رأي

د. محمد يحيى غيدة يكتب.. مصر ليست فقط بلدًا.. بل فكرة وملاذ وأمل

في خضم أتون الحرب الإيرانية – الإسرائيلية الأخيرة، كشفت الأحداث عن هشاشة الأمن في المنطقة رغم ترسانة القواعد الأمريكية المنتشرة في ربوعه، كأن الذهب والنفط لم يكونا ضمانًا كافيًا للطمأنينة. بل على العكس، بدا أن تلك القواعد الأجنبية التي يُفترض أنها مظلة حماية، تحولت إلى عبء استراتيجي، وقيد على الإرادة الوطنية، وأداة ابتزاز في لحظة الحسم.

في هذا السياق، تبرز مصر حالة استثنائية في المشهد العربي: بلد لا تستند مكانته إلى ثروات باطنية، أو تحالفات مشروطة، بل إلى رصيد تاريخي من الصمود، وجيش عقائدي يعد من أقدم الجيوش النظامية في التاريخ، وشعب يعرف جيدًا معنى التضحية، ويؤمن بأن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

اقرأ أيضا: د. محمد يحيى غيدة يكتب.. اختيار السيسي اختيار لمصر المستقرة الآمنة

لقد باتت مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري، هي “الملاذ الآمن الحقيقي للعرب”. ليست مجرد دولة مركزية؛ بل صمام أمان للمنطقة، فحين اهتزت العواصم وتراخت الإرادات، بقيت القاهرة – رغم التحديات الاقتصادية – تحافظ على استقرارها، وتدير بوصلتها على قاعدة “الأمن القومي العربي من أمنها”.

وهنا لا يمكن تجاهل الدور القيادي لرئيسها، الذي استطاع – وسط استقطابات حادة – أن يعيد لمصر هامشًا واسعًا من الاستقلالية في القرار، ويوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الثوابت الوطنية، بين الإصلاح الاقتصادي ومتانة الدولة، بين الواقعية السياسية والانتماء القومي.

مصر

مصر.. بين التاريخ والجغرافيا

ليس غريبًا أن تعود الأنظار اليوم إلى مصر، لا بوصفها “أم الدنيا” فقط؛ بل باعتبارها “الملجأ عند اشتداد الخطب”. لقد كانت كذلك عبر التاريخ: من ناصر العروبة، إلى حماية الفلسطينيين في نكباتهم، واحتضان المهجرين من الحروب، إلى جيشها الذي خاض حروب العرب كافة، ودفع فاتورة الدم في اليمن، والسودان، وفلسطين.

وإذا كان العرب قد خضعوا في مراحل كثيرة لإغراء المال، أو لابتزاز الخارج، فإن دروس الحرب الإيرانية – الإسرائيلية تقول بوضوح: الثروة لا تحمي، والقواعد الأجنبية لا تردع، والأمن لا يُشترى، بل يُبنى على الثقة، والانتماء، والإيمان بوحدة المصير.

ربما آن الأوان لأن يعيد العرب اكتشاف أولوياتهم. أن يفهموا أن العروبة ليست شعارًا؛ بل شبكة أمان، وأن مصر – رغم ما تواجهه – ما زالت “قلب العروبة النابض”، لا لترف الخطابة، بل لصلابة الموقف، وأن الجيش المصري، الذي لم تنكسر إرادته في أحلك الظروف، هو السند الذي يمكن الرهان عليه حين تتعطل الحسابات وتغيب البوصلة.

مصر ليست فقط بلدًا، بل فكرة.. وملاذ.. وأمل.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى