صبري الديب يكتب.. تحيا “ثقافة الباذنجان”

يروي التاريخ، أنه كان للأمير “بشير الثاني الشهابي” حاكم جبال لبنان في القرن الثامن الميلادي، خادم مطيع خفيف الظل، مبدع في النفاق والتملق – مثلما الملايين في زماننا هذا – يدعى “مسرور”.
ووصل فرط نفاق الخادم، أن “الشهابي” بات لا يستغنى عنه، ويصطحبه إلى كل مكان يذهب إليه، بل ويستشيره في كثير من أموره الحياتية.
وفي يوم من الأيام قال الشهابي لخادمة: يا مسرور، تميل نفسي إلى أكلة من “الباذنجان” الساخن.. فردّ مسرور: “الباذنجان، بارك الله في الباذنجان يا مولاي، فهو سيد المأكولات، شحم بلا لحم، وسمك بلا حسك، وﺩﺟﺎﺝٌ ﺑﻼ اعوجاج، ﻳﺆﻛﻞ ﻣﻘﻠﻴﺎً ﻭﻣﺸﻮﻳﺎً، ﻧﻴﺌﺎً ﻭﻃﺎﺯﺟﺎً، ﺑﺎﺭﺩﺍً ﻭﺳﺎﺧناً، أو ﻣﺪﺧﻨﺎً.. إن الباذنجان يا سيدي هو أفضل المآكل وأرفعها قدراً، فان أكلته متبلاً بقي طعمه تحت لسانك، وإن أكلته مقلياً أكلت أصابعك معه، وإن أكلته مكبوساً فهو أشهى المكابيس، وإن أكلته محشياً فهو شيخ المحاشي”.
اقرأ أيضا: صبري الديب يكتب.. “قصر شامبليون” ينهار يا حكومة
حديث الخادم فتح شهية الشهابي وجعل نفسه تتوق شوقاً إلى الباذنجان.. وأمره أن يُخبر الطهاة على الفور، بإعداد وجبة كبيرة منه على مائدة الغداء.
وبالفعل جلس الأمير على المائدة وأخذ يتناول الباذنجان بمتعة ونهم شديد، غير أنه بعد ساعات قليلة، شعر بانتفاخ وألم شديد في بطنه، فأمر باستدعاء مسرور سريعاً، وقال له متألماً: “ما هذا الباذنجان اللعين يا فتى؟ فأنا أشعر بانتفاخ في بطني ووجع في رأسي، ومنذ أكلته نالني كَرْب شديد”.
فقال له مسرور: “الباذنجان.. لعنة الله على الباذنجان يا سيدي.. ﻓﺈﻧﻪ ﺛﻘﻴﻞ،ٌ ﻏﻠﻴﻆٌ، ﻧﻔّﺎﺥ، ﺣﻠﻮه ﻣُﺮ، ﻭﻣُﺮه ﻋﻠﻘﻢ، ساخنة ﻣُﻨﻔّﺮ، باردة ﻣُﻘﺰّﺯ، إنه يا سيدي رديء الطعم، وإن أكلته متبلاً انتفخ بطنك، وإن أكلته مقلياً تضخم مصرانك، وإن أكلته مكبوساً أغشي نظرك، وإن أكلته محشواً جلب لك الكوابيس والأحلام المزعجة”.
فتعجب الشهابي من أمر الخادم، ونظر له في غيظ قائلًا: “ويحك يا فتى، أتمدح الشيء وتذمُّه في وقت واحد؟”.
فرد مسرور متبسماً: “العفو يا مولاي، فأنا خادم الأمير لا خادم الباذنجان، فإذا قال الأمير نعم قلت نعم، وإذا قال الأمير لا قلت لا”.
ورغم مرور مئات السنين على رحيل الشهابي، إلا أن الواقع على الأرض يقول إنه لا يزال يعيش بيننا مليون “مسرور” ويزيد، جميعهم يتقنون “ثقافة الباذنجان” والنفاق وتملق القيادة – أي قيادة – فإذا ما قال “نعم” هللوا وقالوا “نعم”، وإذا ما قال “لا” انتفضوا وقالوا “لا”، حتى وإن كانت الـ “نعم أو الـ “لا” على غير حق أو تتعارض والصالح العام.
ولا أبالغ في القول، إن “كتلة الباذنجان” دائماً طاردة للمواهب والمبدعين وأصحاب الكفاءات، ولا تستقطب سوى الأغبياء، وأنصاف ومعدومي المواهب، الذين لا يعنيهم سوى مصالحهم، ولا يمتلكون من أمرهم سوى النفاق والتهليل والتطبيل لسياسات ولي النعم، وإن كانت خاطئة وعلى باطل.
غير أن الواقع للأسف يقول أيضاً، إن أصحاب “ثقافة الباذنجان” دائماً ما يربحون ويتصدرون المشهد، ويحصلون على أعلى المناصب وكل الامتيازات، لأن القيادة في الغالب لا ترى سوى نفاقهم ولا تسمع سوى تملقهم، وتفضّل الاستعانة بهم كأهل للثقة، وفرض “مسرور” وزيراً وقائداً ومديراً على حساب أهل الكفاءة.
أدام الله علينا “ثقافة الباذنجان” وكل “مسرور” يصفق ويهلل ويجني الامتيازات، وينهض بالقطاعات، وليذهب أصحاب الكفاءات والموهوبين والمبدعين إلى الجحيم.. وكفى.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



