رأي

 رانيا ضيف يكتب.. وسط ضجيج العالم… مصر تختار الحكمة

في أوقات الاضطراب الكبرى، لا يصبح السؤال: من معنا ومن ضدنا؟

بل يصبح السؤال الأهم: كيف نفهم ما يحدث حولنا دون أن نفقد اتزاننا؟

المشهد في المنطقة اليوم شديد التعقيد.

حروب تشتعل، وتحالفات تتغير، ومواقف تتبدل بسرعة تجعل كثيرين يشعرون بالحيرة.

فالدولة التي كانت خصمًا بالأمس قد تصبح شريكًا في ملف ما، والصديق قد يختلف معنا في قضية أخرى.

 

هذه ليست مفارقة غريبة كما يظن البعض؛ بل هي طبيعة السياسة في العالم كله.

فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعاطفة أو المبادئ؛ بل بحسابات المصالح والأمن والاستقرار.

وسط هذا الضجيج، تبدو مصر كأنها اختارت طريقًا مختلفًا؛ طريقًا هادئًا لا يعتمد على الصخب ولا الانفعال، بل على الصبر والحساب الدقيق لكل خطوة.

فمصر تعرف جيدًا أن منطقتنا لم تعد تحتمل مزيدًا من الحرائق.

كل حرب جديدة تعني شعوبًا تدفع الثمن، واقتصادات تتضرر، وأجيالًا تعيش القلق بدل الأمل.

ولهذا كان الموقف المصري واضحًا في جوهره:

لا للفوضى… ولا لإشعال الصراعات… بل مع حماية استقرار المنطقة قدر الإمكان.

ربما لا تبدو هذه السياسة مثيرة للبعض، لا تحصد الإعجاب ولا القبول؛ لكنها في الحقيقة أكثر السياسات شجاعة، لأن ضبط النفس في زمن الاستفزاز أصعب كثيرًا من الاندفاع.

لقد تعلمت مصر من تاريخها الطويل أن القوة ليست دائمًا في الصراخ؛ بل في القدرة على التحمل والعمل بصمت، وأن الصبر ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل قد يكون أحيانًا أعلى درجات القوة.

وحين ننظر حولنا اليوم، سنجد عالمًا مرتبكًا، ودولًا تحاول أن تعيد ترتيب أوراقها وسط أزمات متلاحقة.

وقد نختلف في تفسير الأحداث، وقد تتباين التحليلات، لكن الحقيقة الواضحة أن مصر اختارت طريقًا صعبًا… طريق الحكمة؛ طريقاً يقول ببساطة إن أمن المنطقة لا يبنى بالحروب، وإن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الحفاظ على تماسك الدول وشعوبها، لا لمخططات التهجير، ولا لمخططات توسعية، ولا لتفتيت الدول المحيطة أو الإضرار بمصالحها ومقدراتها.

وفي خضم هذه الأحداث المربكة التي تتبدل فيها المواقف والسياسات، يبقى الأهم أن تبقى مصر كما عرفها التاريخ دائمًا: بلدًا يعرف متى يصبر… ومتى يتحرك… وكيف يحافظ على توازنه وسط العواصف.

 

في الوقت الذي نجح فيه نتنياهو في جر أمريكا لحرب بالوكالة لا طائل منها ولا مكاسب على الإطلاق ظناً منه أنه سيحقق أمن إسرائيل، وسيكون الطريق ممهداً لقيام دولة إسرائيل الكبرى، فطنت الحكومات قبل الشعوب لعبتهم القذرة وفقدت أمريكا هيبتها وأصبحت أضحوكة للعالم بعدما نجحت إيران في رد الركلات والصمود أمام طوفان الصواريخ والأسلحة المتطورة وهي في أضعف حالاتها، حيث لا نظام دولة قائماً، وغليان داخلي واغتيالات بالجملة نتيجة لاختراق أمني غير مسبوق!

إلا أن من يدرس التاريخ سيفهم أن دول الحضارات أوعى مما تظن الدول التي بنت نفسها على دماء وجثث وممتلكات الآخرين وسرقة أراضيهم!

سيكولوجية الجنرلات الإيرانيين والشعب الإيراني لم يقبل بالتسليم لأمريكا والخزي، إنما فاجأ الجميع بصموده بل واصطفافهم في وجه العدو رغم اختلافهم الداخلي وانقسامهم في وقت سابق!

وليس دفاعاً عن سياسات إيران، فهي مدانة في ملفات عدة، وأضرت بشعوب المنطقة ضرراً بالغاً، خصوصاً بالاستهدافات الأخيرة لدول الخليج التي أثارت غضب واستهجان مصر والحكومات والشعوب العربية بأكملها.

وعلى الرغم من أن مصر لم تسلم من أذى إيران وأذرعها في المنطقة؛ فإنها بلا شك خيبت توقعات إسرائيل وتجرأت على أمريكا، ولم تتوانَ في رد الصفعات لتل أبيب!

النتائج المبدئية بعد أيام من الحرب؛ هو انكشاف وجه أمريكا القبيح بما لا يدع مجالاً للشك.

ثبت بالدليل القاطع أن أمريكا لا تحمي إلا بلطجة إسرائيل وأوهامها في فرض سيادتها على المنطقة بأسرها! زرعوا هذا الكيان الغاصب في أراضي العرب واستجدوا لها القبول بينهم، والآن يكشرون عن أنيابهم بأحقيتهم في امتلاك الأرض والثروات والسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله!

لقد خسرت أمريكا ظهيرها التقليدي في الاتحاد الأوروبي، الذي أدرك متأخرًا أن التبعية المطلقة لواشنطن لم تجلب للقارة العجوز سوى الأزمات الاقتصادية والتهديدات الأمنية. اكتشفت الدول الأوروبية أنها تُدفع دفعًا لتكون وقودًا لصراعات تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحدها، بينما تدفع الشعوب الأوروبية فاتورة التضخم وانهيار سلاسل الإمداد. أصبحت هناك حاجة للبحث عن استقلال استراتيجي والابتعاد عن مقامرات البيت الأبيض التي باتت تفتقر للرؤية المتزنة، مما أضعف قبضة الهيمنة الغربية الموحدة لأول مرة منذ عقود.

كما خسرت أمريكا ثقة العرب، ولا أظن أن بعد هذه الحرب وانكشافهم ستحصل أمريكا على أي مكتسبات!

انكشف الصلف الإسرائيلي ووهم الدولة التي لا تهزم والقبة الصخرية التي لا تخترق بعدما رأى العالم الصواريخ الإيرانية تشعل تل أبيب وتحولها لكتلة نار!

بينما تقف مصر تشاهد الأحداث التي توقعتها مسبقاً وحذرت الجميع منها.

فهي دولة لها باع في الحروب مع الكيان المحتل والمفاوضات المريرة لسنوات طويلة لاسترداد الأرض، ثم تتحرك بوعي وثقة وخطوات مدروسة لدحض تلك المخططات التي تريد الخراب لكل دول المنطقة.

وسواء طالت الحرب أو قصرت، فقد فرضت الأحداث حقيقة واضحة، ألا وهي أن “العلم هو العامل الحاسم في موازين القوى”. لم يعد الصمود مجرد شعارات، بل أصبح مرتبطًا بالتفوق التكنولوجي والابتكار العسكري. فالدول التي استثمرت في العقول وطورت قدراتها هي وحدها القادرة على الردع وكسر الهيمنة، لذلك وجب علينا جميعاً العمل على تطوير أنفسنا وتكريس دور فعال للبحث العلمي والمعرفي، فالعقل البشري والمعرفة هما السلاح الأقوى في يد الأمم.

حفظ الله مصر وكل بلاد العرب ورد كيد أعدائنا في كل مكان.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى