رأي

د. أحمد عبد العزيز بكير  يكتب.. حميدتي إلى نيالا- دارفور.. حكومتين في بلد واحد التقسيم الثاني للسودان بات وشيكاً

بينما يُكمل السودان عامه الثاني في حربٍ أهلية طاحنة، تتصاعد التطورات السياسية والعسكرية بشكلٍ يهدد بتمزيق البلاد وتفكيكها، فخلال الأشهر الثلاثة الماضية (مايو – يوليو 2025)، شهد السودان أحداثًا خطيرة لم تنل التغطية الكافية، من إعلان حكومة موازية إلى تصاعد المعارك في دارفور، وانهيار كامل للخدمات الأساسية.

ففي 26 يوليو 2025، أعلن تحالف ما يسمي “السودان التأسيسي” بقيادة قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية في مدينة نيالا بدارفور، وسط رفضٍ تام من الحكومة المعترف بها دوليًا في بورتسودان. المجلس الرئاسي الجديد يترأسه محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بينما أُختير محمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء. الائتلاف وصف الحكومة بـ”حكومة السلام” وهدفت إلى إقامة “سودان علماني لا مركزي”، لكن الحكومة في بورتسودان ورئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان وصفوها بـ”الوهمية” واتهموا الدعم السريع بـ”التلاعب بمعاناة الشعب السوداني “.

اقرأ أيضا: الشرفاء الحمادي: الرسول بعث لينير دروب الإنسانية.. وضياع جوهر الدين في المذهبية والطائفية.. أطروحة جديدة

هذا الإعلان زاد من تعقيد الأزمة، حيث أصبح للسودان حكومتان: واحدة في الشرق (بقيادة الجيش) وأخرى في الغرب (بقيادة الدعم السريع). وبينما يُكمِل النزاع المسلح في السودان عامه الثاني، يصر كلا الطرفين على مواصلة القتال حتي تحقيق النصر.

حيث أكد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان وقائد الجيش أن طريق السلام يظل مفتوحا بشرط أن تضع قوات الدعم السريع السلاح وتنضم إلي صفوف الشعب، وإلا فإن الجيش السوداني لن يتراجع عن هزيمة وسحق حميدتي وقواته. فيما تعهد قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في بمواصلة القتال، وأكد أن الحرب ما زالت في بدايتها ولم تنته بعد.

لكن، كيف يؤثر الإعلان عن حكومة موازية في أزمة السودان ومستقبله؟

مع أزمة النزوح الأضخم في العالم التي تعيشها السودان منذ عامين، والتي أجبرت أكثر من 11 مليون سوداني علي النزوح والفرار من ديارهم، ومنهم منهم ما يقرب من ثلاث ملايين شخص عبروا الحدود إلى دول الجوار وأقربهم مصر الشقيقة، وما لبث السودان أن تهدأ فيه غبار المعارك وينعم بشيء من الاستقرار، إذا بالأزمات تطُلُ برأسها مرة أخري بين طرفي الصراع، وبطل أزمة المرحلة هو “حميدتي” الذي أعلن مؤخراً عن تشكيل حكومة نيالا، محدثاً نقلة نوعية جديدة من التمرد علي الحكومة الشرعية في بورتسودان، ضارباً عرض حائط الدولة المركزية ومفهومها، وبذلك يفقد السودان وحدة قراره السياسي، حيث أصبحت كل حكومة تصدر قوانين وتتعامل مع مؤسسات دولية بشكل منفصل (مثال: تعيين سفراء ومبعوثين متنافسين). علاوة على تقويض أي فرص لمفاوضات سلام حقيقية، لأن كل طرف يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد ولا يعترف بالآخر.

حتى الآن، لم تعترف أي دولة بالحكومة الموازية، لكن الدعم السريع الذي بدا أكثر نشاطاً يحاول كسب دعم إقليمي عبر التنسيق مع روسيا (التي لها مصالح في ذهب ويورانيوم دارفور)، والضغط على تشاد وإفريقيا الوسطى مصدر قوات “جنجاويد” حميدتي لفتح قنوات اتصال. في المقابل، تحاول حكومة البرهان عزل نيالا عبر منع وصول المساعدات الدولية إلى مناطق سيطرة الدعم السريع.

وعن التداعيات الأمنية، فمن المؤسف القول بأن الحرب لم تعد صراعاً علي السلطة، بل أصبحت معركة للبقاء وحشر السودان الجريح بين مشروعين الأول: وهو مشروع الجيش ( الذي يتحتم الوقوف إلي جواره) لحفظ كيان ما تبقي من مركزية السودان الشقيق، وأما الثاني: فمشروع الدعم السريع، حيث  سودان لا مركزي  يتطور  علي الأرجح إلى كونفدرالية أو تقسيم ثانِ لأقاليم السودان وهو الهدف الاسمي الذي تسعي له القوي الغربية لأكثر من مائة عام وليس وليد اليوم. ما سبق يجعل فرص وقف إطلاق النار ضعيفة، خاصة مع سعي الطرفين للسيطرة على موارد حيوية (موانئ البحر الأحمر، مناجم الذهب)، كما يعمل لاحقاً علي بروز كيانات كانت في الماضي تنادي بالانفصال لأكثر من ثلاثة عقود مثل حركة الزعيم الأسمر عبد الواحد محمد نور الذي تنحدر أصوله من قبيلة الزغاوة بدارفور، والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو الذي تم تعيينه مؤخراً نائباً أول لرئيس المجلس الرئاسي في الحكومة الموازية. تلك الكيانات ستعمل بكل تأكيد على عزل غرب السودان عن شرقه مع إلغاء سريان قوانين الدولة المركزية، ما يُشبِه وينُنذِر بأحداث ما قبل انفصال جنوب السودان عام 2011. وعلي صعيد  الأزمة الإنسانية التي تواجهها السودان، فذلك مصاب عظيم من جراء أزمة إنسانية  وجرائم إنسانية بحق المدنيين، فوفقاً للتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة يواجه 26 مليون سوداني انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع انتشار أمراض مثل الكوليرا والملاريا بسبب انهيار النظام الصحي والدعم اللوجيستي وخدمات الاتصالات، فيما لم تتوفر مياه صالحة للشرب في معظم أقاليم السودان بسبب النزاع المحتدم  بين الجيش والدعم السريع.

ومن أهم تداعيات مأساة تلك الأزمة هي التداعيات الاقتصادية، فحكومة الفريق البرهان تتحكم في عائدات صادرات موانئ الشرق وأهمها الذهب والمنتجات والمحاصيل الزراعية، فيما الغرب  ( وهو الأغني علي الإطلاق بالنفط والغاز واليورانيوم والذهب ) أصبح تحت تحكم وسيطرة الدعم السريع، الذي يقوم ببيع ذهبه وتهريب مواده المشعة التي تستخدم في تكنولوجيا المفاعلات النووية عبر تشاد وليبيا إلي دول الغرب ومستثمري الذهب، والنتيجة تضخم اقتصادي جامح لا حدود له وصل حوالي 500%، ما أدي إلي انهيار الجنيه السوداني لمعدلات غير مسبوقة في تاريخ السودان. فيما التداعيات الاجتماعية وانقسامات الهوية الوطنية أصبحت علي غير المعهود سودانياً. ففي مناطق الجيش تصاعد الخطاب القومي العربي الناصري ممزوجاً بخطاباً إسلامياً تبنته تلك المناطق بحكم غالبيتها المسملة. بالمقابل، ففي مناطق الدعم السريع ترسخت هوية دارفورية  قبلية إثنية إفريقية معادية للخرطوم وأكثر عرقية لهويتها الإفريقية، إذ لا تعتبر نفسها عرقاً عربياً بالأساس.

أتوقع عدة سيناريوهات وشيكة ستؤول السودان لأيٍ منها بالنهاية

– إما انفصال دارفور وكردفان تحت ضغوط دولية وهذا  الإحتمال  هو الأقرب .

  • وأما استمرار الصراع لعقد آخر مع حكومات متعددة بتوجهات مختلفة بناءاً علي الأحداث والتجاذبات في الشارع االسوداني.
  • أو سيطرة طرف واحد بالقوة (مثل سيناريو الأسد في سوريا) بدعم خارجي بحت كما حدث مع الجولاني.
  • والأقل احتمالاً، إنشاء وصاية أممية علي غرار ما حدث في كوسوفو منذ ثلاث عقود.

ختاماً: الإعلان عن الحكومة الموازية جعل السودان أمام حقيقتين مريرتين: الأولي: الوحدة مستحيلة بدون حرب شاملة تُنهي أحد الطرفين.

والثانية: التقسيم قد يكون أقل ضررًا من الحرب الدائمة، لكنه سيفتح باباً لتفتيت باقي الأقاليم، وخصوصاً شرق السودان بعد انفصال غربه.

السودان لم يعد دولة تنازع عليها طرفان، بل أصبح ساحة لصراع هويات متعددة ترفض العيش معًا، والمَخرج الوحيد هو وقف إطلاق نار فوري تحت رقابة أممية صارمة، وعقد مؤتمر وطني شامل يضم كل الأقاليم ، مع ضرورة مساندة الجيش السوداني ممثلاً في المجلس السيادي الانتقالي  إذا أُريد للسودان الحبيب الخروج بسلام من تلك الأزمة.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى