الرئيسيةدراساتسياسية

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: ردع طارئ أم مشروع أمني مستدام؟

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية
في مكة المكرمة، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، اتفاقية دفاع مشترك تقضي باعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا. جاء التوقيع تتويجًا لمفاوضات امتدت أعوامًا بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، لكنه لم يأتِ منعزلًا عن سياقه الزمني: فقد سبقه بأسابيع قليلة إعلان الرياض عن تحالف بحري دفاعي يضم أربع عشرة دولة عربية وإسلامية، مهمته حماية الملاحة والتجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وهذا التقارب الزمني بين الحدثين هو المدخل الأنسب لفهم ما تحاول السعودية إنجازه، وما تحمله المنطقة من احتمالات في مرحلة تتشابك فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران باعتداءات طهران المتكررة على دول الخليج.

دلالة التتابع: من التحوط الجماعي إلى الردع القابل للتمدد
الفارق الجوهري بين الأداتين اللتين أنشأتهما الرياض خلال فترة وجيزة يكمن في طبيعة الالتزام الذي تفرضه كل منهما، لا في عدد الأطراف الموقعة. فالتحالف البحري إطار تعاوني واسع العضوية، مرن الانضمام، يُعنى بحماية الممرات والمصالح الاقتصادية المشتركة، ويضم إلى جانب السعودية دولًا تقع مباشرة على خطوط التهديد كمصر وتركيا وباكستان والكويت والبحرين وقطر والأردن، إضافة إلى اليمن والسودان وجيبوتي والصومال، التي تمنح المبادرة اتصالًا مباشرًا بالممرات التي تمثل عصب الحركة التجارية والطاقة بين الشرق والغرب.

أما اتفاقية مكة فالتزام دفاعي أعمق بين ثلاث دول حتى الآن، أقرب في بنيته إلى مبدأ الدفاع المتبادل الذي تقوم عليه المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، وقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى هذا التشابه صراحة، مؤكدًا أن الاتفاقية ستفرز أمانة عامة ولجنة وزارية على غرار الحلف الأطلسي.
غير أن الأهم في تصريحات فيدان لم يكن مقارنته بالناتو، بل تأكيده أن رؤية الرئيس التركي أردوغان “لا تقتصر على الدول الثلاث”، وأن الباب مفتوح لضم دول أخرى، بل أشار تحديدًا إلى أن مصر قد تنضم حال تسوية بعض المسائل الفنية. فاتفاقية مكة إذن ليست إطارًا مغلقًا على ثلاثية جامدة، بل نواة صلبة صُممت لتكون قابلة للتمدد، تجمع بين قوة نووية (باكستان)، وقوة صناعية دفاعية صاعدة (تركيا)، وثقل مالي واقتصادي إقليمي (السعودية)، بما يجعلها أقرب إلى “بذرة تحالف” منها إلى تحالف مكتمل الأركان. هذا التمايز بين البنية المرنة الواسعة والبنية الملزمة القابلة للتوسع يمنح الرياض هامشًا مزدوجًا: مظلة جماعية لحماية الممرات، ونواة ردع أضيق تُبنى تدريجيًا كلما انضمت إليها أطراف جديدة، ولا تكمن أهمية هذه التركيبة في عدد الدول وحده، بل في الجغرافيا التي يجمعها المشروعان معًا، إذ تتجمع فيهما قوى تمتلك قدرات بحرية وبرية وجوية معتبرة وتمتد جغرافيا من الخليج إلى المحيط الهندي.

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. هل تعيد تشكيل معادلة الأمن الإقليمي؟ | سياسة | الجزيرة نت

اختبار الجدوى: أمن حقيقي أم غطاء سياسي؟
على الرغم من الرمزية الكبيرة للتوقيع، فإن قيمة الاتفاقية الفعلية ستُقاس بمدى قدرتها على الانتقال من إعلان سياسي إلى بنية تشغيلية قادرة على الاستجابة السريعة. فحتى الآن لم تُحسم تفاصيل جوهرية كحجم القوات المخصصة، وآليات اتخاذ القرار، وقواعد الاشتباك، ومقر الأمانة العامة المرتقبة رغم ترشيح الرياض مبدئيًا لاستضافته. والأمر ذاته ينطبق -بدرجة أقل حدة- على الاتفاقية الثنائية السابقة بين السعودية وباكستان، الموقعة في 17 سبتمبر 2025 بالرياض، والتي ظلت لأشهر شبه معطّلة عمليًا قبل أن تشهد خطوة ميدانية أولى بوصول مقاتلات باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في أبريل 2026، أي بعد نحو سبعة أشهر من التوقيع. وهذا التباطؤ يكشف أن الاتفاقيات الدفاعية في هذه المنطقة تُبنى غالبًا كأطر ردع نفسي وسياسي أولًا، قبل أن تتحول إلى قدرة تشغيلية فعلية، وأن الفارق بين توقيع الوثيقة وتفعيلها الميداني قد يمتد أشهرًا طويلة حتى في أوثق العلاقات الثنائية.

كما أن الدول الثلاث تواجه قيودًا اقتصادية متفاوتة الحدة، من الضغط على الموازنة السعودية والتركية إلى الأزمة الاقتصادية الأشد وطأة في باكستان، وهو ما يجعل بناء بنية عسكرية متكاملة حقيقية أمرًا يتطلب موارد والتزامًا سياسيًا يفوق بكثير مجرد التوقيع. ومع ذلك، فإن الجمع بين الأداتين يمنح الرياض قدرة ردع تراكمية ملموسة، ظهرت عمليًا في الضربة المباشرة التي استهدفت ميليشيات موالية لإيران في العراق، بعد تكرار الهجمات التي استهدفت المملكة، في رسالة مفادها أن سياسة ضبط النفس لا تعني قبول استباحة الأمن الوطني، وأن الردع لا يقوم فقط على القدرة، وإنما على إقناع الخصم بأن هذه القدرة ستُستخدم فعليًا متى تجاوزت التهديدات حدودًا معينة.

الاختبار الحاسم: هل تتحرك تركيا وباكستان عسكريًا؟

يبقى السؤال الأصعب معلقًا: في حال تصعيد إقليمي حقيقي، كأن تردّ إيران على ضربة أمريكية باستهداف منشآت نفطية سعودية، فهل ستُقدم تركيا وباكستان فعليًا على عمل عسكري مباشر ضد طهران؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن الاتفاقية، رغم صياغتها الملزمة نصيًا، ستُختبر أولًا عبر مستويات أدنى من التصعيد، كالهجمات الحوثية المتكررة أو استهداف مصالح سعودية من العراق، قبل أن تصل إلى اختبار الحرب المفتوحة. فأنقرة تُدير علاقة معقدة مع طهران تجمع بين التنافس الإقليمي والتنسيق الاقتصادي، وإسلام آباد تتقاسم مع إيران حدودًا حساسة تمتد تسعمئة كيلومتر.
والأهم في حالة باكستان تحديدًا أنها ليست طرفًا محايدًا فحسب، بل لعبت دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران في وقف التصعيد الأخير، إذ قادت إسلام آباد -بقيادة رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش- مفاوضات مكثفة استمرت نحو تسعة وستين يومًا أفضت إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية وُقّعت في سويسرا في يونيو 2026. هذا الدور في قيادة الوساطة يضع باكستان أمام معضلة مزدوجة: فهي طرف في اتفاقية دفاع مشترك مع الرياض قد تُلزمها نظريًا بموقف عدائي تجاه طهران، وهي في الوقت ذاته الجسر الدبلوماسي الأكثر موثوقية بين واشنطن وطهران، وهو دور لا تريد خسارته على الإطلاق. لذلك فالأرجح أن تُفعَّل الاتفاقية في مراحلها الأولى كأداة ردع دبلوماسي ودعم استخباراتي ولوجستي، لا كإعلان حرب فوري، وأن حدود الالتزام الفعلي لن تتضح إلا عند وقوع الاختبار نفسه.

مصر بين الحضور في التحالف والغياب عن الاتفاقية

يفرض غياب مصر عن اتفاقية مكة، رغم انضمامها إلى التحالف البحري وانخراطها في آلية رباعية جمعتها بالدول الثلاث في خمسة اجتماعات آخرها في عمّان على هامش اجتماع وزاري بشأن القدس، تساؤلًا مشروعًا حول حدود الشراكة المصرية مع محور الرياض-أنقرة-إسلام آباد.
وثمة قراءتان متعارضتان لهذا الموقف. الأولى تستند إلى عمق التقارب المصري مع الدول الثلاث وتقاطع مصالحها الأمنية، مدعومة بتصريح فيدان الذي فتح الباب أمام انضمام القاهرة “بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية”، وهو ما يوحي بأن الغياب مؤقت لا نهائي. أما القراءة الثانية فتنطلق من ثابت راسخ في السياسة المصرية، هو الامتناع عن إرسال قوات خارج الحدود، كما ظهر في مواقفها من أزمتي ليبيا والسودان حيث تركز على الدعم السياسي والمشاورات بدلًا من المشاركة العسكرية المباشرة، وتفضيلها أداء دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة بدل الانحياز إلى تحالف عسكري قد يُفسَّر كموقف مباشر ضد طهران.
الأرجح أن الحقيقة تجمع بين القراءتين: فالقاهرة لا تمانع من حيث المبدأ الانخراط في أطر تعاونية واسعة كالتحالف البحري، لأنها لا تفرض التزامًا دفاعيًا ملزمًا، لكنها قد تكون في انتظار إجابات على تساؤلات مهمة قبل الانضمام إلى اتفاقية ثلاثية -وإن كانت مفتوحة للتوسع-، خاصة قبل حسم مآلات الحرب الجارية.

المستقبل: نواة تحالف أوسع أم إعادة ضبط للردع فحسب؟

تتقاطع اتفاقية مكة والتحالف البحري عند نقطة واحدة أكثر أهمية من تفاصيلهما التقنية: محاولة الدول العربية والإسلامية الانتقال من موقع المتلقي لتبعات الصراعات الكبرى إلى موقع الفاعل في صياغة أمنها الخاص، بعد عقود من الاعتماد بدرجات متفاوتة على القوى الكبرى لحماية ممراتها ومصالحها. وثلاثة سيناريوهات تبقى مفتوحة أمام هذا المسار:
أولها؛ استمرار الردع المنضبط الذي تنتهجه الرياض حاليًا، بالجمع بين الرد المحدود على أي اعتداء مباشر، والتوسع الأمني الجماعي، والاستمرار في المسار الدبلوماسي مع مختلف الأطراف.
وثانيها؛ تحوّل الأداتين معًا -التحالف البحري واتفاقية مكة- إلى منظومة أمن إقليمي أشمل، تتجاوز حماية الملاحة إلى تبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، وتنضم إليها مصر ودول أخرى تدريجيًا كلما تراجعت حدة الصراع الراهن.
وثالثها؛ وهو الأخطر، الانزلاق إلى مواجهة أوسع إذا استمرت الهجمات على المنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية السعودية، أو اتسعت عمليات استهداف السفن والممرات البحرية، أو تحولت الحرب الأمريكية الإيرانية إلى صراع إقليمي مفتوح يصعب على الرياض وحلفائها البقاء خارجه.
وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل العلاقات الخليجية العربية مع إيران سيبقى رهينًا بمساري تطور متوازيين: مسار الحرب الأمريكية معها من جهة، ومصير الوساطة الباكستانية الهشة من جهة أخرى، والتي أثبتت قدرتها على انتزاع تهدئة فعلية، لكنها لم تختبر بعد قدرتها على تحويل هذه التهدئة إلى سلام إقليمي مستقر يسمح لدول الخليج بإعادة صياغة علاقتها مع طهران على أسس أقل هشاشة من موازين الردع المتبادل الراهنة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى