رأي

د. عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. الإسلام في إفريقيا

دخل عن طريق الدعاة والتجار والزوايا الصوفية

من المعلومات المتداولة بين الدارسين والباحثين في علاقة البلدان الإفريقية بالإسلام، هي أن الدين الإسلامي دخل معظمه إفريقيا عن طريق التجار الدعاة، وأغلبهم كان على علاقة بالتيارات الصوفية، المتمثلة في الزوايا، التي كانت منتشرة في منطقة شمال إفريقيا، وخاصة في المغرب والجزائر وليبيا، ولم يدخل إطلاقا عن طريق الفتوحات الإسلامية كما هو الشأن في مصر وإيران وبلدان الهلال الخصيب والمغرب وإسبانيا وبعض بلدان جنوب شرق آسيا.

إمبراطورية سونينك

ومن البلدان التي تدخل بشكل كبير في هذا الوصف، على سبيل المثال لا الحصر، دولة غانا، التي جلب لها التجار الإسلام بين عامي 639 و708 ميلادية، ووصل الإسلام غانا من خلال التجار المسلمين، ومن خلال الدعاة أيضا، لكن ملك غانا لم يتحول إلى الإسلام، ولم يفعل غالبية شعبه هذا أيضا، إلا أنه سمح للمسلمين ببناء مستوطنات داخل إمبراطوريته، وبالتالي، استقر العديد من التجار المسلمين في كومبي، مدينة السوق الكبرى في غانا.

مع مرور الوقت، ازدهر مجتمع محلي مسلم حول عمليات التجارة عبر الصحراء مع شمال إفريقيا، وكان المسلمون في كومبي يملكون 12 مسجدا بالإضافة إلى وجود إمام أو زعيم روحي لهم، وقام علماء المسلمين بتدريس القرآن، وهو ما ساعد على انتشار الإسلام بشكل واضح في دولة غانا.

ويورد أبو عبيدالله البكري، أحد الجغرافيين المسلمين في كتابه “المسالك والممالك”، نظرة مبكرة لإمبراطورية سونينك القديمة في غانا، ويصف غانا خلال عام 1068 ميلادية بأنها كانت بلدا متقدمة للغاية اقتصاديا، “كان بلدا مزدهرا، وكان الملك قد استخدم المترجمين المسلمين، وكان معظم وزرائه وأمنائه من المسلمين أيضا”.

وجرى تعليم الوزراء المسلمين بما فيه الكفاية لتسجيل الأحداث باللغة العربية والرد، نيابة عن الملك، مع الحكام الآخرين، وذكر البكري “كما أنهم مسلمون، فهم ينتمون إلى الجسم السياسي الأكبر للعالم الإسلامي، وهذا من شأنه أن يجعل من الممكن إقامة علاقات دولية معهم”.

قبائل الهوسا

وفي نيجيريا، كانت أولى القبائل التي وصلها الإسلام هي قبائل “الهوسا”، وإن في وقت متأخر مقارنة مع قبائل أخرى في شمال وغرب إفريقيا، وجاء ذلك بعد إتمام الفتوحات الإسلامية في إفريقيا في عهد الدولة الأموية، بداية من مصر ووصولا إلى ساحل المحيط الأطلنطي، وتحديدا في القرن الثالث عشر الميلادي/ السابع الهجري، إلى أن تحولوا إلى الإسلام بشكل كامل مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي، حيث كانت لقبائل الهوسا سبع ولايات مستقلة من حيث الحكم والإدارة، لكل منها ملك ومجموعة من الوزراء، تستمد كل واحدة منها اسمها من المدينة الرئيسية التي تقطنها، وهي كالآتي، كانو وزاراي ودورا وجوبير وكتسينا وزامغاريا.

وتعرضت مناطق قبيلة “الهوسا” لهجرات متعددة ومتفرقة من الشعب الغلاني الذي اختلط بـ”الهوسا”، وتأثر بعقيدتهم الإسلامية ثم اعتنقها، وكان عمل المسلمين حينئذ التجارة، والتي كانت طريقهم للإسلام عن طريق التجار المسلمين الذين وجدوا في بلاد الصحراء الكبرى جنوبي دولة الخلافة الإسلامية سوقا لبضائعهم، وكان للمرابطين، الذين كانوا حينها يحكمون المغرب، دور مهم في انتشار الإسلام في نيجيريا، كما في عموم غرب إفريقيا، حيث وصل الدعاة المرابطون مع التجار المسلمين إلى نيجيريا وغينيا والكاميرون ومعظم مناطق الصحراء الكبرى وجنوبها حتى بلاد الغابون.

تنظيمات إسلامية

وفي العصر الحديث وعقب استقلال أغلب البلدان الإفريقية من الاستعمار، الذي خرب البلاد سياسيا وثقافيا ودينيا، انبرى العلماء والدعاة لنشر العلم، وبث الوعي في صفوف المسلمين، وتحذيرهم من المخاطر المحدقة بهم، وكان لصحوة هؤلاء العلماء وانتشار المد الأثري الصوفي أثره الكبير في عودة الوعي للأفارقة، وكان لدروس العلامة النيجيري أبي بكر جومي مثلا أثر كبير في اقتناع حكام الولايات الإسلامية في نيجيريا بتطبيق الشريعة الإسلامية، التي كانت تنهج نظاما سياسيا فدراليا، ما أدى إلى إعلان اثنتي عشرة ولاية نيجيرية اعتماد الشريعة حكما بين الناس، وهو ما أثار حفيظة المجتمع الدولي، خاصة منه الحقوقي، وجعله يستنفر جهوده للحيلولة دون ذلك، والضغط على الحكومة المركزية لمنعه دفاعا عن الأقليات في البلاد.

في ظل هذه الظروف وهذا السياق السياسي والاجتماعي ستنشأ التنظيمات الإسلامية بكل تشكلاتها وتلويناتها في القارة السمراء عموما وفي نيجيريا خصوصا، وظهورها مرتبط من جهة بالجمعيات الخيرية الإسلامية الخليجية التي تنامت وتفاقم ظهورها مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ومن جهة ثانية بزعيمها ومؤسسها الشيخ إبراهيم يعقوب زكزاكي، الذي تم في الفترة الأخيرة إحياء ذكرى اعتقاله عقب دهم بيته في مدينة زاريا خلال العام 2015، حتى غدت نيجيريا مرتعا للعديد من الجماعات والتنظيمات الإسلامية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، جمعية تعاون المسلمين، التي يصل عدد أتباعها إلى ما يزيد على الأربعين ألفا، أغلبهم من الطلاب والمستخدمين، ثم جمعية تضامن المسلمين، والمجلس الإسلامي، وجماعة التجديد الإسلامي وجمعية الطلبة المسلمين، وجماعة الوحدة الإسلامية، ومجلس أهل السنة والجماعة، وهم جميعا إما ينهلون من المدرسة السلفية أو من الإخوان، هذا من دون ذكر التيار الصوفي الذي يحتل مساحات كبيرة ليس فقط في نيجيريا ولكن في كل القارة السمراء، ويعتبر الأكثر عددا، غير أن حضورهم السياسي يكاد يكون منعدما، والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة تكوينهم الديني والعقدي من جهة، ومن جهة ثانية ضعف وهزالة تحصيلهم العلمي.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى