رأي

د. راندة فخر الدين تكتب.. القِوامة كما لا يريدون مناقشتها

في كل مرة تُثار فيها مسألة القِوامة، لا يبدأ النقاش من السؤال عن العدالة، بل من التحذير من المساس بالمقدّس. وكأن مجرد التساؤل حول كيفية ممارسة القِوامة يُعدّ تهديدًا للقيم ذاتها. هذا الخلط المتعمّد بين المبادئ الأخلاقية وبين ممارسات بشرية قابلة للنقد هو ما حوّل القِوامة من مسؤولية إنسانية إلى منطقة محرّمة، يُدار حولها الصمت أكثر مما يُدار فيها الفهم.

ليست القِوامة في ذاتها هي المشكلة، بل ما فُعِل بها. فهذا المفهوم، الذي يفترض أن ينظّم العلاقة الأسرية على أساس تحمّل المسؤولية، جرى تفريغه من مضمونه الأخلاقي، ثم إعادة تعبئته اجتماعيًا بوصفه أداة وصاية وضبط. لم تعد القِوامة تُناقَش باعتبارها التزامًا، بل تُفرَض باعتبارها سلطة، ولم يعد السؤال: كيف تُمارَس بعدل؟ بل: كيف تُنتزع الطاعة باسمها؟

في معناها الإنساني، لا تعني القِوامة السيطرة ولا التفوق الفطري، بل تعني القيام على شؤون الآخر، أي تحمّل عبء الرعاية والالتزام والمساءلة. هي تكليف لا تفويض، ومسؤولية تُسأل لا امتياز يُحصَّن. غير أن القراءة الثقافية السائدة نزعت عنها هذا البعد، وحوّلتها إلى موقع قوة يُقاس فيه “القيام” بمدى القدرة على التوجيه والتدخل، لا بمدى الاستعداد لتحمّل التبعات.

الأخطر من هذا التحريف الاجتماعي هو تحويله إلى خطاب تخويف. إذ جرى في كثير من الأحيان تحصين ممارسات قهرية ضد أي مساءلة، وتقديم الاعتراض عليها بوصفه خروجًا عن القيم أو تهديدًا للاستقرار. وهكذا لم تعد القِوامة مفهومًا يُناقَش، بل أداة تُستخدم لإسكات الأسئلة وتجريم المراجعة.

في هذا السياق، لا يُطلب من المرأة القبول بالقِوامة لأنها عادلة، بل لأنها “غير قابلة للنقاش”. لا يُطلب منها الصمت اقتناعًا، بل خشية الوصم أو الاتهام أو تحميلها مسؤولية أي خلل اجتماعي. وهنا يتحوّل الخطاب القيمي من مساحة أخلاقية مفتوحة إلى أداة ضغط نفسي تُقيَّد بها حرية الاختيار.

هذا الاستخدام للخوف لا يحمي القيم، بل يفرغها من معناها. لأنه يخلط بين المبدأ الأخلاقي والاجتهاد البشري، ويمنح ممارسات متحيّزة حصانة لا تستحقها. فليس كل ما يُقدَّم بوصفه “ثابتًا” عادلًا، وليس كل سؤال تهديدًا، وليس كل اعتراض فوضى.

حين تُفرغ القِوامة من بعدها الأخلاقي، تتحوّل من علاقة رعاية إلى علاقة ضبط. ويصبح الرجل “قوّامًا” بقدر ما يُخضع، لا بقدر ما يتحمّل. وتُقاس الرجولة بمدى السيطرة، لا بمدى القدرة على الاحتواء. وهنا تُصادَر إنسانية المرأة تحت شعار الحماية، ويُعاد إنتاج الخوف باسم الاستقرار.

لكن الحقيقة التي لا ينبغي الالتفاف عليها هي أن المرأة لا تحتاج إلى وصاية. لا تحتاج إلى من يدير حياتها باسم الخوف عليها، ولا إلى من يختصر إنسانيتها في دور واحد. هي إنسان كامل الأهلية، قادرة على الاختيار، ومسؤولة عن قراراتها، وشريكة في العلاقة لا تابعًا فيها.

كما أن اختزال دور المرأة في المنزل والأسرة والأبناء ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل استمرار لنمط تفكير يرى المرأة وظيفة اجتماعية لا ذاتًا إنسانية. هذا الاختزال لا يخدم الأسرة، بل يُنتج علاقات غير متوازنة، ويُفقِد القِوامة معناها، ويحوّلها إلى أداة لإعادة إنتاج أدوار جامدة لا تعكس واقع المجتمعات الحديثة ولا طموحات الأفراد.

القِوامة، إن أُريد لها أن تكون مفهومًا قابلًا للدفاع عنه اليوم، فلا بد أن تُربَط صراحة بمبادئ لا تقبل الالتفاف: تجنّب العنف بكل أشكاله، احترام الحرية في تشكيل الحياة، ورفض الوصاية باسم القيم أو العرف. وأي ممارسة تتناقض مع هذه المبادئ لا يمكن تبريرها أخلاقيًا، مهما كانت شعاراتها.

السؤال الحقيقي ليس: هل القِوامة موجودة؟
بل: كيف تُمارَس؟ ولمصلحة من؟ وبأي ثمن إنساني؟
هل تُنتج أمانًا أم خوفًا؟ شراكة أم تبعية؟ كرامة أم صمتًا مفروضًا؟

الخاتمة:

القِوامة التي تُدار بالخوف لا علاقة لها بالمسؤولية، والخطاب الذي يحتاج إلى إسكات الأسئلة كي يصمد يكشف هشاشته أكثر مما يحمي قيمه. فحين يُمنَع النقاش باسم القداسة، وتُحوَّل المبادئ إلى خطوط حمراء، لا نكون أمام حماية للقيم، بل أمام محاولة لحماية الامتيازات من المساءلة.

إن أخطر ما في تشويه القِوامة ليس ظلم المرأة فحسب، بل تطبيع الخوف بوصفه قيمة أخلاقية. فالخوف لا يبني أسرة متماسكة، ولا يصنع علاقة سوية، ولا يُنتج مجتمعًا ناضجًا. وما يُنتَزع بالقهر لا يُسمّى طاعة، وما يُفرَض بالتهديد لا يُسمّى استقرارًا.

القِوامة التي تُصادِر الحرية، وتُبرِّر الوصاية، وتُجرِّم الاعتراض، ليست قِوامة، مهما تزيّنت بالمصطلحات الكبرى. وحين تُستخدم القيم لتكميم الأفواه، فإنها تفقد معناها الأخلاقي، وتتحوّل من إطار للعدل إلى أداة للضبط.

لقد آن الأوان لإعادة طرح السؤال الذي يخشاه كثيرون:
هل نريد قِوامة تحمي الإنسان… أم قِوامة تحمي السلطة؟
هل نريد منظومة قيم تُنضج الضمير… أم خطابًا يُدير الخوف؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست فكرية فقط، بل أخلاقية بامتياز، لأنها تحدد إن كنا سنواصل توريث الخوف باسم القيم، أم سنستعيد القيم لنحمي الإنسان أولًا.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى