رأي

د. فرج برخروبة يكتب.. على هذه الأرض ما يستحق النهضة

على هذه الأرض التي تمتد من رمال الصحراء إلى زرقة البحر وتنهض عليها أشجار الزيتون كشواهد على البقاء يرتفع السؤال من عمق الجرح العربي: هل انتهى زمن العرب أم أن في داخل هذه الأمة ما يكفي من جذوة قادرة على إعادة إشعال مشروع النهضة؟ ليست هذه الكلمات استدعاءً لوجع قديم بقدر ما هي محاولة لإيقاظ وعي يرفض الاستسلام ويؤمن بأن الأرض ليست ترابًا فحسب بل حياة تستحق أن تصان كما قال محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. ومن وطنٍ نشأ أبناؤه على الإيمان بالعروبة، ومن ذاكرة صاغتها مدن البحر والجبل والصحراء، ومن فلسطين التي بقيت جرحًا مفتوحًا في صدر الأمة، تولد هذه السطور لتقول إن النهضة ليست حلمًا بعيدًا بل مشروعًا ينتظر من ينهض لحمله.

في التجربة الشخصية التي حملتها معي منذ سنوات الدراسة الأولى، كانت القضية العربية حضورًا يوميًا، لا موضوعًا عابرًا. كانت فلسطين جزءًا من حديث المدارس والجامعات والمقاهي، وكانت وجدانًا مشتركًا يجمع الشباب مهما اختلفت مدنهم وتباعدت جغرافياتهم. ومن هذا الوعي المبكر تشكّلت رؤيتي للجرح العربي الذي لم يندمل منذ أن تفرّق الجسد الواحد إلى أطراف متباعدة.

وإذا كان المشروع القومي العربي الإسلامي يبدو للبعض مجرد شعار، فإن الحقيقة أنه ضرورة وجودية. فالأمم لا تُبنى بالتنازع على حدود ضيقة، بل بهوية جامعة تمنح أبناءها معنى مشتركًا وقدرة على مواجهة العالم. والعقيدة الإسلامية التي وحدت القبائل المتنافرة في بدايات التاريخ قادرة اليوم على جمع الأمة إذا اقترنت بوعي حديث يدرك تحولات السياسة والاقتصاد ويقرأ حركة العالم بعقل مفتوح وأفق واسع.

ومع ذلك تواجه الأمة اليوم تحديات ثقيلة تبدأ بالاحتلال ومحاولات فرض الهيمنة بأساليب معاصرة وتمتد إلى الانقسام الداخلي الذي جعل القرار السياسي في بعض الدول مرتهنًا للخارج وتضاف إليها آفات الفساد والظلم وتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة فضلًا عن الغزو الثقافي والإعلامي الذي يستهدف تفريغ الهوية من مضمونها. لكن هذه التحديات مهما ثقلت لا تلغي إمكانية النهوض، فالأمة التي قدّمت ابن خلدون والمتنبي والفارابي قادرة على تقديم قيادات ومفكرين يعيدون صياغة مشروعها الحضاري من جديد.

والحديث عن النهضة لا يكتمل بالشعارات ولا بالخطب العاطفية بل يحتاج إلى رؤية عملية تقوم على وحدة روحية وفكرية، وإرادة سياسية مستقلة، وعدالة اجتماعية تعيد الثقة بين الشعوب ومؤسساتها، وتعليم نوعي قادر على إنتاج مواطن حر وفاعل، ومقاومة واعية تُبقي فلسطين بوصلة الأمة. وكما قال درويش: “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا” فالمقاومة ليست نقيض الحياة بل وسيلتها للحفاظ على معناها.

وما تحتاجه الأمة اليوم هو روح جديدة لا تنغلق على الماضي ولا تستسلم لليأس، روح تدرك أن العرب ليسوا ضحايا فقط بل قادرون على صناعة مستقبلهم إذا امتلكوا الشجاعة لإعادة تعريف أنفسهم. ومن التجارب التي مرّت على هذه الأرض يمكن للإنسان أن يتعلم أن الأزمات ليست نهاية الطريق بل بداية التحولات.

ولهذا فإن رسالتي لأبناء الجيل الجديد في كل مدن الوطن العربي أن لا يسمحوا لأحد أن يقنعهم أنهم أقل مما يجب أن يكونوا، فهم ورثة حضارة واسعة وحملة رسالة إنسانية وأبناء أرض قال عنها درويش: “إنا نحب الورد لكننا نحب القمح أكثر” فاجعلوا من فلسطين بوصلتكم ومن الوحدة هدفًا ومن العدالة منهجًا.

وهكذا يتبين أن الأمة العربية الإسلامية ليست صفحة من الماضي بل مشروعًا مفتوحًا على المستقبل، جرحها سر قوتها، وعقيدتها منبع نهضتها، ووحدتها شرط وجودها. واليوم يقف العربي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام للتجزئة وإما النهوض بروح جديدة تعيد للأمة رسالتها ودورها في هذا العالم.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى