رأي

د. ليلى موسى تكتب.. «أردوغان» البحث عن نصر انتخابي في الخارج رهان خاسر

السياسة البراغماتية لحكومة العدالة والتنمية، عبر استغلال موقعها الجيوستراتيجي والظروف والفرص الإقليمية والدولية لتمرير أجنداتها ومشروعها التاريخي القديم المتجدد (الخلافة الأردوغانية بالصبغة العثمانية) حققت لها العديد من المكتسبات المرحلية عبر التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، وبشكل خاص تلك التي تعاني من أزمات.

ففي الوقت الذي حققت تلك السياسة والمنهجية فرصة عظيمة لحكومة العدالة والتنمية بأن تكون قوة رئيسية وفعالة في المفاوضات أو المساعي الرامية لحلحلة أزمة دول الجوار. بات الخروج من تلك الأزمات تفرض ضرورة حتمية خروج تركيا خالية الوفاض.

حكومة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان التي تصدرت المشهد خلال الحراك الشعبي الذي اجتاح المنطقة في وجه ديكتاتورياتها، على أنه رمز حامي الشعوب وناشر الديمقراطيات والعدالة الاجتماعية ومؤسس نموذج الدولة القوية التي لا تقهر. كارثة الزلزال التي حلت على البلاد في شباط المنصرم كانت كفيلة بإزالة الستار وتبيان مدى هشاشة الدولة التركية وعجزها وحجم الفساد المستشري في جميع مفاصلها. كارثة لتضيف إلى المزيد من الامتعاض والسخط الشعبي حيال سياسات العدالة والتنمية وما آلت إليه الأوضاع في تركيا.

يبدو اصرار حكومة العدالة والتنمية بإجراء الانتخابات في موعدها خشيتها من تدهور المزيد في قاعدتها الشعبية، واستغلال حالة الفوضى في ظل رسم الاستراتيجيات والسياسات الجديدة للمنطقة ودورها المحوري والفعال فيها. دور قائم على تقديم تنازلات والخروج من الدول التي تدخلت فيها ضاربة جميع الأعراف والمواثيق الدولية عرض الحائط. نجاح مرهون بالانفتاح على المحيط الإقليمي وتصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج.

حيث شاهدنا مؤخراً انفتاح التركي – العربي، وشبه انفتاح تركي سوري. انفتاح بشروط عربية وتنازلات من الجانب التركي. حكومة دمشق وفي أضعف مراحلها وحاجتها الملحة للانفتاح على محيطها الإقليمي للخروج من عزلتها وأزمتها تشترط على العدالة والتنمية الخروج الكلي من سوريا شرط مسبق للجلوس والتفاوض.

ما يهم تركيا برئاسة أردوغان في الوقت بدل الضائع لكسب الانتخابات التقاط الصور مع زعماء تجمعه بهم ملفات خلافية جوهرية وثقة وأرضية هشة. ويبدو أن عجلة الزمن بدأت بالدوران للخلف ومسلسل التنازلات ما كان يدعيه في القريب العاجل بالخطوط حمراء باتت واقعاً ملموسة كمبادرة اللقاء مع الأسد وقبول انضمام فلندا للناتو وإيقاف استيراد نفط العراقي (من إقليم كردستان العراق) وإغلاق مجالها الجوي أمام روسيا والاستجابة بتنفيذ العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا وغيرها من الملفات.

ولكن يبقى الثابت في سياسة العدالة والتنمية التي إذا تخلت عنها ستخسر ديمومتها على سدة الحكم، ألا وهو استغلال المشاعر الدينية للمسلمين والشعارات الرنانة والقدس، خط أحمر. ومعاداة الشعب الكردي ودعم التنظيمات الإرهابية أدواتها الاستراتيجية لتنفيذ سياساتها الخارجية.

حيث أصدر التحالف الدولي بيان استهداف للقيادي في تنظيم داعش الإرهابي إياد الجبوري في إدلب مسؤول العمليات الإرهابية في أوروبا، ليعري حقيقة أردوغان حامي الإرهابيين في المناطق التي احتلها، وحولها حسب زعمه لمناطق آمنة للإرهابيين وعوائلهم.

سلسلة اخفاقات منيت بها حكومة العدالة والتنمية في ظل تدهور الوضع الداخلي وتأزمها والتي طالما قامت على تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج. وللتغطية على ذلك استهدفت قبل أيام موكب قائد قوات سوريا الديمقراطية أثناء تواجده مع شركائه في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. استهداف تسعى من خلاله تحقيق نصراً على الصعيد الانتخابي وتصعيد خطير في مواجهة جميع الجهود الرامية في مكافحة الإرهاب الذي يجمع كل من الحكومة العراقية والقوى الكردستانية وقوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي. تدخل بالرغم من ادعائها تصفير المشاكل مع الخارج، تدخل سافر في السيادة والشؤون الداخلية وضرب جميع الأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية عرض الحائط. تحركات من شأنها تنامي الإرهاب والتطرف مجدداً.

تدخّل يؤكد ما تقوم به العدالة والتنمية من عمليات للانفتاح والتطبيع ما هي إلا كسباً للوقت وورقة انتخابية والبحث عن نصر في المعركة الانتخابية في الخارج بعد نفاذ حظوظها داخلياً. لكنه رهان ربما لن يكون موفقاً في ذلك لأن العديد من الدول لن تمنحها ذلك دون مقابل والمقابل يفرض تنازلات، والتنازلات يقابلها تراجع القاعدة الشعبية. إذا في الحالتين الرهان خاسر لحكومة العدالة والتنمية سواء قدمت تنازلات أم لم تقدم. يبقى الحل الأمثل هو الانفتاح على الداخل وحل الأزمة التركية عبر إجراء تحول ديمقراطي حقيقي في الداخل التركي بعيداً عن التدخلات في شؤون دول الجوار وتصدير أزماتها إلى الخارج.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى