رأي

صبرى الديب يكتب.. انتخابات الفنكوش

هل نستطيع الجزم بأن كل الانتخابات والاستفتاءات التي تشهدها دول العالم الثالث تتمتع بشفافية مطلقة، أو أنها تفرز من خلال الصناديق الاختيارات الحقيقية التي تعبر بصدق عن إرادة الشعوب؟، أما أن ما يتم مجرد “فنكوش” وتستيف لاستحقاقات دستورية تعبر عن هوا السلطة، وتخرج في النهاية بمجموعة من المصفقين؟، أعتقد أن تجارب الواقع تجيب عن تلك التساؤلات بوضوح.

ففي أكتوبر عام 2002 تلقيت دعوة من وزارة الإعلام العراقية لتغطية فعاليات الاستفتاء الرئاسي الأخير للرئيس الراحل “صدام حسين” في الرحلة مثيرة، كشف لي حقيقة الواقع المرير الذي يشوب أغلب تلك الاستحقاقات الدستورية في العالم الثالث، على اختلاف مسمياتها “رئاسية أو برلمانية أو محلية”، خرجت في نهايتها بقناعة مفادها “أنه لا أمل في الخروج بتمثيل حقيقي يعبر عن رغبات الشعوب، لا هوا السلطة، طالما استمر الجهل والفقر يجتمعان في تلك الدول”.

اقرأ أيضا: صبري الديب يكتب.. شيطان برتبة رئيس

فأذكر أنه على الرغم مما كانت تغرق فيه العراق في ذلك الحين من كوارث اقتصادية وعسكرية وعلاقات خارجية متوترة، فضلا عن حصار اقتصادي بدت اثارة الكارثية على مختلف مناحي الحياة، فقد تحولت الشوارع والميادين يوم الاستفتاء إلى شبه عرس كبير، لم يخلو متر مربع في بلاد الرافدين خلاله من صور للرئيس صدام حسين، وسط غناء ورقص وهتاف لم ينقطع على مدار اليوم لمبايعة الرئيس.

في حين شهدت لجان الاستفتاء تباري غير مسبوق في التملق والنفاق، في مشاهدة معتادة في مثل هذه الاستحقاقات في كل الدول المتخلفة، كالعروسين اللذان ذهبا بملابس الزفاف لمبايعة الرئيس، والمعاق الذي تحامل على الألم وخرج على كرسي متحرك لإظهار مدى حبه للقائد المفدى، ومئات العجائز الذين اصطفوا حبا في الرئيس المغوار، وغيرها من المشاهد المحروقة التي سئمها العالم.

ورغم مرور نحو نصف قرن على تلك الرحلة، إلا أنه ما زال عالقا في ذاكرتي مشهد لمواطن عراقي، تخطى كل خطوط التملق والمشاهد الاستعراضية المعهودة في مثل هذه الاستحقاقات، وأراد أن يستعرض مدى حبه لصدام حسين أمام كاميرات التليفزيون، فأمسك بساطور في يده اليمني، ووضع يسراه على منضدة، واخذ يضرب عليها بعنف، إلى أن اندفع الدم من كل أجراءها بكثافة، في مشهد اقشعر له بدني، والأغرب، أنه تناول الدم بإصبعه في ثبات، ووضعه على ورقة الاستفتاء، ثم تناول العلم العراقي، وكتب عليه “ابايعك بدمى يا صدام”.

رغم أنني مصريا ولا يحق لي المشاركة، إلا انني قرر في ذلك اليوم اختبار مدى مصداقيه ذلك الاقتراع، وطلب الادلاء بصوتي في كل لجنة سأدخلها، غير أن المفاجأة التي أذهلتني، أنني كنت أتقدم للمسؤولين في كل لجنة، وأطلب الحصول على ورقة أو أكثر من أوراق الاقتراع، وأقوم بتسويدها بالرفض تارة والقبول تارة أخري، دون أدني اعتراض من مسؤول واحد.

وكانت قمة المفاجآت في اليوم التالي، حين تم دعوتنا لحضور المؤتمر الصحفي لإعلان نتيجة الاستفتاء، ووقف نائب الرئيس العراقي “عزة الدوري” معلنا بفخر، حصول الرئيس صدام حسين على بنسبة 100% من مجموع الأصوات، في استفتاء شاركت فيه بشخصي في عدد من اللجان بالرفض، ورغم أنني لست عراقيا لا يحق لي التصويت من الأساس، بل والأكثر أنني ما زلت احتفظ بعدد من أوراق الاقتراع الفارغة حتى اليوم.

للأسف هذا هو حال أغلب الانتخابات والاستفتاءات في دول العالم الثالث، وإن اختلفت طريقة “الإخراج” التي باتت خلال السنوات الأخيرة تقصي العلماء والخبراء والمؤهلين علميا وسياسيا، ولا تفرز سوى أغلبية تفتقد للحد الأدنى من المقومات، بعد أن تحولت مقاعد المجالس النيابية إلى “سلعة” تباع لمن يدفع أكثر، بصرف النظر عن المؤهل أو الثقافة أو حتى الصحيفة الجنائية.

ظني أن مثل هذا الواقع المرير سيظل، وستظل السلطة تنوب عن المواطن في اختيار ممثليه في كل الانتخابات والاستفتاءات، طالما ظل الجهل والفقر ينخران في جسم العالم النامي.. وكفى

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى