الرئيسيةتقدير موقف

السعودية بين كبح الحرب وفرض الردع.. التحالف البحري وضربة ‏لميليشيات في العراق ترسمان حدود الصبر

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية
لم تعد السعودية تقف عند المسافة نفسها التي بدأت منها الحرب الأمريكية ‏الإسرائيلية على إيران. فمنذ اندلاع الصراع، اختارت الرياض قدر ‏الإمكان ألا تنخرط فيه، وأن تحافظ على موقعها بعيدا عن دائرة النار، ‏انطلاقا من حسابات تتصل بأمنها ومصالحها ومشروعها التنموي ‏الطموح. لكن التحالف البحري الدفاعي الذي أسسته مؤخرًا، والهجوم ‏المشترك مع الولايات المتحدة على ميليشيات موالية لإيران في العراق، ‏يبدوان كإشارتين متتاليتين إلى أن سياسة النأي بالنفس لا تعني قبول ‏استباحة الأمن السعودي، ولا السماح بتحويل المملكة وممراتها البحرية ‏ومنشآتها الحيوية إلى ساحات مفتوحة في صراع لا تديره‎.‎
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يمثل هذان التحركان تغيرا نوعيا في ‏الاستراتيجية السعودية، أم أنهما إعادة ضبط لقواعد الردع دون التخلي ‏عن سياسة احتواء التصعيد؟ والأهم، إلى أين يمكن أن تقود هذه المعادلة ‏في منطقة تتسع فيها رقعة الاشتباك، وتتعدد فيها الجبهات والأذرع، بينما ‏تحاول الرياض حماية أمنها واستقرارها ومشروعها الاقتصادي من أن ‏تبتلعه الحرب؟

الردع دون الانجرار

التحرك السعودي الأخير يمكن قراءته في إطار معادلة تبدو للوهلة ‏الأولى متناقضة، لكنها في الحسابات الاستراتيجية ليست كذلك: السعودية ‏لا تريد الحرب، لكنها لا تريد أن تصبح رغبتها في تجنبها دعوة إلى ‏استهدافها؛ فالهجوم على الميليشيات الموالية لإيران في العراق، بعد ‏تكرار الهجمات التي استهدفت المملكة، لا يبدو في هذا السياق إعلانا عن ‏انتقال الرياض إلى حرب مفتوحة، بقدر ما يمثل رسالة بأن مساحة ‏الاحتمال ليست بلا حدود. وبعد سلسلة من الهجمات والتهديدات، وسبقها ‏مخاطبات متكررة للدولة العراقية، وجدت الرياض نفسها أمام اختبار ‏صعب: كيف تحافظ على سياسة ضبط النفس من دون أن تفقد الردع؟
وفي الوقت نفسه، يأتي إنشاء التحالف البحري الدفاعي بمشاركة 13 دولة ‏أخرى ليعكس وجها أكثر تنظيما لهذه المعادلة. فبدلا من انتظار الضربة ‏التالية ثم التعامل مع نتائجها، تسعى السعودية إلى بناء إطار جماعي ‏لحماية الملاحة والتجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب ‏وخليج عدن‎.‎
وهنا تكمن دلالة التحركين معا: الأول رد مباشر ومحدود على تهديد ‏قائم، والثاني محاولة لبناء مظلة أمنية تمنع اتساع دائرة التهديد مستقبلا‎.‎

البحر الأحمر.. أمن يتجاوز الحدود

التحالف البحري الذي تقوده السعودية يضم، إلى جانبها، مصر وتركيا ‏وباكستان والكويت والبحرين وقطر والأردن واليمن والسودان وجيبوتي ‏والصومال وبنجلاديش وجزر القمر. وكانت الرياض قد استضافت ‏اجتماعا دوليا شارك فيه ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، قبل ‏أن توقع 14 دولة البيان المؤسس للمبادرة، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام ‏انضمام دول أخرى‎.‎
ولا تكمن أهمية هذه التركيبة في عدد الدول وحده، بل في الجغرافيا التي ‏يجمعها المشروع. فهناك دول خليجية وعربية تقع مباشرة على خطوط ‏التهديد، ودول تطل على البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب قوى ‏إقليمية تمتلك قدرات بحرية معتبرة وتمتد جغرافيا إلى المحيط الهندي‎.‎
ومن السعودية ومصر إلى تركيا وباكستان، تتجمع داخل المبادرة قوى ‏كبيرة يمكن، إذا توافرت الإرادة السياسية والقدرات التشغيلية، أن تمنحها ‏ثقلا يتجاوز فكرة الدوريات البحرية التقليدية. كما أن وجود اليمن ‏والسودان وجيبوتي والصومال يمنح المشروع اتصالا مباشرا بالممرات ‏التي تمثل عصب الحركة التجارية والطاقة بين الشرق والغرب‎.‎
ولا تزال التفاصيل العملياتية غير معلنة، بما في ذلك حجم القوات ‏والسفن، وهيكل القيادة، وقواعد الاشتباك، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة ‏مساهمة كل دولة. ولذلك فإن قيمة التحالف الفعلية ستتوقف على قدرته ‏على الانتقال من إعلان سياسي إلى بنية أمنية قادرة على العمل والتنسيق ‏والاستجابة السريعة‎.‎
لكن حتى قبل اكتمال هذه الصورة، يفتح التحالف بابا استراتيجيا بالغ ‏الأهمية: هل يمكن أن يتحول إلى نواة لمنظومة أمن عربية إسلامية ‏تحمي المنطقة من داخلها؟

نواة أمن إقليمي

هذه الفكرة تستحق التوقف؛ لأن المنطقة ظلت لعقود تعتمد بدرجات ‏متفاوتة على القوى الكبرى لحماية ممراتها ومصالحها، بينما تتعرض في ‏الوقت نفسه لتدخلات إقليمية وصراعات بالوكالة‎.‎
أما أن تجتمع السعودية ومصر وتركيا وباكستان، إلى جانب دول عربية ‏وإسلامية تطل على أهم الممرات البحرية، في إطار أمني واحد، فذلك قد ‏يفتح مسارا مختلفا إذا تطور المشروع تدريجيا من حماية الملاحة إلى ‏بناء مفهوم أوسع للأمن الإقليمي‎.‎
لن يكون الطريق سهلا، فالدول المشاركة ليست متطابقة في رؤاها أو ‏مصالحها أو تقديراتها للتهديدات. كما أن نجاح أي منظومة أمنية يتطلب ‏توافقا سياسيا عميقا، وتوزيعا واضحا للأدوار، وآليات ثابتة لتبادل ‏المعلومات والتنسيق والقيادة‎.‎
لكن الفكرة تستحق البناء عليها؛ لأن أمن البحر الأحمر وباب المندب ‏وخليج عدن لا يخص دولة واحدة، كما أن اضطرابها لا ينعكس على ‏المنطقة وحدها، بل يمتد إلى حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة‎.‎
ومن هذه الزاوية، فإن التحالف البحري لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره ‏ردا على تهديد حوثي أو ظرفا عسكريا عابرا، وإنما باعتباره فرصة ‏لصياغة مقاربة أمنية إقليمية تنطلق من مصالح الدول الواقعة على ‏خطوط الخطر نفسها.‏

الحرب الأكبر في المنطقة

كل ذلك يجري في قلب صراع أوسع بين إيران وأذرعها من جهة، ‏والولايات المتحدة بالدرجة الأولى وإسرائيل بدرجة تالية من جهة أخرى. ‏وفي هذا الصراع، لا يبدو أن المصالح العربية تحظى دائما بالمكانة التي ‏تستحقها، رغم أن المنطقة العربية هي التي تدفع القسم الأكبر من كلفة ‏الاضطراب‎.‎
إيران تعتمد على شبكة من الحلفاء والميليشيات الممتدة من اليمن إلى ‏العراق ولبنان، فيما تتحرك الولايات المتحدة بقواتها وشبكاتها العسكرية ‏في المنطقة، وتبقى إسرائيل حليفا وثيقا لواشنطن وطرفا أساسيا في ‏الصراع مع طهران‎.‎
لكن بين الطرفين المتصارعين تقف الدول العربية أمام حقيقة لا يمكن ‏تجاهلها: لا ينبغي أن تظل المنطقة مجرد ساحة تتحرك فوقها مشاريع ‏الآخرين‎.‎
فلا يمكن أن يصبح أمن الخليج رهينة للحسابات الإيرانية وشبكة ‏الميليشيات المرتبطة بها، ولا ينبغي في المقابل أن تكون الدول العربية ‏مطالبة بتحمل تبعات أي مواجهة أمريكية إسرائيلية مع طهران دون أن ‏تكون لها كلمة حاسمة في ترتيبات الأمن الإقليمي‎.‎
وهنا تبرز الحاجة إلى أن تنتقل المصالح العربية من موقع المتلقي إلى ‏موقع الفاعل، وأن يصبح الأمن العربي والإسلامي جزءا أصيلا من أي ‏ترتيبات مقبلة، لا مجرد نتيجة جانبية لصراعات القوى الكبرى‎.‎

من اليمن إلى العراق.. اتساع دائرة الخطر

بالنسبة إلى السعودية، لم يبدأ الخطر مع الحرب الحالية. فقد سبق أن ‏كشفت هجمات سبتمبر 2019 على منشأتي بقيق وخريص عن المدى من ‏الاستهدافات الذي قد يطال البنية التحتية النفطية بفعل الطائرات المسيّرة ‏والصواريخ، وعن قدرة الهجمات التي تنطلق من خارج الحدود على ‏الوصول إلى قلب الاقتصاد السعودي‎.‎
ثم استمرت المخاطر من الجنوب عبر الحوثيين في اليمن، ومن الشمال ‏عبر جماعات عراقية موالية لإيران. وتزايدت التهديدات مع استهداف ‏السفن السعودية والمخاوف من تعريض الملاحة في البحر الأحمر وباب ‏المندب للخطر‎.‎
وتزداد حساسية الأمر لأن باب المندب ليس ممرا بحريا عاديا بالنسبة إلى ‏السعودية؛ فالتهديد الذي يطال السفن في البحر الأحمر يمكن أن ينعكس ‏مباشرة على قدرة المملكة على تصدير النفط عبر مساراتها الغربية، ‏وعلى حركة التجارة المرتبطة بالموانئ والمشروعات الساحلية‎.‎
وفي يوليو، تصاعدت المواجهة مع الحوثيين، بعد هجمات طالت ‏مطارات سعودية، بالتزامن مع انتقال التهديد إلى البحر. ومع تجدد ‏المخاطر من الجنوب، واستمرارها من العراق شمالا، بدا أن المملكة ‏تواجه احتمالا صعبا يتمثل في نشوء جبهة ضغط متعددة الاتجاهات‎.‎
ولهذا لا يمكن فصل التحالف البحري عن الضربة التي استهدفت ‏الميليشيات العراقية الموالية لإيران. كلاهما يعكس إدراكا سعوديا بأن ‏مصادر الخطر لم تعد محصورة في جبهة واحدة، وأن حماية الأمن ‏الوطني تتطلب أدوات تتجاوز الحدود التقليدية للدفاع‎.‎

‏”رؤية 2030″ تحتاج إلى السلام

لكن السؤال الذي يفسر كثيرا من السلوك السعودي هو: لماذا لا تذهب ‏المملكة إلى مواجهة شاملة، وهي التي تملك أدوات عسكرية واقتصادية ‏تسمح لها بالرد؟
الإجابة تكمن إلى حد بعيد في مشروعها الداخلي؛ فـ «رؤية 2030» ‏تقوم على إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي، وتنويع مصادر الدخل، ‏وتوسيع القطاعات الصناعية والتكنولوجية والسياحية، وجذب ‏الاستثمارات الأجنبية، وبناء مشروعات عملاقة في نيوم وغيرها، إلى ‏جانب تطوير البنية التحتية ومراكز البيانات والموانئ والمناطق ‏الساحلية‎.‎
كل ذلك يحتاج إلى الاستقرار‎.‎
السعودية تريد أن تتحول إلى مركز إقليمي للاستثمار والأعمال والسياحة ‏والتكنولوجيا، لا إلى دولة تستنزفها الحروب المفتوحة. وهي تدرك أن ‏الصراع الطويل سيضعف جاذبية الاستثمار، ويرفع تكلفة التأمين والنقل ‏والطاقة، ويهدد المشروعات الكبرى، ويعيد الاقتصاد إلى منطق إدارة ‏الأزمات بدلا من صناعة المستقبل‎.‎
لهذا، فإن تجنب الحرب ليس علامة ضعف، بل جزء من المصلحة ‏الوطنية السعودية. غير أن المشكلة تبدأ عندما يفسر الطرف الآخر هذا ‏التجنب باعتباره عجزا عن الرد‎.‎

حين يطفح كيل الصبر

من هنا يمكن فهم الضربة التي استهدفت الميليشيات الموالية لإيران في ‏العراق. فالسعودية تستطيع استخدام القوة الخشنة، لكنها لا تريد أن ‏تجعلها أداتها الأولى. غير أن استمرار الهجمات، وتكرار التحذيرات ‏والمخاطبات، وامتداد التهديد إلى المنشآت الحيوية، يجعل الصمت ‏المتواصل أكثر كلفة؛ فالردع لا يقوم فقط على القدرة، وإنما على إقناع ‏الخصم بأن القدرة ستستخدم عندما تتجاوز التهديدات حدودا معينة‎.‎
وبهذا المعنى، قد يكون الرد المحدود جزءا من سياسة احتواء التصعيد، ‏وليس نقيضا لها؛ فالرسالة السعودية المحتملة ليست: «نريد الحرب»، ‏وإنما: “لا نريدها، لكننا لن نقبل أن يخوضها الآخرون فوق أراضينا أو ‏ضد مصالحنا”؛ وهذا الفارق جوهري‎.‎

ثلاثة طرق إلى المستقبل

المشهد المقبل مفتوح على أكثر من احتمال:‏
السيناريو الأول هو الردع المنضبط، بحيث تستمر السعودية في تجنب ‏الحرب الواسعة، مع الاحتفاظ بحق الرد على الهجمات المباشرة، وتوسيع ‏التعاون الأمني والبحري، والاستمرار في المسار الدبلوماسي. وهذا يبدو ‏الأكثر انسجاما مع أهداف المملكة التنموية ومصالحها الاقتصادية‎.‎
السيناريو الثاني هو تحويل التحالف البحري إلى مشروع أمني أوسع، ‏بحيث لا يبقى مجرد إطار لحماية السفن، وإنما يتطور إلى نواة لتعاون ‏خليجي عربي إسلامي في أمن البحر الأحمر والخليج والممرات البحرية، ‏وربما في تبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي ومكافحة التهديدات العابرة ‏للحدود‎.‎
أما السيناريو الثالث فهو الانزلاق إلى مواجهة أوسع، إذا استمرت ‏الهجمات على السعودية، أو تعرضت منشآتها النفطية والبنية التحتية ‏الحيوية لضربات كبيرة، أو اتسعت عمليات استهداف السفن والممرات ‏البحرية، أو تحولت الحرب الأمريكية الإيرانية إلى صراع إقليمي مفتوح ‏يصعب على الرياض البقاء خارجه؛ وهذا السيناريو ليس ما تريده ‏السعودية على الأرجح، لكنه يظل احتمالا قائما ما لم تتراجع الأطراف ‏عن توسيع ساحات المواجهة‎.‎

أمن المنطقة بأيدي أهلها

بين كبح الحرب وفرض الردع، تتحرك السعودية في مساحة شديدة ‏الحساسية. فهي لا تريد الانخراط في صراع يبدد ثمار مشروعها ‏التنموي، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تسمح بأن يصبح ضبط ‏النفس عبئا عليها أو أن يتحول أمنها إلى ورقة في صراع الآخرين‎.‎
التحالف البحري والضربة على الميليشيات العراقية يقدمان، كل ‏بطريقته، تعبيرا عن هذه المعادلة: احتواء التصعيد لا يعني الاستسلام له، ‏والابتعاد عن الحرب لا يعني التخلي عن حق الدفاع عن النفس‎.‎
لكن ما هو سعودي اليوم يمكن أن يصبح عربيا وإسلاميا غدا؛ فالتهديدات ‏التي تطال البحر الأحمر وباب المندب والخليج لا تقف عند حدود دولة، ‏والمخاطر التي تفرضها إيران وأذرعها، كما التداعيات التي يمكن أن ‏تنتج عن التحركات الإسرائيلية والأمريكية، تتجاوز قدرة أي دولة منفردة ‏على احتوائها‎.‎
لذلك تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى استراتيجية خليجية عربية إسلامية ‏للأمن الإقليمي، لا تقوم على انتظار القوى الخارجية لتقرر مصير ‏المنطقة، ولا على الدخول في حروب مفتوحة، وإنما على امتلاك أدوات ‏الردع والحماية والدبلوماسية والتنمية معا‎.‎
السعودية تريد أن تحمي مشروع صعودها، لكن حماية هذا الصعود لن ‏تكون مكتملة إذا بقيت المنطقة بأسرها بلا منظومة أمنية قادرة على ‏حماية مصالحها. وربما تكون الخطوة الأهم الآن هي أن يتحول العرب ‏والمسلمون من أطراف تتلقى نتائج صراعات الآخرين إلى قوة تفرض ‏مصالحها على طاولة الأمن الإقليمي، وتحمي ممراتها ومصادر طاقتها ‏ومستقبلها، وتضع حدا لتغول أي طرف، إيرانيا كان أو إسرائيليا، على ‏حساب أمن المنطقة واستقرارها.‏

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى