رامي زُهدي يكتب.. العلاقات الإفريقية–العربية: نحو تحالف استراتيچي شامل؟
لم تعد العلاقات الإفريقية–العربية مجرد تواصل جغرافي أو إرث تاريخي ارتبط بروابط الدم والدين واللغة والتجارة، بل تحولت اليوم إلى معادلة وجودية يتوقف عليها مستقبل القارتين معاً. فالتشابكات الدولية التي يشهدها العالم، وصعود قوى جديدة، وتراجع أوزان تقليدية، يفرض على العرب والأفارقة أن يعيدوا اكتشاف ما بينهم من مشتركات وأن يعيدوا صياغة علاقتهم في صورة تحالف استراتيچي قادر على مواجهة التحديات وصناعة الفرص. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن يتشكل بالفعل تحالف إفريقي–عربي متين، اقتصاديًّا وتنمويًّا وجيوسياسيًّا وأمنيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا، يكون بمثابة رافعة لقوة الجنوب في عالم متعدّد الأقطاب؟
على الصعيد الاقتصادي، تكشف الأرقام عن فجوة بين الإمكانات والواقع. فحجم التجارة البينية بين العرب والأفارقة لم يتجاوز في السنوات الأخيرة نسبة ستة في المائة من إجمالي تجارة الطرفين مع العالم، وهو رقم متواضع للغاية إذا ما قورن بحجم الأسواق. ففي عام 2024 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للدول الإفريقية نحو ثلاثة تريليونات ومائة مليار دولار، فيما تخطى الناتج المحلي للدول العربية ثلاثة تريليونات وخمسمائة مليار دولار. نحن إذاً أمام فضاء اقتصادي يقارب ستة تريليونات وستمائة مليار دولار، لكنه ما زال بعيداً عن استغلال قدراته. وفي مجال الاستثمارات، تركزت التدفقات الخليجية إلى إفريقيا في قطاعات الطاقة والاتصالات والزراعة، لكنها لم تتعد نسبة أربعة في المائة من إجمالي الاستثمارات العربية الخارجية. ولو ارتفعت هذه النسبة إلى خمسة عشر في المائة خلال العقد المقبل، فإن حجم الاستثمارات العربية داخل القارة قد يتجاوز ثلاثمائة مليار دولار، وهو رقم كفيل بإحداث نقلة نوعية في البنية التحتية وخلق ملايين الوظائف الجديدة.

البعد الجيوسياسي أكثر حساسية لأنه يمس صميم الأمن القومي للطرفين. فالقارة الإفريقية تمثل الامتداد الحيوي الطبيعي للعالم العربي، حيث إن أكثر من خمسة وثمانين في المائة من صادرات النفط العربي تمر عبر البحر الأحمر الذي يشكّل أيضاً شريان حياة لست دول إفريقية. أي خلل في توازن القوى في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على استقرار الجانبين. وفي الوقت ذاته، فإن أمن إفريقيا مرتبط بما يجري في الخليج والشرق الأوسط من صراعات إقليمية، سواء على مستوى تهريب السلاح أو تجارة البشر أو الهجرة غير الشرعية.
أما الأبعاد الأمنية والعسكرية فتتضح بصورة جلية في أرقام الهجمات الإرهابية داخل إفريقيا. ففي عام 2024 وحده شهدت منطقة الساحل والصحراء أكثر من ستمائة هجوم، خلّفت ما يزيد على ثمانية آلاف وخمسمائة قتيل، إلى جانب ملايين المهجّرين. هذه الأوضاع تمثل خطراً مزدوجاً، فهي تستنزف قدرات الدول الإفريقية وتنعكس على الأمن العربي عبر موجات الهجرة غير الشرعية وامتدادات التنظيمات المسلحة. من هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس مجلس عربي–إفريقي للأمن المشترك يتبنى آليات للردع الاستباقي ويعتمد على خبرة الجيوش العربية في مكافحة الإرهاب، إلى جانب خبرة الأفارقة في إدارة النزاعات الداخلية. التمويل العربي في هذه الحالة يمكن أن يسد فجوة تقدر بمليارات الدولارات تخصصها إفريقيا سنوياً لمحاربة الإرهاب، ومع ذلك تظل دون مستوى التحدي.
في مجال التنمية، تبدو الصورة أكثر إلحاحاً. فوفق تقارير الأمم المتحدة يعيش نحو أربعمائة وخمسين مليون إفريقي تحت خط الفقر، فيما تتجاوز معدلات البطالة في بعض الدول الإفريقية والعربية خمسة وعشرين في المائة. هذه الأرقام لا تعكس مجرد مشكلات اجتماعية، بل تعكس تهديداً مباشراً للاستقرار السياسي والأمني. فالتجارب أثبتت أن مناطق الفراغ التنموي سرعان ما تتحول إلى بيئة خصبة للتطرف والجريمة المنظمة. ولهذا فإن المشروعات الكبرى مثل الربط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط، أو مشروعات الربط الكهربائي العربي–الإفريقي، تمثل أكثر من مجرد بنية تحتية، فهي أدوات لترسيخ المصالح المشتركة وضمان الاستقرار طويل الأمد.
التحديات كثيرة، ولعل أبرزها غياب إرادة سياسية موحدة وعدم وجود إطار مؤسسي دائم يضمن استمرارية التعاون. كما أن التنافس الدولي على القارة يشكل ضغوطاً حقيقية، فالصين وحدها استحوذت على أكثر من ثلاثة وعشرين في المائة من الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا عام 2024، فيما تحتل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مراتب متقدمة في مجالات التمويل والمساعدات. هذه الأرقام تعكس محدودية الحضور العربي رغم القرب الجغرافي والروابط الحضارية.
لكن التحالف العربي–الإفريقي لا يمكن أن يقوم فقط على الاقتصاد والأمن. الثقافة تمثل بعداً لا غنى عنه في هذا السياق، حيث تجمع العرب والأفارقة قواسم تمتد من الدين واللغة إلى الموسيقى والفنون والفكر. نحن نتحدث عن أكثر من نصف مليار إنسان يشكلون نسيجاً حضارياً يمكن أن يكون حائط الصد الأول أمام محاولات الاختراق والتفتيت. لذلك فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتبادل البعثات والمنح الدراسية يمثل حجر الزاوية في صياغة وجدان مشترك يضمن ديمومة التحالف.
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن تحالفاً عربياً–إفريقياً يمكن أن يشكل قوة تصويتية مؤثرة داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إذ يتجاوز عدد الدول العربية والإفريقية مجتمعة مائة وعشرين دولة، وهو رقم يكفي لتغيير معادلات التصويت في القضايا الجوهرية مثل إصلاح مجلس الأمن أو سياسات التنمية المستدامة أو قضايا المناخ. وهنا تكمن قوة إضافية قد تفوق في تأثيرها أحياناً القوة الاقتصادية أو العسكرية.
إن العلاقات الإفريقية–العربية تقف اليوم أمام لحظة فارقة، فإما أن تبقى أسيرة الخطابات واللقاءات الدورية، أو تتحول إلى تحالف استراتيچي متماسك يضع شعوب الجنوب في موقع أكثر تقدماً في النظام الدولي. المقومات موجودة من موارد طبيعية ومواقع استراتيجية وقوة بشرية وروابط حضارية، غير أن الرؤية المشتركة والإرادة السياسية هي الشرط الذي لا غنى عنه.
ولعل مصر بما تملكه من موقع جغرافي يربط القارتين، وبما تمتلكه من خبرة تاريخية في بناء الشراكات الإقليمية وإدارة الأزمات، هي الأقدر على قيادة هذا المسار. فمن نيلها الذي يفيض بالحياة إلى بحارها التي تفتح نوافذها على العالم، ومن تجربتها في بناء مدن جديدة وبنى تحتية عملاقة إلى قدرتها على إدارة ملفات الأمن المائي والغذائي، تبدو مصر مؤهلة لأن تكون الجسر الذي تعبر عليه الشعوب نحو التكامل.

إن اللحظة الراهنة لا تحتمل التردد، فالتاريخ لا يرحم المتأخرين، والشعوب التي تملك أن تصنع مصيرها لا تنتظر إذناً من أحد. إفريقيا والعالم العربي أمام فرصة استثنائية ليكتبا معاً صفحة جديدة من الحضور والفاعلية، لا كتوابع في خرائط القوى الكبرى، بل كصناع لمعادلة دولية أكثر عدلاً وإنصافاً. ومن هنا فإن الدعوة ليست مجرد خطاب، بل هي عهد على أن المستقبل لن يكون إلا لمن يملك الشجاعة في الرؤية والإخلاص في الفعل.



