د. راندة فخر الدين تكتب.. حين يُربّى الصمت ويُنسى الجسد

لا يمكن فهم الجسد الأنثوي خارج السياق الذي يعيش فيه، ولا يمكن قراءة ألمه بمعزل عن اللغة التي سُمح له أن يتكلم بها أو مُنع عنها. فالجسد ليس صفحة بيضاء، بل سجلٌّ حيٌّ لتجربة طويلة، تتداخل فيها التربية، والدين، والعادات، والمشاعر، والصمت المتراكم. وحين نتأمل العلاقة بين الحلق والرحم، لا نكون أمام فكرة طبية مجردة، بل أمام مسار إنساني متكامل يبدأ من التربية، ويمرّ بالقيم، وينتهي في الجسد.
منذ الطفولة، تتعلم الفتاة في مجتمعاتنا أن للصوت حدودًا، وأن للكلام توقيتًا، وأن الصمت في أحيان كثيرة هو الخيار الأسلم. لا يُقال هذا دائمًا بشكل مباشر، لكنه يُفهم من نظرات الاستهجان، ومن التحذير المتكرر من “الكلام الزائد”، ومن الربط المستمر بين الأدب والسكوت. تكبر الفتاة وهي تحاول أن تكون “مناسبة”، لا فقط في سلوكها، بل في مشاعرها أيضًا. ومع الوقت، يصبح ضبط النفس هدفًا أعلى من فهم النفس.
هذه التربية، وإن انطلقت في كثير من الأحيان من نية الحماية أو التهذيب، تترك أثرًا عميقًا حين لا تُوازن بالتعليم العاطفي. فالطفلة التي لا تتعلم كيف تعبّر عن غضبها أو حزنها، لا تتوقف عن الشعور، بل تتوقف عن الفهم. ومع غياب الفهم، يتحول الجسد إلى المساحة الوحيدة المتاحة للتعبير.
الحلق، بوصفه مركز الصوت والتنفس، هو أول ما يتأثر بهذه المعادلة. فالصوت لا يخرج من فراغ، بل من شعور بالأمان. وعندما يتكرر الإحساس بأن الكلام قد يُساء تفسيره أو يُقلَّل من شأنه، يتكوّن انقباض داخلي لا يحتاج إلى قرار واعٍ. يصبح الصوت أخفض، والنفس أقصر، والجسد أقل حضورًا. هذا الانقباض، حين يستمر، لا يبقى محصورًا في الحلق، بل يمتد عبر الجهاز العصبي إلى العمق.
في المقابل، الرحم يمثل في الجسد الأنثوي مركز الاحتواء، ليس فقط بمعناه البيولوجي، بل بوصفه جزءًا من منظومة حساسة للتغيرات الهرمونية والعصبية. الرحم يتأثر بإيقاع الجسد كله، وحين يعيش الجسد في حالة توتر مزمن، تتأثر وظائفه الدقيقة. هذا لا يعني اختزال كل ألم في سبب نفسي، لكنه يرفض الفصل القاطع بين ما نعيشه وما نشعر به جسديًا.
من المنظور القيمي والديني، لا ينظر التراث الإسلامي إلى الجسد باعتباره كيانًا منفصلًا عن النفس. فالإنسان وحدة متكاملة، يُحاسَب على ما يحمل في قلبه بقدر ما يُحاسَب على ما يظهر في فعله. وفي هذا السياق، لا يُفهم الصمت على أنه فضيلة مطلقة، ولا يُفهم التعبير على أنه تجاوز. بل تُربط القيم دائمًا بالنية، وبالعدل مع النفس قبل العدل مع الآخرين.
الدين، في جوهره، لا يدعو إلى قهر المشاعر، بل إلى تهذيبها وفهمها. ويؤكد على أن الكتمان المطلق ليس عبادة، وأن تحميل النفس ما لا تحتمل ليس قوة. بل إن الرحمة، وهي قيمة مركزية، تبدأ من الداخل. والرحمة بالنفس تعني الاعتراف بالضعف، وبالحاجة، وبالحدود الإنسانية.
حين نُسقِط هذا الفهم على الجسد، تتغير زاوية النظر. فالألم لا يصبح عقابًا، بل رسالة. والتعب لا يصبح تقصيرًا، بل إشارة إلى خلل في التوازن. والجسد لا يُدان، بل يُصغى إليه. وهذا الإصغاء لا يتعارض مع الإيمان، بل ينسجم معه، لأن الإصغاء إلى النفس هو جزء من الأمانة التي حُمِّلها الإنسان.
المشكلة تظهر حين يُختزل الدين في أوامر خارجية، وتُهمَّش أبعاده النفسية والإنسانية. عندها، يُطلب من المرأة الصبر دون مساحة للبوح، والتحمل دون اعتراف بالثقل، والسكوت دون تمييز بين الحكمة والكبت. ومع الوقت، يصبح الجسد هو الساحة الوحيدة التي تظهر فيها الحقيقة.
التجربة الإنسانية، المدعومة بفهم علمي متزايد، تشير إلى أن التعبير الآمن ليس نقيض القيم، بل أحد أدوات حفظ النفس. فالحديث الصادق، والتنفس العميق، وإيجاد مساحة آمنة للكلام، كلها ممارسات تعيد للجهاز العصبي شيئًا من الطمأنينة. وهذه الطمأنينة، في المفهوم الديني، ليست شعورًا عابرًا، بل حالة توازن يحتاجها الإنسان ليقوم بوظيفته في الحياة.
البعد المجتمعي هنا حاسم. فحين يُعاد تعريف القوة لتشمل الصدق مع الذات، وحين تُربّى الفتيات على أن مشاعرهن ليست عيبًا، وأن أصواتهن ليست خطرًا، يقل العبء الذي يحمله الجسد لاحقًا. التربية المتوازنة لا تخلق فوضى، بل تخلق إنسانًا يعرف متى يتكلم ومتى يصمت دون أن يُلغِي نفسه.
الحديث عن العلاقة بين الحلق والرحم، في هذا الإطار، هو حديث عن العدالة مع الجسد. عدالة لا تفصل بين القيم والصحة، ولا تضع الروح في مواجهة الجسد. بل ترى الإنسان ككلٍّ واحد، يتأثر بما يُقال له، وبما يُسمح له أن يقوله.
في النهاية، لا يثور الجسد، ولا يعاقب، ولا يخذل. هو فقط يحتفظ بما لم يُسمَح له أن يخرج. وحين نمنح الصوت مكانه، ونمنح المشاعر مشروعيتها، ونمنح الجسد حقه في الراحة، نقترب من معنى أعمق للصحة، ومعنى أصدق للقوة، ومعنى أكثر إنسانية للالتزام القيمي.



