رأي

هديل فتحي المسارعي تكتب: نسوة غزة.. أمهات يزرعن الحياة تحت القصف

في غزة، حيث تتساقط القذائف وتُخيم سحب الدخان، تُشرق شمس الصمود من عيون النساء الغزيات. لستُ بصدد الحديث عن أرقام أو إحصائيات؛ بل عن حكايا ترويها قلوب أمهات، وعن قصص تُعيد كتابة معنى الحياة وسط الموت.

تُصبح المرأة الغزّاوية أكثر من مجرد أم أو زوجة؛ هي جنديٌّ بلا سلاح، ومقاتلةٌ بلا عتاد، وملاذٌ آمن في عاصفة من الخوف. دورها ليس تقليديًا، إنه دور استثنائيٌ يفرض نفسه في ظروف قاسية. تحت القصف، تُحوّلُ كل ركن في المنزل، إن بقي له ركن، إلى حضن دافئ، وتحوّل كل لحظة رعب إلى فرصة للحياة. في الأيام العادية، يكون دور الأم محوريًا في بناء الأسرة، ولكن في غزة، يتجاوز هذا الدور كل حدود. إنه دور يمزج بين الأمومة والقيادة والطبابة والتعليم. تحت دوي القنابل، لا تجد الأم الغزاوية سوى صدرها الحنون وملابسها الممزقة لتدفئ طفلها. تبتكر حكايات قبل النوم لا تتحدث عن الأبطال الخياليين، بل عن الطيور التي ستعود يومًا إلى أعشاشها وعن أشجار الزيتون التي لا تموت. تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تخلق مساحة من الأمان وسط الفوضى، مساحة تجعل الطفل ينسى للحظة أن السماء تُمطر نارًا.

 اقرأ أيضا: السعودية في أسبوع.. ولي العهد يلتقى وزير الخارجية الأمريكي ويبحث مع نائب الرئيس الفلسطيني تطورات الأوضاع بغزة

 نسوة غزة.. أمهات يزرعن الحياة

لم تعد الرعاية في غزة تقتصر على توفير الطعام والشراب، ففي ظل الحصار وشح الموارد، أصبحت كل لقمة خبز قطعة من الجنة. الأم تبحث في كل مكان عما يسد جوع صغيرها، قد تضحي بوجبتها لتضمن له البقاء. هي لا تمنح الطعام فقط، بل تمنح الأمل في أن الغد سيكون أفضل. أصبحت الأغنية التي تغنيها لطفلها ليست مجرد لحن، بل رسالة صمود وبقاء؛ رسالة تقول: “نحن هنا، ولن نرحل“.

ما يثير الدهشة هو كيفية قدرة هذه الأمهات على الحفاظ على الصحة النفسية لأطفالهن في ظل هذا الرعب. تجد الأم نفسها طبيبة نفسية، تبحث عن طرق لتخفيف الصدمة والخوف. هي من تجفف الدموع، وتُعيد الابتسامة، وتُشعل شمعة في الظلام. قد ترى امرأة ترسم على وجه طفلها وجوهًا مضحكة لتبعد عنه شبح الخوف، أو أخرى تستخدم الأوراق المبعثرة لتعليم طفلها الحروف، وكأنها تقول للموت: “حتى في خضمك، نحن نزرع الحياة“.

إنّ دور النساء في غزة ليس دورًا هامشيًا، بل هو جوهر الصمود ومفتاح البقاء. هنّ العمود الفقري للمجتمع، لا يكتفين بالانتظار، بل يبادرن بالفعل، ويبنين من تحت الأنقاض عالمًا جديدًا لأطفالهن، عالمًا يقوم على الحب والأمل. هنّ من يروين قصص النكبة لأبنائهن، ليعلمنهم أن الهوية ليست مجرد اسم، بل هي تاريخ وتضحية.

فالقصة في غزة ليست مجرد أرقام تُحصى في نشرات الأخبار، ولا هي مجرد صور لدمار يُعرض على الشاشات. إنها حكاية صمود يومي تُكتب بدموع الأمهات، وحكايات قبل النوم تُروى تحت ضوء الشموع، وأغنيات أمل تُصدح رغم دوي القنابل. هي حكاية كل امرأة فلسطينية قررت أن تُعلّم طفلها أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الأرض تستحق أن تُحَب، وأن الأمل أقوى من كل سلاح. في غزة، تُعيد النساء تعريف البطولة، ليُظهرن للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على العطاء، والبقاء، وزرع الأمل في أكثر الأوقات قتامة.

ختامًا، إن نساء غزة لسن ضحايا فقط، بل هن بطلات، وأمهات، ومعلمات، ومربيات. هنّ من حملن على عاتقهن مسؤولية الحفاظ على الجيل القادم، جيل سيحمل في قلبه حب الحياة، على الرغم من كل ما شاهده. تحية لكل أم فلسطينية في غزة، ولكل امرأة تخلق من العدم عالمًا لأطفالها؛ عالمًا يتسع للحياة في وجه الموت.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى