رأي

 د.فرج بوخروبة يكتب.. العرب في مهب الاستباحة الدولية هل انتهى عصر الجغرافيا السياسية؟

بينما تنشغل مختبرات الفكر ومراكز الدراسات العالمية برسم الخرائط الجيوسياسية للنظام الدولي الجديد، وتراقب بشغف صراع العمالقة فوق سحاب الذكاء الاصطناعي ومعادلات السيادة على سلاسل الإمداد، يبدو الواقع العربي غارقاً في “سكونية” مريبة، وكأنه اختار طواعية أن يكون خارج مدار التاريخ المعاصر. إن الحقيقة المرة التي نتحاشى مواجهتها في صالوناتنا السياسية وفوق صفحات جرائدنا، هي أن العرب اليوم لا يواجهون مجرد “تحول” ميكانيكي في موازين القوى بين شرق وغرب، بل يواجهون حالة من “الانكشاف الاستراتيجي” الذي قد يؤدي إلى خروج كامل من دائرة الفعالية الحضارية. لقد تحولت المنطقة، في ظل غياب الرؤية المشتركة، من فاعل تاريخي أو حتى ساحة للتنافس، إلى مجرد مساحة جغرافية مستباحة تُحدد أقدارها وتُرسم مساراتها في عواصم لا تتحدث العربية، ولا تقيم وزناً إلا للغة القوة والمصلحة المجردة.

 

وهنا يتجلى زيف الأوهام التي لطالما روجت لها النخب العربية، تلك التي اقتاتت لعقود على فكرة أننا “بيضة القبان” في التوازن الدولي بفضل براميل النفط وحيوية الموقع الجغرافي. فالواقع الدولي الراهن يقول إن العالم بدأ “يتجاوزنا” فعلياً؛ فبينما تتسابق القوى الكبرى والناشئة نحو السيادة التكنولوجية المطلقة وتحقيق استقلال الطاقة عبر بدائل مبتكرة، ما زال العقل السياسي العربي متمترساً خلف أدوات القرن العشرين الصدئة، يظن أن الجغرافيا وحدها كفيلة بحمايته. إن الفجوة التي تفصلنا عن النظام الدولي الجديد ليست فجوة إمكانات مادية، فنحن نمتلك من السيولة والثروات ما يكفي لبناء قارات، لكنها “فجوة زمنية” وعقلية؛ فبينما يركض العالم نحو آفاق “ما بعد الدولة” و”ما بعد النفط”، ما زلنا نحن نتخبط في محاولات بائسة لترميم خرائط قديمة تآكلت حوافها بفعل التبعية المطلقة والتدخلات الخارجية التي لم تعد استثناءً، بل أصبحت أصلاً في تدبير شؤوننا اليومية.

 

إن هذه العلة البنيوية في المشهد العربي الراهن تتجسد بوضوح في تكريس نموذج “الدولة الوظيفية”؛ تلك التي لا تستمد شرعيتها أو مسوغات بقائها من قوتها الذاتية أو تلاحمها مع محيطها الطبيعي، بل من دورها في خدمة التوازنات الدولية الكبرى. وفي نظام دولي جديد يتسم بالوحشية البراغماتية ولا يؤمن إلا بالكتل الكبرى العابرة للحدود، تبدو هذه “الفردانية القطرية” العربية نوعاً من الانتحار الاستراتيجي المحقق. فالدول التي تتوهم أنها ستحجز مقعداً آمناً في قطار المستقبل عبر الدخول في “اتفاقيات حماية” منفردة أو رهانات سياسية قصيرة النظر – كما في صفقات الطاقة أو اتفاقيات أبراهام – تكتشف يوماً بعد يوم أن “بورصة الولاءات” في الغابة الدولية متغيرة ومتقلبة، وأن الضعفاء والمشتتين هم دوماً أول من يُقدمون كأوراق مقايضة رخيصة على طاولة الكبار حين تشتد الأزمات أو تتصادم المصالح العليا.

 

وما يزيد المشهد قتامة هو ذلك الزحف الهادئ لـ”استعمار من نوع جديد” يفرض هيمنته خلف ضجيج الصراعات العسكرية والسياسية؛ إنه “الاستعمار الرقمي والمعرفي”. فالعرب اليوم، رغم إنفاقهم الملياري السخي على المظاهر التكنولوجية، ليسوا سوى “مستهلكين نهائيين” سلبيين لبيانات وبرمجيات وتقنيات تُصنع وتُبرمج في مختبرات “سيليكون فالي” أو “شنجن”. إن غياب السيادة التقنية العربية يعني ببساطة أن قرارنا السياسي، وتوجهاتنا الاقتصادية، بل وحتى أمننا المجتمعي وسلمنا الأهلي، باتت جميعها رهينة لخوارزميات معقدة لا نملك مفاتيحها ولا نفقه أسرارها. هذا الانكشاف التقني ليس مجرد تخلف تكنولوجي، بل هو الوجه الآخر للفشل الذريع في بناء مشروع نهضوي حقيقي يمتلك أدوات العصر، مما يجعل أي حديث عن “دور عربي مؤثر” في صياغة النظام العالمي الجديد مجرد أضغاث أحلام ما لم نمتلك القدرة على الإنتاج لا مجرد الاستهلاك المترف.

 

بناءً على هذا الواقع، يصبح الاستمرار في نهج “الانتظار السلبي” لما ستسفر عنه توازنات القوى العالمية وصفة انتحارية بامتياز. فالعالم الجديد الذي يتشكل الآن وسط النيران والتحولات الكبرى، لا يعترف بالحقوق التاريخية المهدورة ولا يلقي بالاً للإرث الحضاري الغابر؛ إنه عالم يقدس “النتائج والمخرجات” والقدرة على التأثير المادي الملموس في مفاصل الاقتصاد والسياسة. وإذا ما استمر العرب في حالة “التشظي الإرادي” هذه، وفي غياب الحد الأدنى من التكامل الاستراتيجي الذي يحول الكتلة العربية إلى رقم صعب، فإن المصير لن يكون مجرد البقاء في الهامش، بل سيكون مصيراً “مذلاً” بكل ما للكلمة من معنى. حيث ستُدار شؤون هذه المنطقة الحيوية عبر وكلاء إقليميين طامحين، أو قوى دولية ترى في جغرافينا مجرد خزان احتياطي للموارد أو سوقاً كبيراً لتصريف أزماتها وفواضل إنتاجها، بينما يبقى أهل الدار متفرجين على ضياع ملكهم.

 

إن اللحظة الراهنة تستوجب صرخة مدوية في وجه الركود قبل فوات الأوان؛ فالمطلوب اليوم ليس بيانات تنديد خشبية أو مؤتمرات قمة روتينية تُعنى بالشكل وتتجاهل المضمون، بل المطلوب هو “ثورة جذريّة في الوعي الاستراتيجي” العربي. إن التاريخ، في سننه الصارمة، لا يحابي الكسالى ولا ينتظر المترددين، والفرص التي ضاعت في عقود الهيمنة الأحادية الغاربة قد لا تتكرر في ظل تعددية قطبية شرسة تتصارع فيها الأنياب والمخالب. إننا أمام خيار تاريخي فاصل: فإما أن ننتزع حقنا في الوجود كـ”كتلة سيادية” متكاملة قادرة على فرض شروطها وحماية مصالحها، أو نرتضي لأنفسنا دور “الوقود” الذي يحترق لتتحرك محركات نهضة الآخرين وتزداد قوتهم. الساعة الآن تشير إلى ما بعد منتصف ليل التاريخ العربي، والبقاء على قيد التأثير والكرامة يتطلب شجاعة المواجهة القاسية مع الذات، والإقرار بالهزيمة البنيوية، قبل القدرة على مواجهة العالم أو محاولة كتابة سطر واحد في كتابه الجديد.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى