الرئيسيةتقدير موقف

واشنطن وطهران على حافة هرمز.. معركة السيطرة على شريان العالم

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية

لم تكد المدافع تهدأ حتى استُؤنف القصف؛ فقد شنّ الجيش الأمريكي، فجر الأحد 12 يوليو الجاري، جولته الثالثة من الضربات ضد إيران، ردًا على استهداف الحرس الثوري سفينة تجارية في مضيق هرمز، فيما أعلنت طهران، من جهتها، إغلاق الممر المائي الأضيق والأخطر في خرائط الطاقة العالمية “حتى انتهاء التدخل الأمريكي في المنطقة”. ولم تمضِ ساعات حتى امتد صدى الحرب إلى العواصم الخليجية نفسها؛ فدوّت الانفجارات في الدوحة، وأُطلقت صفارات الإنذار في المنامة، وأعلنت أبوظبي تعاملها مع اعتداءات صاروخية ومسيّرات قادمة من إيران، في مؤشرٍ مبكر على أن أي حربٍ مقبلة لن تبقى حكرًا على طرفيها المباشرين. ويأتي هذا التصعيد المتبادل ليعيد إلى الواجهة معركةً أعمق من تبادل النيران؛ صراعًا محتدمًا على من يملك حق رسم خرائط العبور في هرمز، بين مسارٍ جنوبي عُماني، وممرٍ أوسط دولي، ومسارٍ شمالي تتحكم فيه طهران، في تنازعٍ لم يحسمه لا القانون الدولي ولا موازين القوة بعد. وبين ضربةٍ تُرد عليها ضربة، وإغلاقٍ يقابله تهديد، يفرض المشهد سؤاليه الثقيلين معًا: هل تنهار مذكرة التفاهم الموقعة بوساطة باكستانية قطرية، وتعود الحرب بين واشنطن وطهران، ولو بوتيرة متقطعة وضربات محسوبة الأهداف؟ وإذا كانت شرارة هذا الفجر وحدها كفيلة بإيقاظ صفارات الإنذار في ثلاث عواصم خليجية، فأين يقف أمن الخليج نفسه من هذه المواجهة، وإذا كانت هذه الدول لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل، فهل بمقدورها أن تبقى بمنأى عن نيرانها؟

من استهداف “غالاكسي” إلى إيقاظ ثلاث عواصم.. تصعيد يتسع

بدأت الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل الدامي حين حاولت سفينة الحاويات “إم/في جي إف إس غالاكسي”، الرافعة علمًا قبرصيًا، عبور المضيق عبر مسارٍ اعتبرته طهران “غير مصرح به”، فتلقّت -بحسب بيان بحرية الحرس الثوري- “طلقات تحذيرية” أجبرتها على التوقف، قبل أن يتحول التحذير إلى واقعة أكبر: حريق على متنها، وضرر بالغ في غرفة محركاتها، وفقدان أحد أفراد طاقمها المدنيين. لم يكن هذا الحادث الأول ولا الثاني؛ فقد سبقته هجمات على ثلاث سفن تجارية أخرى، دفعت ترامب إلى إعلان انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في يونيو الماضي، قبل أن يأتي الرد الأمريكي هذه المرة أوسع نطاقًا وأشد إيلامًا: غارات لم تكتفِ بمعاقبة من أطلق النار، بل ذهبت إلى تفكيك أدوات الردع الإيرانية من جذورها، فاستهدفت رادارات الإنذار المبكر، ومستودعات تخزين الصواريخ والمسيّرات، ومواقع إطلاقها المنتشرة على طول السواحل المطلة على المضيق، في هرمزجان وبوشهر وسيستان وبلوشستان؛ أي في القلب الجغرافي ذاته الذي تستمد منه طهران قدرتها على تهديد الملاحة. وقد رافقت هذه الضربات بلاغات إيرانية عن انفجارات في بندر عباس وسيريك وعسلوية وكنارك وتشابهار وجزيرة قشم، وكأن الخريطة الساحلية بأكملها تحولت، في ليلة واحدة، إلى ساحة اشتباك.

لكن اللافت أن الرد الإيراني هذه المرة لم يقتصر على المضيق وحده؛ ففي غضون ساعات من انطلاق الجولة الثالثة من الغارات الأمريكية، دوّت الانفجارات فجر الأحد في الدوحة، وأرسلت السلطات القطرية تنبيهًا أمنيًا عاجلًا إلى الهواتف المحمولة، بينما أطلقت وزارة الداخلية البحرينية صفارات الإنذار داعيةً المواطنين والمقيمين إلى “التوجه لأقرب مكان آمن ومتابعة الأخبار عبر القنوات الرسمية”. وفي الوقت ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن دفاعاتها الجوية “تتعامل حاليًا مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران”، موضحةً أن الأصوات المسموعة في مناطق متفرقة من الدولة ليست سوى نتيجة اعتراض هذه المقذوفات. ثلاث عواصم خليجية إذن، في ليلة واحدة، وجدت نفسها داخل دائرة النيران، لا بصفتها طرفًا في الحرب، بل بصفتها جوارًا جغرافيًا يدفع الثمن مقدمًا كلما اشتد الصدام بين واشنطن وطهران.

وحين علّق وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بجملته الحادة: “إيران اتخذت خيارًا سيئًا، وها هي الآن تدفع الثمن”، لم يكن يصف حادثة عابرة، بل كان يُشرعن، بلغة السياسة، منطقًا عسكريًا أوسع: أن كل رصاصة تُطلق على سفينة في هرمز ستُقابَل بردٍّ يتجاوز حجمها بأضعاف. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن “جولة ثالثة” لا يعني تكرارًا لما سبق، بل تصعيدًا في السلّم يقترب، خطوة بخطوة، من نقطة اللاعودة، ويسحب معه دول الجوار إلى قلب المواجهة سحبًا لا اختيارًا.

هرمز.. حين تتحول الجغرافيا إلى قدر سياسي

غير أن فهم هذا التصعيد بمعزل عن سياقه الأعمق يُفقده معناه الحقيقي؛ فما يجري ليس مجرد “حادثة سفينة” تستدعي “رد فعل”، بل حلقة في صراعٍ أطول عمرًا وأشد تعقيدًا، عنوانه: من يملك حق كتابة قواعد المرور في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي؟ فمنذ عقود، لم يكن هرمز بالنسبة لطهران مجرد ممرٍ جغرافي تعبره الناقلات، بل كان امتدادًا لأمنها القومي، ورصيدًا إستراتيجيًا تستدعيه كلما اشتدت الضغوط الخارجية أو شعرت بأن مصالحها الحيوية باتت مهددة. وفي المقابل، لم تنظر واشنطن يومًا إلى المضيق بوصفه شأنًا إقليميًا، بل بوصفه اختبارًا دائمًا لقدرتها على حماية مبدأ ظل يحكم التجارة العالمية منذ نهاية الحرب الثانية: ألا تنفرد قوة إقليمية واحدة بالتحكم في ممرٍ بحري دولي.

ومن رحم هذا التناقض البنيوي، لا العابر، تتشكل حاليًا واحدة من أكثر المواجهات حساسية في المشهد الدولي؛ إذ لم يعد هرمز مجرد ممر لنقل النفط، بل نقطة تقاطع تلتقي عندها اعتبارات الأمن القومي، والنفوذ الإقليمي، والقانون الدولي، واستقرار التجارة العالمية في آنٍ واحد. وكل تحرك عسكري، أو تصريح سياسي، أو إجراء تنظيمي داخل هذا الشريط الضيق الذي لا يتجاوز عرضه واحدًا وعشرين ميلًا، يمتد أثره سريعًا إلى أسواق الطاقة، وحركة الشحن، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الدولي بأسره.

خرائط العبور الثلاث.. من يكتب قواعد المرور؟

وإذا كان التهديد بإغلاق هرمز قد شكّل لعقود الورقة الأكثر حضورًا في الخطاب الإيراني، فإن ما جرى في مسقط يكشف عن طموحٍ أبعد من مجرد التلويح؛ فقد تسربت تفاصيل مقترح عُماني، بحثه وزيرا خارجية إيران وعُمان، عباس عراقجي وبدر البوسعيدي، خلال لقائهما الأخير، يقضي بإدارة الملاحة عبر مسارين منفصلين بإدارتين متمايزتين: مسار جنوبي يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية، تسري عليه شروط الملاحة كما كانت قبل اندلاع الحرب الأخيرة، دون فرض أي رسوم؛ ومسار شمالي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، لا يُفتح إلا بموافقة مسبقة من طهران. ويكتمل هذا المثلث الجغرافي بملفٍ ثالث لا يقل حساسية، هو “الممر الأوسط” الواقع في المياه الدولية، بعيدًا عن سيادة أي من البلدين، والذي كان يُشكّل قبل الحرب الشريان الرئيسي للملاحة؛ وقد بات إعادة فتحه أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المحادثات بين واشنطن وطهران، بمشاركة وساطة قطرية لا تزال حاضرة منذ أن أسهمت أصلًا في التوصل إلى مذكرة التفاهم الأولى.

ثلاثة مسارات إذن، لا مسار واحد؛ وهذا التعدد نفسه هو ما يكشف زيف الصورة التي تُظهرها البيانات الرسمية عن “اتفاق منجز”؛ فبينما تتحدث واشنطن وطهران عن تفاهمات على الورق، تجد شركات الشحن الدولية نفسها أمام معضلة حقيقية: أي المسارات الثلاثة هو “الآمن”؟ وأيها يحمل ضمانًا فعليًا لا وعدًا سياسيًا قابلًا للنقض في أي لحظة؟ هذا الغموض بالذات هو ما يجعل عودة التجارة في المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب أمرًا رهينًا بتفاهماتٍ لم تكتمل بعد، لا واقعًا قائمًا.

لماذا ترفض طهران العودة إلى الوراء؟

والمفارقة أن المنطق كان يفترض أن “العودة إلى وضع ما قبل الحرب” هي الحل الأيسر لاستعادة الثقة وتهدئة الأسواق؛ لكن إيران، فيما يبدو، لا تريد هذه العودة على الإطلاق. فقد أدركت طهران، ربما أكثر من أي وقت مضى، أن هرمز هو ورقتها الرابحة الوحيدة تقريبًا في مواجهة خصمٍ يفوقها عسكريًا وتقنيًا بمسافات شاسعة؛ فالعقوبات قابلة للتشديد أو التخفيف، والملف النووي قابل للتجميد أو إعادة التفاوض، لكن الجغرافيا وحدها هي الرصيد الذي لا يمكن انتزاعه من يدها. من هنا، لا يبدو إصرارها على فرض شروطها -سواء عبر اشتراط الموافقة على المسار الشمالي، أو عبر إبقاء “الممر الأوسط” رهينة مفاوضات لا تنتهي- مجرد رد فعل أمني ظرفي، بل محاولة ممنهجة لانتزاع تعويضٍ غير مباشر عن خسائر تُقدَّر بما يزيد على 300 مليار دولار جراء الحرب الأخيرة، وربما رغبة أعمق في معاقبة واشنطن والعالم على ما تعتبره طهران عدوانًا لم يُحاسَب عليه أحد بعد.

هدنة لا تفاوض؟

وهنا يصعب تجاهل سؤالٍ أكثر جرأة يفرض نفسه على أي قراءة متأنية للمشهد: هل كان التفاوض بين واشنطن وطهران، برمّته، تفاوضًا حقيقيًا يهدف إلى تسوية مستدامة، أم أن وقف إطلاق النار لم يكن يومًا سوى هدنة أرادها الطرفان معًا، كلٌّ لحساباته الخاصة، لا اتفاقًا يؤمن به أيٌّ منهما؟ فإيران كانت، على الأرجح، بحاجة إلى وقتٍ لالتقاط أنفاسها وإعادة ترميم ما تهدّم من منظومتها الدفاعية، وواشنطن كانت بحاجة إلى وقتٍ لتثبيت مكاسبها العسكرية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة النهاية. وإذا صحّت هذه الفرضية، فإن الانهيار السريع لمذكرة التفاهم، وتعثر ملفٍ يبدو بسيطًا كحرية الملاحة، لا يُعدّان مفاجأة بقدر ما يكشفان هشاشة الأساس الذي قامت عليه التهدئة من الأصل. بل إن المسؤولين الأمريكيين أنفسهم باتوا يربطون، صراحةً، بين عجز طهران عن الوفاء بتعهدٍ بسيطٍ كوقف استهداف السفن، وبين الشكوك المتصاعدة حول قدرتها على الالتزام بترتيباتٍ نووية أشد تعقيدًا؛ وهو ما يُبقي مصير الملفين -الملاحي والنووي- متشابكين إلى حدٍّ يصعب معه تصور نجاة أحدهما من انهيار الآخر.

واشنطن.. الدفاع عن “القاعدة” لا عن مياهٍ بعينها

في المقابل، لا تقرأ الولايات المتحدة الأزمة من زاوية أمن إمدادات النفط وحدها، بل من زاوية أوسع بكثير: الدفاع عن مبدأ ظل يحكم التجارة العالمية لعقود، وهو ألا تنفرد قوة إقليمية بفرض شروطها على ممرٍ دولي. ومن هذا المنطلق، يصعب تصور قبول واشنطن بمعادلةٍ تبدأ فيها الحرب ومضيق هرمز حرٌّ مفتوح، وتنتهي وهو خاضع لسيطرة إيرانية فعلية أو لرسومٍ تفرضها طهران من طرف واحد؛ فمثل هذه النتيجة لن تعني خسارة معركةٍ ميدانية فحسب، بل ستمثل هزيمةً لجوهر الإستراتيجية الكونية الأمريكية القائمة على ضمان حرية الملاحة في الممرات العالمية، وقد تفتح البابَ أمام وقائع مشابهة تمتد من البحر الأسود إلى بحر الصين الجنوبي. ويفسر هذا المنطق إصرار واشنطن على رفض أي رسومٍ أو قيودٍ جديدة، ورفعها مستوى انتشارها البحري في المنطقة، بالتوازي مع مشاوراتٍ مكثفة مع حلفائها الأوروبيين الذين أبدوا استعدادًا للمشاركة في قوةٍ متعددة الجنسيات لحماية الملاحة، في خطابٍ يجمع بين الحزم والاحتواء.

الخليج بين مطرقة الجغرافيا وسندان الآخرين

وإذا كانت واشنطن وطهران تخوضان معركتهما على مياه هرمز وأجواء البرنامج النووي، فإن دول الخليج تجد نفسها، مرة تلو الأخرى، طرفًا لم يُستشَر لكنه يدفع الفاتورة أولًا. فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي، طالت الضربات الإيرانية دول الخليج الست الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وعُمان بدرجات متفاوت، بالإضافة إلى الأردن، في موجة استمرت أسابيع خلّفت قتلى وجرحى من جنسيات متعددة، وأضرارًا في موانئ نفطية ومطارات ومنشآت صناعية. ولم يكن هذا النمط استثناءً عابرًا، بل تكرر مرارًا حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في إبريل الماضي، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة وحدها استهداف الناقلة القطرية “الركيات” والناقلة السعودية “وديان” قرب مضيق هرمز في السابع من يوليو، ثم هجمات صاروخية وبمسيّرات طالت البحرين والكويت في اليوم التالي، قبل أن تصل الذروة فجر الأحد بانفجارات في الدوحة وصفارات إنذار في المنامة واعتراضات جوية في الإمارات، تزامنًا مع الجولة الثالثة من الغارات الأمريكية.

هذا التكرار يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن هرمز، حين يشتعل، لا يبقى مسرحًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران، بل يتحول الخليج بأكمله إلى ساحة استعراض وردع بالوكالة، تُستخدم فيه العواصم الخليجية أحيانًا كرسائل تحذير موجهة إلى واشنطن أكثر مما هي أهداف عسكرية بذاتها. وقد عبّرت دول الخليج، عبر بيانات إدانة متكررة عن رفضها القاطع لهذا النمط، مؤكدة أن استهداف الملاحة التجارية أو المنشآت المدنية يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة والقانون الدولي، وتحديدًا لقرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي يؤكد حماية حرية الملاحة. لكن الإدانة، مهما بلغت حدتها، تبقى رد فعل لاحقًا على واقعة وقعت بالفعل، لا آلية استباقية تمنع تكرارها.

والمقلق أكثر أن مؤشرات المرحلة المقبلة، في ضوء الانهيار المتوقع لمذكرة التفاهم وعودة الضربات المتبادلة، ترجّح أن يتسع نطاق الاستهداف لا أن يضيق؛ فكل جولة تصعيد أمريكية-إيرانية جديدة تحمل احتمالًا متزايدًا لأن تطال شظاياها موانئ ومطارات ومحطات طاقة خليجية، سواء عن قصد كرسالة ردع، أو عن طريق الخطأ في الحسابات كما جرى مع حطام الصواريخ المعترَضة التي سقطت سابقًا على مناطق مأهولة في أبوظبي ودبي.

نحو سياسة خليجية جامعة لحماية الأمن الإقليمي

أمام هذا الواقع، لم يعد كافيًا أن تكتفي دول الخليج بإصدار بيانات الإدانة بعد وقوع كل اعتداء؛ فالحاجة باتت ملحة إلى بلورة سياسة خليجية جماعية أكثر استباقية، تقوم على ثلاثة مسارات متكاملة:

أولها، تعزيز التنسيق الدفاعي الجوي المشترك بين دول مجلس التعاون، عبر ربط منظومات الإنذار المبكر والاعتراض الصاروخي في شبكة واحدة تتيح تبادل المعلومات لحظيًا، بدل أن تتعامل كل دولة مع التهديد بمعزل عن جارتها كما يحدث حاليًا.

وثانيها، توحيد الموقف التفاوضي الخليجي تجاه طهران في ملف أمن الملاحة والمياه الإقليمية، بحيث لا تبقى مفاوضات هرمز حكرًا على القناة الأمريكية الإيرانية بوساطة عُمانية قطرية، بل يكون لدول الخليج مجتمعة صوت مباشر في أي ترتيبات تمس مياهها وموانئها ومجالها الجوي.

وثالثها، الدفع نحو مبدأ “حياد الملاحة التجارية” للدول غير الطرف في الصراع، عبر آليات دولية وإقليمية تضمن ألا تتحول السفن والناقلات المسجلة بأعلام خليجية أو العابرة من موانئها إلى أهداف مشروعة في أي جولة تصعيد مقبلة، بصرف النظر عن هوية الطرف المهاجم.

ولا يعني بناء هذه السياسة الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران، بل بالعكس؛ فالخبرة المتراكمة من الاستهدافات المتكررة تؤكد أن الصمت والانتظار لم يحميا أحدًا، وأن دول الخليج هي الأكثر خسارة في أي تصعيد لا تملك زمام قراره. ومن هنا فإن أمن الخليج، إذا لم يُبنَ بإرادة خليجية جماعية، سيبقى -كما كان طوال الأشهر الماضية- تفصيلًا هامشيًا في معادلة يقررها آخرون، بينما تدفع عواصمه وحدها كلفة صفارات الإنذار وأصوات الاعتراضات الجوية في عتمة الفجر.

الأسواق لا تنتظر إطلاق الرصاصة الأولى

وبعيدًا عن ميادين القصف وأروقة التفاوض، هناك ساحة موازية لا تقل حسمًا: الأسواق العالمية. فمجرد ارتفاع منسوب التوتر في هرمز يكفي لدفع شركات التأمين البحري إلى إعادة تسعير المخاطر، فتقفز أقساط التغطية على السفن وناقلات النفط، وتعيد شركات الشحن حساباتها بشأن خطوط سيرها، فيما يضيف المستوردون والمصدرون كلفة المخاطرة إلى أسعار السلع والطاقة. الاقتصاد العالمي، ببساطة، لا ينتظر اندلاع الحرب حتى يتأثر بها؛ يكفيه احتمال وقوعها، وقد أثبتت أحداث “فجر الأحد” وحدها كيف يمكن لصفارة إنذار واحدة أن تعيد رسم خرائط المخاطر من جديد.

سيناريوهات ما بعد الانهيار

وفي ضوء هذه المعطيات المتشابكة، يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالاتٍ عدة، أرجحها ليس استمرار التهدئة، بل انهيارٌ فعلي لمذكرة التفاهم وعودة الحرب، وإن بوتيرةٍ متقطعة لا حربٍ شاملة مفتوحة؛ فالضربات الأخيرة التي طالت رادارات ومنشآت تخزين الصواريخ والمسيّرات في هرمزجان وبوشهر وسيستان وبلوشستان، مقابل إعلان طهران إغلاق المضيق واستهدافها سفنًا تجارية وامتداد ردها إلى قطر والبحرين والإمارات، ليست مؤشراتٍ لفظية، بل وقائع ميدانية تصعب المصالحة معها بسهولة. وإذا صدقت تهديدات ترامب السابقة، فإن الجولة المقبلة من الضربات، إن وقعت، قد لا تكتفي بالأهداف العسكرية والصاروخية، بل قد تمتد إلى منشآت الطاقة، ومحطات الكهرباء والمياه، والجسور والطرق، وربما السكك الحديدية كما حدث بالفعل مؤخرًا؛ في نمط ضرباتٍ موجعة محدودة الأمد، لكنها متكررة، تستهدف إنهاك القدرة الإيرانية دون الانزلاق إلى احتلالٍ أو مواجهةٍ برية شاملة.

ويبقى، إلى جانب هذا السيناريو الأرجح، احتمال استمرار سياسة “الضغط المحسوب” دون انفجارٍ كامل، أو وقوع احتكاكٍ عسكري غير مقصود يتصاعد من تلقاء نفسه، أو استمرار حالة “اللا حسم” التي تُبقي هرمز ورقة ضغطٍ دائمة تُبقي بدورها الاقتصاد العالمي رهينة عدم اليقين، ودول الخليج رهينة قرارات لا تملك ناصيتها. لكن المؤكد أن هرمز لم يعد مجرد معبرٍ تعبره ناقلات النفط، بل تحوّل إلى اختبارٍ لقدرة النظام الدولي على حماية قواعده في عالمٍ تتغير فيه موازين القوى بوتيرةٍ يصعب اللحاق بها؛ وسيبقى السؤال معلقًا فوق مياهه الهادئة ظاهريًا، المضطربة في العمق: هل يُكتب لهذا الممر أن يبقى رهينة الأزمات المتكررة، أم أن التوازنات الجديدة ستفرض، عاجلًا أو آجلًا، تسوية تعيد ترتيب العلاقة بين السيادة الإقليمية وحرية الملاحة الدولية، قبل أن تتسع دائرة النار لتشمل من لم يخترها؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى