رأي

د. نِهاد محمود تكتب.. فاي وسونكو.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

لا يبدو أن ما يتسرّب من ملامح العلاقة بين الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه عثمان سونكو مجرد تباين عابر داخل سلطة لا تزال حديثة العهد بالحكم، بل إن المؤشرات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، من إعادة ترتيب بعض المواقع داخل الرئاسة إلى الرسائل السياسية غير المباشرة، تفتح الباب أمام احتمال تشكّل خلاف داخل قمة السلطة، حتى وإن لم يصل بعد إلى مرحلة القطيعة أو الصدام المفتوح.
ففي مطلع مايو 2026، أدلى الرئيس السنغالي بتصريحات لافتة قال فيها إن الحزب الحاكم، حزب الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة المعروف اختصارًا باسم “باستيف” الذي تأسس عام 2014 على يد عثمان سونكو، سيكون معرضًا للانهيار إذا لم يغيّر أنصاره مسارهم، مؤكدًا أن الحزب حظي بدعم واسع لأن الشعب السنغالي آمن بمبادئه ومُثله العليا، لا بطموحات الأفراد. كما شدد على أن من حقه تعيين رئيس الوزراء وإقالته، مضيفًا أن استمرار عثمان سونكو في منصبه يعود إلى رضاه عن أدائه، لكنه أوضح كذلك أن مصلحة السنغال ستظل الأولوية إذا تغير هذا التقييم مستقبلاً.
جاءت هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التكهنات بشأن مدى تماسك التحالف بين الرجلين، وفي ظل ضغوط اقتصادية تواجهها السنغال، تتصل بملف الديون وتداعيات التوترات الدولية وبخاصة الحرب على إيران وانعكاساتها على الاقتصادات الإفريقية وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتعود جذور العلاقة بين فاي وسونكو إلى مرحلة ما قبل الوصول إلى السلطة، حين برز سونكو كأحد أهم وجوه المعارضة في السنغال، قبل أن يُمنع من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2024، ليدفع بباسيرو ديوماي فاي كمرشح بديل يمثل امتدادًا للمشروع السياسي ذاته. وبعد الفوز، عيّن فاي سونكو رئيسًا للوزراء، في خطوة بدت آنذاك تعبيرًا عن استمرار التحالف السياسي بين الرجلين. غير أن الأشهر التالية شهدت ظهور مؤشرات تباين تدريجي، خاصة مع تلويح سونكو بإمكانية الانسحاب من الحكومة إذا تعارضت سياساتها مع رؤية حزب “باستيف”.
لا تتوقف أهمية هذه المؤشرات عند حدود اللحظة الراهنة، بل ترتبط بنمط متكرر في التجربة السياسية السنغالية، إذ إن العلاقة بين الرئيس ورئيس حكومته، خصوصًا حين تقوم على رصيد من الصداقة أو النضال المشترك، غالبًا ما تبدأ بدرجة عالية من التوافق قبل أن تدخل تدريجيًا في مسار من التباين وإعادة توزيع موازين القوة داخل الدولة.
ويبرز التاريخ السياسي السنغالي عدة نماذج دالة على ذلك، ففي ستينيات القرن الماضي، جمع التحالف بين الرئيس ليوبولد سيدار سنغور ورفيقه محمدو جاه، قبل أن يتحول التوافق إلى صراع سياسي عميق، على خلفية التباين بشأن طبيعة العلاقة مع فرنسا؛ إذ تمسك سنغور باستمرار الارتباط بباريس، بينما رأى جاه أن الاستقلال الحقيقي يقتضي النأي عن النفوذ الفرنسي. وانتهى هذا الخلاف بإقصاء جاه وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بعدما أعلن سنغور عام 1963 أن رئيس وزرائه دبّر محاولة انقلابية، ليُلقى القبض عليه ويُحاكم بالسجن مدى الحياة، ثم ألغى سنغور منصب رئيس الوزراء لأكثر من عشر سنوات وتولى إدارة الدولة بصورة مباشرة.
وفي مرحلة لاحقة، لم تمنع العلاقة الوثيقة بين الرئيس عبدو ضيوف ورئيس وزرائه حبيب تشام من ظهور خلافات سياسية انتهت بإبعاد الأخير من المشهد السياسي وإلغاء منصب رئيس الوزراء مجددًا لسنوات، قبل أن يعود المنصب مرة أخرى حتى عام 1998، ثم تتدهور العلاقة بين الرجلين لينسحب تشام من الحكومة والحياة السياسية، رغم استمرار الصداقة بينهما.
أما الرئيس عبد الله واد، فقد حاول تجاوز هذا النمط عبر الاعتماد على الولاء السياسي أكثر من الروابط الشخصية، إلا أن تجربته انتهت كذلك بتمرد من داخل دائرته السياسية، بعدما التف عدد من تلاميذه حول ماكي سال، وهو ما قاد في النهاية إلى هزيمته في انتخابات عام 2012 وخروجه من الحياة السياسية تمامًا.
وفي هذا السياق، يبدو ما يجري اليوم امتدادًا لمسار سياسي عرفته السنغال في أكثر من محطة تاريخية، وإن اختلفت الظروف والفاعلون، فالرئيس فاي يسعى إلى تثبيت موقعه باعتباره رأس السلطة التنفيذية وصاحب القرار النهائي داخل الدولة، بينما يحتفظ عثمان سونكو بثقل سياسي وشعبي واسع داخل الحزب الحاكم وقاعدته الجماهيرية، وهو ما يجعل العلاقة بينهما محكومة بتوازن دقيق بين الشراكة السياسية والتنافس الضمني على النفوذ والتأثير.
في الأخير، تبدو السنغال أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة السلطة على إدارة التباينات داخلها دون الانزلاق إلى صراع مفتوح يعيد إنتاج أزمات سابقة عرفها التاريخ السياسي للبلاد. فالتحدي لا يرتبط بوجود الخلاف في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بحدود القدرة على احتوائه سياسيًا ومؤسسيًا، خاصة في ظل ظرف إقليمي ودولي معقد، تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية العالمية مع التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها بعض دول الجوار، بما يجعل الحفاظ على تماسك السلطة واستقرار الدولة مسألة تتجاوز الحسابات الشخصية والحزبية إلى رهان أوسع يتعلق باستقرار السنغال نفسها.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى