رأي

د. إيمان بشير أبوكبدة تكتب.. الثقافة والصحة النفسية: توازن العقل والروح

قبل أيام، وجدتني غارقة في حالة من الاحتراق النفسي الكامل؛ ذاك النوع من الإرهاق الذي لا يداويه النوم، بل يزيد حدته. شعرتُ بأن عقلي يشبه متصفحًا قديمًا فُتحت فيه مئات النوافذ دفعة واحدة حتى تجمّد عن الحركة. في هذا العصر المتوحش بسرعته، حيث تلاحقنا إشعارات الهواتف كمطارق لا تهدأ، وصخب الأخبار ينهش سكينتنا، نكتشف فجأة أننا فقدنا القدرة على التنفس النفسي. وهنا، في قاع هذا الإجهاد، لم يمد لي يده سوى ذاك الملاذ القديم الذي نسيناه في زحمة الماديات: الثقافة.

دعونا نخرج من جلباب التعريفات الأكاديمية المملة؛ الثقافة ليست تراكم معلومات أو رصّ كتب على رفوف غبارية، هي في الحقيقة “فعل تمرد” ضد الانهيار. هي ذاك المصل المضاد للجنون الذي نحقن به أرواحنا لنبقى بشرًا في عالم يحاول تحويلنا لآلات منتجة لا تشعر.

عن الهروب الذي يبنينا

كثيرًا ما سخر البعض من فكرة الهروب عبر القراءة، واعتبروها نوعًا من الانفصال عن الواقع. لكنني أراها اليوم أسمى أشكال المقاومة. حين فتحتُ قبل سنوات صفحات رواية “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور، لم أكن أقرأ تاريخًا، كنتُ أرمم انكساراتي الشخصية عبر صمود أبطالها. وحين نغرق في خيالات “هاري بوتر” أو سوداوية سلسلة “بيرسيرك”، نحن لا نضيع وقتنا، بل نمنح عقولنا المنهكة “إجازة إجبارية” بعيدًا عن تقارير العمل وفواتير الحياة. القراءة هي الصديق الوحيد الذي لا يطالبك بشيء، بل يمنحك “المسافة الآمنة” لترى مشاكلك من أعلى، كأنها مجرد سطور في كتاب شخص آخر.

سيمفونية “الصراخ الصامت”

أما عن الموسيقى، فلنبتعد عن المثالية المفرطة. أحيانًا لا ينقذني “باخ” ولا “بيتهوفن”، بل تنقذني نغمة “عود” شرقي حزين تعيدني لجذوري، أو صوت “فيروز” في صباح شتوي يغسل غبار القلق عن قلبي. الموسيقى هي “المكنسة” التي تكنس فوضى المشاعر. وبالنسبة لي، الجلوس خلف البيانو لم يكن يومًا بهدف العزف الاحترافي، بل كان نوعًا من الصراخ الصامت؛ كل ضغطة على مفتاح هي تفريغ لشحنة غضب أو توتر لم أجد لها حنجرة لتقولها. هي لحظة سيطرة مستقطعة في عالم لا نسيطر فيه على شيء.

حين تتكلم الألوان والخشبة

الفن والمسرح ليسا ترفًا، بل هما علاج بالصدمة. هل جربتم يومًا أن تمسكوا بريشة وتغمسوها في ألوان صارخة لترسموا شخبطات غير مفهومة على الزجاج؟ هناك حرية مرعبة ولذيذة في أن تبدع شيئًا غير كامل في عالم يطالبك دائمًا بالكمال. وحين نحضر عرضًا مسرحيًا في زقاق قديم أو قاعة محلية، نحن لا نشاهد ممثلين، بل نرى شظايا من أرواحنا على الخشبة. الضحك الجماعي في المسرح، أو البكاء الصادق في لقطة سينمائية، هو عملية تطهير نفسية تجعلنا نعود لبيوتنا أخف وزنًا وأكثر قدرة على الاحتمال.

الملاذ الجماعي: نحن لسنا مجانين وحدنا!

أخطر ما يفعله القلق بنا هو العزل. يوهمنا بأننا وحدنا من نعاني. وهنا تأتي قوة المهرجانات والمعارض؛ فحين نوجَد في “معرض طرابلس الدولي للكتاب”، أو نحضر أمسية شعرية في مقهى بسيط، نكتشف فجأة أن هناك مجانين غيرنا يطاردون نفس الأحلام، ويخافون من نفس الوحوش النفسية. هذا الانتماء هو حجر الزاوية في توازننا. المشاركة في رسم جدارية بالحي أو تنظيم معرض تصوير متواضع تخلق روابط إنسانية لا تستطيع تطبيقات التواصل الاجتماعي منحنا إياها مهما حاولت.

النافذة الرقمية.. الرحمة في زمن التقنية

ورغم كل مساوئ التكنولوجيا، فإنها منحتنا ثقافة ديمقراطية. تطبيقات القراءة وقنوات تعليم العزف على “اليوتيوب” حولت غرفنا الضيقة إلى معامل للإبداع. إن تعلم “فن الأوريغامي” أو متابعة وثائقي عن النجوم قد يكون أحيانًا أكثر جدوى من مائة جلسة استشارية نفسية، لأنه يعيد لنا شعور الدهشة الذي سرقه منا الروتين.

فالثقافة ليست برستيجًا اجتماعيًا، بل هي بيتك السري الذي لا يملك مفتاحه أحد غيرك. ابحث عن تلك الرعشة التي تصيب قلبك حين تقرأ بيتًا من الشعر أو تشاهد لوحة غامضة. استثمر في جمال عقلك، ففي النهاية، حين ينهار كل شيء من حولنا، لن يبقى لنا سوى تلك المساحات الخضراء التي زرعناها في أرواحنا عبر الكلمة والنغمة واللون.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى