رأي

رامي زهدي يكتب.. بين الحرب والسلام: أفريقيا العالقة بين فوضى الهدنات وصراعات الممرات البحرية والتجارية

 الكاتب نائب رئيس مركز "العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية"

تبدو القارة الأفريقية في لحظتها الراهنة كأنها تقف على حافة جغرافيا مضطربة، تتقاطع فيها خرائط الحرب مع خرائط التجارة، وتتصادم فيها حسابات السيادة مع منطق الممرات الدولية المفتوحة والمغلقة، ولم تعد الحروب في أفريقيا مجرد نزاعات داخلية تقليدية؛ بل تحولت تدريجيًا إلى عناصر فاعلة في إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، وأدوات ضغط غير مباشرة على سلاسل الامداد الدولية، خصوصًا مع تزايد الاعتماد العالمي على الممرات البحرية التي تحيط بالقارة من الشرق والغرب والشمال.

من السودان إلى الساحل الأفريقي، ومن القرن الأفريقي إلى ليبيا، تتعدد أشكال الصراع لكن النتيجة تكاد تكون واحدة، حيث إضعاف الدولة الوطنية، وتفكيك البنية الاقتصادية، وتعميق هشاشة الممرات البرية والبحرية، والحرب في السودان وحدها، والتي دخلت عامها الممتد الرابع وسط انهيار إنساني واسع، تسببت في نزوح ملايين وتراجع حاد في مؤشرات الإنتاج الزراعي والصناعي، بينما تشير تقديرات دولية إلى أن الاقتصاد السوداني فقد أكثر من 40 في المائة من قدرته الإنتاجية الفعلية منذ اندلاع الصراع، هذه ليست مجرد أرقام؛ بل مؤشرات على دولة يتم تفكيكها أمام أعين محيط إقليمي مضطرب.

في موازاة ذلك، يظل البحر الاحمر واحدًا من أهم خطوط التجارة العالمية، حيث تمر عبره قرابة من 10 إلى 12 في المائة من حركة التجارة الدولية، ونحو 30 في المائة من حركة الحاويات العالمية المرتبطة بالطاقة والسلع الاستراتيجية، ومع تصاعد التوترات في باب المندب والقرن الأفريقي، تحولت الممرات البحرية من شرايين اقتصادية إلى نقاط هشاشة استراتيجية، حيث يمكن لأي اضطراب أمني أو عسكري أن يعيد توجيه مسارات التجارة نحو طرق أطول وأقل كفاءة، بتكلفة اقتصادية عالمية ضخمة.

هذا التداخل بين الحرب والممرات ليس عرضيًا؛ بل يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة الصراع داخل القارة الأفريقية، فالقوى الإقليمية والدولية باتت تدرك أن السيطرة على مناطق النفوذ لا تمر فقط عبر الأرض؛ بل عبر التحكم في النقاط البحرية والبوابات التجارية، وهو ما يفسر حالة التنافس المتصاعد حول الموانئ الأفريقية، وقواعد الانتشار البحري، ومناطق التأثير اللوجستي الممتد من المحيط الهندي إلى المتوسط.

وفي مقابل ذلك، تبدو أفريقيا في كثير من مشاهدها كأنها تعيش حالة تعدد الهدنات المؤقتة، حيث تتوقف الحرب دون أن تنتهي، وتفتح الممرات دون أن تستقر، وتوقع الاتفاقات دون أن تنفذ بالكامل، وهذه الحالة الرمادية تخلق اقتصادًا هشًا، لا هو في حالة حرب شاملة ولا في حالة سلام مستدام؛ بل في منطقة وسطى تستنزف فيها الموارد وتستمر فيها الخسائر بشكل تراكمي صامت.

اللافت أيضًا أن غلق وفتح الممرات البحرية والتجارية لم يعد قرارًا سياديًا خالصًا للدول الأفريقية؛ بل أصبح مرتبطًا بشبكة معقدة من التوازنات الدولية، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى مع حسابات الفاعلين الإقليميين، في مشهد يعيد إنتاج مفهوم السيادة المنقوصة على الجغرافيا الاقتصادية للقارة.

وفي ظل هذه المعادلة، تتسع فجوة التنمية داخل أفريقيا، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن القارة تخسر سنويًا عشرات المليارات من الدولارات نتيجة النزاعات المسلحة، سواء عبر تعطيل التجارة أو تدمير البنية التحتية، أو زيادة تكلفة التأمين والنقل. كما أن أكثر من 30 دولة أفريقية ما زالت تعاني من مستويات متفاوتة من الهشاشة السياسية والأمنية، ما يجعل استقرار القارة هدفًا مؤجلًا وليس واقعًا قائمًا.

إن أفريقيا اليوم ليست تائهة بالمعنى الجغرافي، لكنها تائهة في معادلة مركبة بين الحرب والسلام، وبين الانفتاح والانغلاق، وبين الممرات التي تفتح حينًا وتغلق حينًا آخر، وبين إرادة التنمية التي تصطدم دومًا بواقع الصراع، وفي قلب هذه المعادلة، تظل الحاجة ملحة لإعادة تعريف الأمن الأفريقي ليس فقط كأمن عسكري؛ بل كأمن اقتصادي وتجاري وممراتي في المقام الأول.

إن مستقبل القارة لن يحسم فقط في ميادين القتال،؛ بل في القدرة على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى منصة عبور، ومن ممرات متنازع عليها إلى شرايين تعاون، ومن هدنة مؤقتة إلى سلام مستدام يعيد رسم مكانة أفريقيا في النظام العالمي القادم.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى