بالدخول، لأجد نفسي أمام الشاب الأربعيني الأسمر، الذي يسعى الرئيس الأمريكي للقائه بشتى الطرق، وهو يهم من مكانه ويستقبلني بحفاوة، مصحوبة بعبارات ثناء وحب لمصر والمصريين، مجيبًا بود على كل أسئلتي، التي حمل بعضها اتهامات صريحة له وللمحاكم.

وأتممت مهمتي، مودعًا الشيخ شريف، وخرجت من مجمع القصور الرئاسية في سرت كما دخلته، وأنا أردد: “أشهد أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، في حين أُصيب صديقي المسؤول بذهول عندما علم بمغامرتي، وأقسم أنه لو تم كشف أمره شخصيًا داخل القصور الرئاسية دون تصريح لكان مصيره السجن، “والله خيْر حافظًا وَهو أَرْحم الراحمين”.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى