رأي

منة الله أسامه تكتب.. الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة شملت مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والتقنية على المستوى الدولي، وكان لقطاع الإعلام نصيب وافر من هذه التحولات. فقد أدت التطورات التكنولوجية المتسارعة إلى إعادة تشكيل بنية وسائل الإعلام، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أساليب عمل القائمين على العملية الإعلامية، سواء في الأداء أو التوجيه أو التنفيذ، وهو ما ترك أثره الواضح على الوظائف التقليدية للإعلام. ومع هذه المتغيرات، يثور التساؤل : هل نجح الإعلام الجديد في إزاحة الإعلام التقليدي، أم أن كليهما يؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه؟

 

يُعد الإعلام التقليدي حجر الأساس في نقل الأخبار والمعلومات، إذ يشمل الوسائل الإعلامية التي سادت قبل عصر الإنترنت، مثل التلفزيون، والإذاعة، والصحف، والمجلات، والسينما. وقد تميز هذا النمط من الإعلام بالتحرير المهني، والالتزام بالمعايير الأخلاقية، وبث المحتوى في اتجاه واحد إلى جمهور واسع. كما لعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العام، وظل لسنوات طويلة المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات. ورغم المنافسة المتزايدة من الإعلام الرقمي، لا تزال وسائل الإعلام التقليدية تحتفظ بمكانتها، وتواصل الإسهام بفاعلية في المشهد الإعلامي، مستندة إلى رصيدها من المصداقية والثقة لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

 

في المقابل، يمثل الإعلام الجديد امتدادًا مباشرًا للثورة التكنولوجية، ويتجسد في منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الرقمية، مثل فيسبوك وتويتر، إلى جانب المواقع الإخبارية الإلكترونية، والمدونات، ومنصات الفيديو. ويتميز هذا النوع من الإعلام بالسرعة الفائقة وسهولة الوصول، ما يتيح للجمهور متابعة الأحداث لحظة بلحظة والتفاعل معها من خلال التعليقات والمشاركة. كما أسهم الإعلام الرقمي في كسر احتكار المعلومة، محولًا المتلقي من مجرد مستقبل سلبي إلى شريك فاعل في صناعة المحتوى ونشره.

 

ومن خلال المقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، يتضح أن العلاقة بينهما ليست علاقة إلغاء بقدر ما هي علاقة تطوير وتكامل. فالإعلام الرقمي يمتاز بقدرته على استهداف جمهور محدد بناءً على الاهتمامات والسلوكيات، إضافة إلى امتلاكه أدوات تحليل دقيقة لقياس الأداء، مثل معدلات التفاعل وعدد الزيارات. في المقابل، يعتمد الإعلام التقليدي على استهداف جماهيري عام، ويقيس تأثيره من خلال نسب المشاهدة أو استطلاعات الرأي، وهي أدوات أقل دقة مقارنة بالوسائل الرقمية.

 

كما يتميز الإعلام الجديد بتأثيره السريع والواسع، نتيجة التفاعل المباشر مع الجمهور، ما يمنح الرسالة الإعلامية قوة وانتشارًا أكبر. بينما يحتفظ الإعلام التقليدي بتأثيره العميق ومصداقيته العالية، خاصة لدى فئات معينة من المجتمع، رغم بطئه النسبي في الوصول إلى الجمهور مقارنة بالإعلام الرقمي.

 

وعليه، فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في المفاضلة بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، بل في كيفية تحقيق التكامل بينهما. فالحاجة اليوم ملحة إلى إعلام واعٍ يوظف التكنولوجيا الحديثة دون أن يفقد بوصلته القيمية، ويواكب إيقاع العصر دون التفريط في مسؤوليته الاجتماعية والمهنية.

 

وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل الإعلام لا ينتمي إلى نمط واحد دون الآخر، بل يتوقف على وعي الجمهور في اختيار مصادره، وعلى التزام الإعلاميين بتقديم محتوى مسؤول يجمع بين الدقة والسرعة. فالإعلام، بمختلف أشكاله، يظل رسالة قبل أن يكون وسيلة.

 

ويبقي التساؤل ….

 

هل عصر الذكاء الاصطناعي يقضي علي الإعلام التقليدي والإعلام الحديث ؟ ام أن الإعلام الحديث يتعاطي مع الذكاء الاصطناعي ؟

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى