تقدير موقف

كيف قرأ خبراء الأمن القومي الإسرائيلي التحديات التي تعترض سبيل صياغة أول استراتيجية للأمن القومي لإسرائيل؟

دكتور/ أحمد البدوي سالم

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الازهر

زميل كلية الدفاع الوطني، الاكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

صدر عن مركز بيجن للدراسات الاستراتيجية، جامعة بار إيلان، في العدد 2,388، بتاريخ 10 يونيو 2026 تقريرًا بعنوان: التحديات التي تعترض سبيل صياغة استراتيجية الأمن القومي، האתגרים בדרך לגיבוש אסטרטגיית ביטחון לאומי والذي أعده العقيد (احتياط) شمعون أراد، ويعمل حاليًا مستشارًا للأمن القومي والاستراتيجية، وهو حاصل على الدكتوراه، وسبق له أن شغل مجموعة من الأدوار في التخطيط الاستراتيجي في جيش الدفاع الإسرائيلي (J5)، ووزارة الدفاع، ومجلس الأمن القومي.

أولًا: أهمية التقرير:

لا يمثل التقرير مجرد دراسة أكاديمية تناقش آلية إعداد استراتيجية للأمن القومي، وإنما يُعد وثيقة تعكس جانبًا من النقاش الداخلي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن إعادة بناء مفهوم الأمن القومي بعد حرب السابع من أكتوبر 2023.

وتنبع أهميته من عدة اعتبارات:

• أن كاتبه شغل مناصب داخل مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي.

• أن التقرير صادر عن مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA)، وهو أحد أبرز مراكز التفكير ذات التأثير في دوائر صنع القرار الإسرائيلي.

• يناقش التقرير قضية تتعلق بإعادة هيكلة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وليس مجرد إصلاح إداري.

ومن ثم فإن التقرير ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشر.ًا على اتجاهات التفكير الاستراتيجي داخل النخبة الأمنية الإسرائيلية، وليس باعتباره وثيقة رسمية تعبر عن سياسة الدولة.

استهل “شمعون أراد تقريره” بأنه صدر قانون حديث ينص ولأول مرة، على أن أي حكومة إسرائيلية جديدة يجب أن تعد استراتيجية للأمن القومي في غضون 150 يومًا من تشكيلها. ونظرًا لإجراء الانتخابات العامة في موعد لا يتجاوز أكتوبر 2026، فقد توافق إسرائيل قريبًا على أول استراتيجية أمن قومي رسمية لها. ورغم أن هذا يمثل فرصة لفرض التماسك على التوجه الاستراتيجي والعقيدة الأمنية غير المتوائمة في البلاد، إلا أنه يأتي في وقت انجراف استراتيجي ومؤسسي عقب الحروب متعددة الجبهات التي أعقبت هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

ويقرر شمعون أراد انه نظرًا لأن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ضعيف جدًا ليقود الجهد المعقد لكتابة استراتيجية أمن قومي متماسكة وقوية، فقد تنتج بدل.ًا من ذلك استراتيجية سطحية تُضيّع الفرصة التي يتيحها القانون الجديد. ومن ثم فإنه يرى وجوب اتخاذ خطوات لضمان صياغة الاستراتيجية الجديدة بطريقة تكفل إعادة التقييم المستمر وتعزيز التعلم المستمر والتكيف في مواجهة المشهد الإقليمي المتغير باستمرار.

ويرى شمعون أن إسرائيل تفتقر حاليًا إلى استراتيجية أمن قومي معتمدة رسميًا. وأن القانون الحالي ينص على إلزام كل حكومة جديدة بإعداد واحدة في غضون 150 يوم.ًا من تشكيلها. لذا، بعد الانتخابات العامة المقبلة، التي ستُجرى في موعد أقصاه أكتوبر، قد تُقرّ إسرائيل أخير.ًا أول استراتيجية أمن قومي رسمية لها.

يمثل هذا الشرط الجديد فرصةً لخلق ترابط بين المكونات الأساسية لأمن إسرائيل. فهو يسمح بمواءمة التوجه الاستراتيجي للدولة، وعقيدتها الأمنية، وبناء قواتها وتشغيلها – وهي مكونات غير متناسقة حاليًا. ومع ذلك، تأتي هذه الفرصة في وقت يشهد فيه الوضع في إسرائيل انحرافًا استراتيجيًا وضعفًا مؤسسيًا.

من بين تبعات الحرب متعددة القطاعات التي تشنها إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزايد تطبيق توجه استراتيجي استباقي وتعديلي، مما أدى إلى تغييرات فعلية في مفهوم الأمن الإسرائيلي وفي عمليات قواتها وبنائها. وتُنفذ هذه التغييرات دون عملية صنع قرار رسمية أو نقاش عام. في الوقت نفسه، يعاني مقر الأمن القومي، المسؤول عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة، من الضعف ويفتقر إلى العمق البيروقراطي اللازم لقيادة هذا الجهد الفكري والمؤسسي المعقد بفعالية وفي غضون المدة الزمنية المحددة بخمسة أشهر بموجب القانون الجديد.

نتيجةً لذلك، قد تكون الاستراتيجية الجديدة سطحية، وقد تُفوَّت فرصة وضع استراتيجية متماسكة، مع تحديد أولويات الأمن القومي الإسرائيلي للخمس سنوات القادمة. ولضمان عدم إهدار هذه الفرصة، ينبغي للحكومة الجديدة اعتماد آلية مشاورات متكررة مع واضعي الاستراتيجية، وتعيين فريق من الخبراء ذوي الخبرة لدعم وتعزيز جهود مجلس الأمن القومي. يجب أن تضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة قدرة مستمرة على التعلم والتقييم، بما يُمكّن من إجراء تغييرات سريعة في ظل الظروف الإقليمية المتغيرة باستمرار.

لذا تناول شمعون منخ خلال تقريره التحديات والعمليات التي تعترض سبيل صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي، وليس محتواها.

• ثانيًا: قانون استراتيجية الأمن الجديد لإسرائيل:

يقرر شمعون أن القانون الجديد يدعو إلى وضع استراتيجية متماسكة ومعتمدة لتعزيز مصالح إسرائيل السياسية والأمنية وتقوية قدرتها على الصمود. وقد استُلهم هذا القانون من نماذج دول أخرى، بما في ذلك اشتراط الولايات المتحدة وجود وثيقة سنوية لاستراتيجية الأمن القومي. وأشار واضعو القانون في المذكرة التفسيرية إلى أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي لم يُعتمد رسميًا قط، وبالتالي يبقى مجرد توجيه استراتيجي ضمني. ويحول غياب استراتيجية صريحة للأمن القومي دون ترجمته وتكييفه وتطبيقه بما يكفي للتعامل بفعالية مع بيئة الأمن المتغيرة في إسرائيل.

ينص القانون على أن استراتيجية الأمن القومي المقترحة ستُلزم بدراسة الافتراضات الأساسية المحيطة بالتحديات والفرص السياسية والأمنية التي تواجه إسرائيل؛ وتفصيل التهديدات والتحديات وفقًا لخطورتها؛ وتقديم بدائل للتعامل معها. وبذلك، ينبغي أن تحدد الاستراتيجية أهداف إسرائيل السياسية والأمنية، بما في ذلك الغايات والمصالح اللازمة لضمان وجودها وقوتها وأمنها، وأن تُحدد التحديات السياسية والأمنية على أساس سنوي ومتعدد السنوات، بما في ذلك على الصعيد الداخلي.

تقع مسؤولية صياغة استراتيجية الأمن القومي على عاتق مجلس الأمن القومي بالتشاور مع وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، والمؤسسة الدفاعية، والوزارات الحكومية الأخرى ذات الصلة. وبعد اعتمادها، تُعرض الاستراتيجية في غضون أسبوعين على لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست. وتُصنّف الوثيقة سرية، ويُنشر ملخص غير سري لها.

يهدف القانون الجديد إلى تحويل وثيقة استراتيجية الأمن القومي إلى خطة شاملة. وستتطلب هذه العملية جهد.ًا فكري.ًا كبير.ًا وتنسيق.ًا بين مختلف المنظمات، في وقتٍ تراجعت فيه قدرات إسرائيل على التخطيط الاستراتيجي، ويعاني فيه مجلس الأمن القومي من الشلل والضعف المؤسسي.

• ثالثًا: صياغة استراتيجية متماسكة، ذات أولوية، ومتوازنة:

يعد التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن ثلاثة عناصر أساسية في تصميم وتنفيذ استراتيجية جديدة للأمن القومي. وسيواجه واضعو هذه الاستراتيجية تحديات كبيرة في جميع هذه المعايير الثلاثة.

ويكمن خطر عدم الاتساق في ضرورة توافق استراتيجية الأمن القومي الجديدة مع التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي، الذي يشهد حاليًا حالة من عدم الاستقرار. فقد أدت صدمة هجوم أكتوبر 2023 وتداعيات الحرب متعددة القطاعات إلى تحولٍ رد فعلي في التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي ، مما يعكس انتقاله من دولة محافظة على الوضع الراهن إلى لاعب إقليمي يسعى إلى مراجعة الوضع الراهن. ويحدث هذا التحول دون أي نقاش معمق. ويؤثر هذا الانحراف في التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي بشكل جوهري على صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة ومستوى المخاطرة التي ستتحملها.

كما سقرر شمعون أنه في الماضي كانت إسرائيل تُعتبر دولة تُفضّل الوضع الراهن، لا سيما بعد توسعها في حرب الأيام الستة عام 1967. وقد سعت إسرائيل إلى الحفاظ على الحدود التي رُسمت بعد عام 1967، والتحالف مع الولايات المتحدة، والتعاون الإقليمي في مواجهة أي تهديد توسعي من إيران أو حزب الله أو حماس. وقد ركزت سياستها على ضرورة تحقيق الاستقرار من خلال الردع بدل.ًا من فرض التغيير الإقليمي بالقوة.

وقد افترض واضعو مفهوم الأمن في خمسينيات القرن الماضي أن الصراع مع العرب لا يمكن حله بالقوة، وأن على إسرائيل الصمود حتى يتم قبولها في المنطقة. ونتيجة لذلك، تبنت إسرائيل استراتيجية أمنية دفاعية قائمة على مفهوم “الجدار الحديدي” الذي تم تنفيذه من خلال نهج عسكري هجومي. وبحكم طبيعتها، فإن التوجه الاستراتيجي التقليدي لإسرائيل كدولة محافظة على الوضع الراهن يفترض أن الصراع العربي الإسرائيلي سيُحل في نهاية المطاف عبر عملية دبلوماسية لا بالإكراه العسكري.

هذا المنظور التقليدي آخذ في التغير. فبعد هجوم 7 أكتوبر، تحولت سياسة حكومة نتنياهو الإقليمية إلى نهج أكثر توسعًا يعتمد على الإكراه باستخدام القوة العسكرية. وقد وصف بعض المعلقين هذا التحول بأنه ضرورة منع التهديدات الاستراتيجية من خلال الإكراه الحازم وغير المتناسب، ونهج القوة الجيوسياسية في إدارة العلاقات والصراعات الإقليمية. ورغم أن هذه الاستراتيجية ليست متماسكة ومتفق عليها، فقد دفعت إلى المطالبة بمفهوم أمني جديد قائم على الردع الفعال، بل وظهرت في توصيات لجنة ناغل ، التي شُكّلت بعد هجوم 7 أكتوبر لدراسة ميزانية الدفاع وبناء القوات.

يسلط الجدول التالي الضوء على الاختلافات الرئيسة بين التوجه الاستراتيجي المحافظ والتوجه الاستراتيجي المراجِع في الفكر الأمني الإسرائيلي

كما قرر شمعون بأن المسؤولين عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة سيواجهون تحدياتٍ تتعلق بمدى اتساق توصياتهم مع التوجه الاستراتيجي المتطور لإسرائيل، وعقيدة الأمن القومي، وتوجيهات نشر القوات وبنائها. ويُصعّب غياب النقاش المعمق حول هذه القضايا حتى الآن مهمتهم، ما يستلزم إجراء حوارات معمقة مع الحكومة الجديدة حول رؤيتها الاستراتيجية الشاملة.

رابعًا: صعوبة تحديد أولويات المصالح والأهداف:

وفقًا للقانون الجديد، يجب أن تُقيّم استراتيجية الأمن القومي وتُحدد مصالح إسرائيل وأهدافها في المجالين السياسي والأمني. ورغم أن هذه المصالح والأهداف مُخصصة للسنوات القادمة، إلا أنه يجب أن تستند أيضًا إلى القيم الوطنية الأساسية والأيديولوجية، كما وردت في إعلان استقلال إسرائيل . وتشمل هذه القيم: الرغبة في السلام؛ وتنمية الدولة بما يعود بالنفع على جميع سكانها، استنادًا إلى الحرية والعدالة والسلام؛ والمساواة المطلقة وحرية الدين؛ وهجرة يهود الشتات.

بالنظر إلى الواقع الاستراتيجي المعقد لإسرائيل، سيكون من المستحيل استثمار جميع الموارد اللازمة لتحقيق مصالحها وأهدافها السياسية والأمنية. لذا، سيكون تحديد الأولويات ضروريًا ولكنه صعب. سيتطلب ذلك جولات متكررة من التنسيق مع الحكومة الجديدة بشأن القضايا الخلافية، وسيمثل تحديًا فكريًا لواضعي الاستراتيجية، لا سيما في ضوء الحاجة إلى فهم “أسلوب عمل” القادة الجدد واستعدادهم لتحمل المخاطر.

ينبغي أن يستند الحوار إلى جولات متكررة من المشاورات مع قيادة الدولة الجديدة لتحديد أولويات المصالح والأهداف بناءً على تصنيفها إلى: حرجة، بالغة الأهمية، مهمة، أو مرغوبة، وذلك من منظور مسرح العمليات (إيران، الفلسطينيون، لبنان، سوريا، دول السلام والتطبيع، الولايات المتحدة، والساحة العالمية) ومن منظور وظيفي (الانتشار النووي، أنظمة الأسلحة المتقدمة، الأمن السيبراني والتكنولوجيا، صيانة البنية التحتية الحيوية، الاستقلال مقابل التبعية، التجارة الدولية، خطوط الإمداد، وما إلى ذلك). فيما يلي مثال غير ملزم يوضح هذا التصنيف.

 

كما يقرر شمعون أنه على أية حال، ونظرًا لنظام الائتلافات المتبع في إسرائيل، يُتوقع أن تعكس أي حكومة جديدة انقسامًا بين وجهات النظر اليسارية والوسطية واليمينية، مما سيصعّب التوصل إلى اتفاق بشأن أولويات المصالح والأهداف. وتعزز حكومات الائتلاف في إسرائيل تفضيل التخطيط قصير الأجل القائم على ردود الفعل. ومن المتوقع أن تؤثر الاعتبارات الأيديولوجية على النقاشات حول أولويات المصالح والأهداف. وتُعدّ القضية الفلسطينية، على وجه الخصوص، حساسة للغاية في هذا السياق، لكنها محورية في تعزيز مصالح وأهداف إسرائيل الأخرى، بما في ذلك تحسين علاقاتها الإقليمية والدولية.

إن هذا التحدي المتمثل في تحديد أولويات مصالح وأهداف الحكومة الجديدة قد يؤدي إلى تقديم قائمة غير مرتبة ومصاغة بشكل غامض، مما يقوض نية القانون في زيادة التماسك بين الأجزاء المختلفة التي تشكل استراتيجية إسرائيل الشاملة.

خامسًا: مشكلة التوازن:

يقرر شمعون أنه يجب أن تتسم استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بالتوازن بين الجوانب الخارجية والداخلية. فعلى الصعيد الخارجي، يجب أن تُوازن الاستراتيجية بين مزايا إسرائيل وحدودها لتجنب تبني نهج استراتيجي غير متوازن. فمن جهة، لا يجوز الاستهانة بقوة الدولة وقدراتها، الأمر الذي قد يحول دون استخدامها للموارد اللازمة لتحقيق مصالحها وأهدافها. ومن جهة أخرى، يجب تجنب تبني استراتيجية طموحة للغاية تُرهق الدولة وتُضعفها. ويجب أن تضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة، كحد أدنى، تحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل مقارنةً بالوضع “الصفري” الذي كانت عليه عند تولي الحكومة السلطة.

وهذا يعيدنا إلى مناقشة التوجه الاستراتيجي لإسرائيل. فحتى لو سلمنا بمنطق ضرورة صياغة استراتيجية أمن قومي أكثر استباقية، فإن موارد إسرائيل محدودة لتحقيق ذلك. ورغم امتلاكها على الأرجح القدرات العسكرية والتكنولوجية اللازمة لتبني نهج إقليمي أكثر حزم.ًا، إلى جانب الدعم الشعبي المحتمل وقدرتها على الصمود، إلا أنها تفتقر إلى القوة الاقتصادية والسياسية اللازمة للاستمرار في نهج تصادمي طويل الأمد، ومن المرجح أن تتلقى دعم.ًا أمريكي.ًا محدود.ًا لترويج أجندة إقليمية تنقيحية.

يقوم التوازن الداخلي على مواءمة المصالح والأهداف مع الموارد المتاحة، وعلى التوازن بين الثبات والمرونة في مواجهة التغيير. ونظرًا للإنفاق الكبير على الحروب متعددة المسارح في السنوات الأخيرة، والذي استلزم زيادة في ميزانية الدفاع وتعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط، التي تُسهم في تنشيط الاقتصاد في أوقات الاستقرار، فإن إسرائيل تواجه قيودًا اقتصادية ومالية تجعل من الصعب عليها الاستمرار في اتباع نهج إقليمي تنقيحي قائم على استعراض القوة.

علاوة على ذلك، وكما ينص القانون، يجب أن تتناول استراتيجية الأمن القومي الجديدة أيض.ًا الشؤون الداخلية لإسرائيل. فإلى جانب القيود الاقتصادية، تتفاقم الانقسامات السياسية والأيديولوجية في المجتمع الإسرائيلي. وقد أدت محاولة الحكومة الحالية لتعزيز الإصلاحات القانونية والمؤسسية إلى تفاقم الانقسام الاجتماعي. إضافة إلى ذلك، تتزايد معدلات الجريمة، لا سيما بين السكان العرب في إسرائيل، ويتعرض الحكم في النقب والجليل للخطر. وتشكل هذه العمليات تهديد.ًا استراتيجي.ًا داخلي.ًا للدولة.

أي استراتيجية جديدة للأمن القومي يجب أن تُوجّه نحو تعزيز قوة إسرائيل الداخلية ووحدتها وقدرتها على الصمود لمواجهة بيئتها الخارجية المعقدة والخطيرة بشكل أفضل. ويتطلب ذلك إيجاد التوازن الأمثل بين مصالح إسرائيل الداخلية والخارجية وأهدافها، وتخصيص الموارد اللازمة لتحقيقها.

• سادسًا: بناء آلية تقييم مستمرة:

تُعدّ قدرة إسرائيل على التكيف مع الظروف المتغيرة أمر.ًا بالغ الأهمية لأمنها ورفاهيتها في منطقة الشرق الأوسط المتغيرة باستمرار. لذا يجب أن تتضمن أي استراتيجية رسمية للأمن القومي القدرة على التعامل مع التغيير وتوفير المرونة اللازمة.

كما يُعدّ التعلّم الناشئ عامل.ًا بالغ الأهمية للنجاح الاستراتيجي، لا يقلّ أهميةً، بل قد يفوق أهمية الالتزام بخطة استراتيجية معتمدة. لذا، ينبغي أن تراعي استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي ليس فقط تماسكها وأولوياتها وتوازنها، بل أيض.ًا آليات التعلّم الناشئة فيها، وقدرتها على إعادة صياغة عناصرها، أو حتى الاستراتيجية بأكملها.

ويتطلب ذلك انفتاحًا من جانب صانعي القرار الإسرائيليين للسماح بإجراء تقييمات دورية لفعالية الاستراتيجية وتنفيذها. يمكن إجراء التقييم الاستراتيجي من أعلى إلى أسفل، بناءً على طلبات رئيس الوزراء و/أو مجلس الوزراء، أو من أسفل إلى أعلى، بناءً على التقييم المهني للمقيّمين والمخططين. وسواءً بدأ التعلم المحتمل من أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى، ينبغي دمج التقييمات الدورية في عملية التنفيذ لضمان إعادة تقييم فعالية الاستراتيجية باستمرار.

• سابعًا: الضعف المؤسسي:

يقرر شمعون في تقريره أن مقر الأمن القومي الإسرائيلي يعاني الآن من ضعف مؤسسي وتنظيمي. ويعمل المقر بدون مدير دائم منذ أكتوبر 2025، ولم يتم تعيين رئيس جديد لمديرية الأمن القومي إلا مؤخر.ًا، لكن المنظمة لا تزال تعاني من نقص حاد في الموظفين.

غادر نائب رئيس مجلس الأمن القومي لشغل منصب جديد في وزارة الدفاع، ولم يتم شغل مناصب أساسية أخرى بعد أو ستصبح شاغرة قريب.ًا.

وبعد الانتخابات سيواجه الرئيس الجديد لمجلس الأمن القومي تحدي.ًا يتمثل في صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي والتنسيق مع الحكومة الجديدة، فضل.ًا عن تحدٍ تنظيمي داخلي لإعادة هيكلة المجلس. وبالتوازي مع تعزيز التنظيم، سيُطلب من المجلس أيض.ًا قيادة التنسيق مع المنظمات الأخرى المعنية بهذه العملية.

• ثامنًا: كيفية تجنب اتخاذ الإجراءات الشكلية:

يرى شمعون أن تُتاح فرصةٌ لصياغة استراتيجية للأمن القومي واعتمادها لأول مرة، مع تحديد مصالح إسرائيل السياسية والأمنية وأهدافها للسنوات القادمة بطريقة متماسكة ومُرتبة الأولويات ومتوازنة، تتضمن آليات للتعلم والتقييم. إلا أنه في ضوء التحديات التي ينطوي عليها هذا الجهد الشامل والتعاوني، وفي ظلّ التخبط في استراتيجية إسرائيل العامة وضعف مجلس الأمن القومي، قد تفشل أول محاولة مؤسسية شاملة لصياغة استراتيجية رسمية للأمن القومي. وقد يتجلى هذا الفشل في صورة “نسخ ولصق” من وثائق التقييم الاستراتيجي القائمة أو توجيهات الحكومة السابقة. لذا، فرغم أن مجلس الأمن القومي سيقدم استراتيجية جديدة ظاهريًا للأمن القومي، إلا أنها ستُغفل الغاية المرجوة من القانون.

للتصدي للتحديات التي ينطوي عليها وضع استراتيجية للأمن القومي، يمكن اتخاذ عدة خطوات. أولًا: ينبغي على رئيس مجلس الأمن القومي الجديد التنسيق مع الحكومة الجديدة لوضع آلية لتنسيق المواقف طوال عملية الصياغة. كما ينبغي أن يكون الحوار بين مجلس الأمن القومي والحكومة الجديدة بشأن تحديد مصالح إسرائيل وأهدافها مستمرًا حتى يتم تحديدها نهائيًا. بعد ذلك، تنتقل عملية صياغة الاستراتيجية إلى مرحلة عرض بدائل سياسية بهدف تعزيز هذه المصالح والأهداف وتحقيقها.

ثانيًا: في ضوء ضعف مجلس الأمن القومي الحالي، ينبغي تعيين فريق من الخبراء المتمرسين لمرافقة وتعزيز جهود صياغة الاستراتيجية. وسيكون هذا الفريق تابعًا لرئيس مجلس الأمن القومي، وسيساعد في عملية التنسيق المهني مع الأجهزة الأمنية الأخرى، وسيسهم في تبسيط عملية التعاون.

ثالثًا: إذا لزم الأمر، يمكن للحكومة الجديدة تمديد الموعد النهائي لتقديم وثيقة استراتيجية الأمن القومي لزيادة احتمالية أن تفي الاستراتيجية الجديدة على الأقل بمعايير التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن، والمراجعة والتقييم المستمر.

• تاسعًا: تعقيب على التقرير:

لقد وضح التقرير عددًا من الدلالات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية، وكشف عن مؤشرات مهمة منها:

1- الاعتراف بفشل العقيدة الأمنية التقليدية لإسرائيل:

إن أبرز ما يكشفه التقرير هو الاعتراف الضمني بأن مفهوم الأمن القومي الذي حكم إسرائيل منذ خمسينيات القرن الماضي لم يعد قادرًا على تفسير البيئة الأمنية الجديدة. وهذا الاعتراف يظهر في عدة مواضع منها: التشكيك في جدوى سياسة الردع التقليدية، التشكيك في استراتيجية “جز العشب”، والدعوة إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي بالكامل. ومن منظور أمني فإن هذا يمثل: أزمة في العقيدة الأمنية (Security Doctrine Crisis) وليس مجرد تحديث للسياسات.

2- انتقال إسرائيل من الردع إلى هندسة البيئة الأمنية. لقد بين التقرير أن إسرائيل تتحول من دولة تدير التهديدات إلى دولة: تعيد تشكيل البيئة الإقليمية. وهذا التحول يعني انتقال إسرائيل من: Strategic Deterrence إلى Strategic Transformation أي إن الهدف لم يعد احتواء الخصوم، وإنما تغيير البيئة الاستراتيجية ذاتها. وهذه نقطة شديدة الخطورة.

3- شرعنة مفهوم الحرب الوقائية الدائمة: وقد تبين هذا من خلال أن التقرير لا يستخدم لفظ الحرب الوقائية بصورة مباشرة لكنه يدعو إلى: Active Prevention إزالة التهديدات، وتغيير الأنظمة، وإنشاء مناطق عازلة، والقضاء على محور المقاومة وهذه كلها تمثل تطبيقات لمفهوم: Preventive Warوليس مجرد الردع.

4- نقاط القوة في التقرير: يتبين من خلال التقرير عدة نقاط مهمة: الاعتراف بوجود أزمة استراتيجية في إسرائيل، وأنه لا يتعامل مع أحداث 7 أكتوبر باعتبارها إخفاق.ًا استخباراتي.ًا فقط، بل يعتبرها: نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. بالإضافة إلى التركيز على أهمية الاتساق الاستراتيجي ووجود فجوة بين: السياسة ، والعقيدة والاستراتيجية، وبناء القوة، شرعية العمليات العسكرية، وهذه بالفعل إحدى المشكلات التي أظهرتها الحرب الأخيرة. هذا بالإضافة إلى الاعتراف بضعف مجلس الأمن القومي: فقد اعترف التقرير بأن المؤسسة المسؤولة عن إعداد الاستراتيجية نفسها تعاني من: ضعف تنظيمي، وفراغ قيادي، ونقص في الكفاءات.

5- مواطن القصور في التقرير: تضمن اللتقرير عددًا من أوجه القصور منها: تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة، فقد ركز التقرير على: ضعف التخطيط، وضعف المؤسسات، لكنه تجاهل أسباب.ًا أكثر عمق.ًا مثل: أزمة القيادة السياسية، ومن ثم فإن التقرير يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب، هذا بالإضافة إلى الانحياز الأمني المفرط ولا يناقش بصورة كافية: الاقتصاد السياسي، والتحولات الاجتماعية، والرأي العام العربي، والتحولات الديموغرافية، وهي عناصر مؤثرة في الأمن القومي الحديث. كما تجاهل التقرير تأثير القانون الدولي، وبنائه على فرضية استمرار الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

6- اشتمل التقرير على عدد من الدلالات المستقبلية منها: زيادة الاعتماد على الضربات الاستباقية، وتوسيع مفهوم المناطق العازلة، ودمج أكبر بين الأدوات العسكرية والاستخباراتية والسيبرانية، وتصاعد التركيز على الحروب متعددة الجبهات، إعادة هيكلة برامج التسليح وبناء القوة، توسيع صلاحيات مجلس الأمن القومي في التخطيط الاستراتيجي وفي المقابل، قد يؤدي هذا المسار إلى: ارتفاع مخاطر الاستنزاف طويل الأمد زيادة الضغوط على دول الجوار، وتعميق الانقسامات الداخلية إذا تعارضت الأهداف الاستراتيجية مع القدرات الاقتصادية والاجتماعية.

وأخيرًا: تقييم التقرير من منظور الامن القومي: يمكن استخلاص ثلاث نتائج رئيسة:

1. أن التقرير يعكس مرحلة انتقالية في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، يسعى فيها بعض المنظرين إلى الانتقال من عقيدة إدارة الصراع إلى عقيدة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وهو تحول يحمل آثار.ًا متعددة المديات على أنماط استخدام القوة.

2. أن التقرير يشخص عدد.ًا من أوجه القصور المؤسسية بدقة، لكنه لا يقدم معالجة كافية للأسباب البنيوية للأزمة، مثل تأثير الانقسامات السياسية، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية، والتأثير الدولي.

3. تكمن القيمة الحقيقية للتقرير في كونه مؤشر.ًا استشرافي.ًا لاتجاهات التفكير داخل نخبة الخبراء والمحللين العسكريين في إسرائيل؛ لذلك فهو يمثل مادة مهمة للباحثين في الأمن القومي لرصد التحولات المحتملة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مع ضرورة قراءته في سياق أوسع يشمل المتغيرات الإقليمية والدولية والداخلية، ومع فرضية ترجيح الاحتمال ستظل النقاط التي تناولها التقرير محل اهتمام للخبراء في مجال الأمن القومي للوقوف على ملامح أول استراتيجية للأمن القومي لإسرائيل من منظور خبراء الأمن القومي الإسرائيلي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى