أحمد إبراهيم الشحات يكتب: النظام الضريبي الجديد… بناء الثقة بين المواطن والمصلحة

عندما أعلنت مصلحة الضرائب المصرية عن الحزمة الضريبية الجديدة، برز شعور عام بالتفاؤل والحذر في آنٍ واحد. فالمواطن المصري ظل لسنوات ينظر إلى المنظومة الضريبية بوصفها عبئًا إداريًا، ومصدرًا للتعقيد أكثر من كونها أداة لتنظيم الاقتصاد أو تعزيز التنمية. كثيرون لا يعارضون دفع الضرائب من حيث المبدأ، لكنهم يتوجسون من الدخول في إجراءات معقدة، ومن غياب الوضوح، ومن احتمال الوقوع في أخطاء لا تُغتفر، حتى إن لم تكن مقصودة.
اقرأ أيضا: د. محمد يحيى غيدة يكتب.. مصر ليست فقط بلدًا.. بل فكرة وملاذ وأمل

النظام الجديد الذي أُعلن عنه يتضمن عدة إجراءات جاذبة، أبرزها فرض نسبة ضريبية لا تتجاوز 1.5 % من إجمالي الدخل، مع إعفاء الممول من المطالبات السابقة، وتأجيل الفحص الضريبي لمدة خمس سنوات. هذه المبادئ، إذا طُبّقت فعليًا، فقد تكون مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومصلحة الضرائب، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، وسعي الدولة لدمج الاقتصاد غير الرسمي ضمن المنظومة الرسمية.
ما يميز هذا الطرح الجديد أنه لا يقتصر فقط على تحصيل الضريبة؛ بل يحاول إصلاح العلاقة النفسية والقانونية بين الدولة والممول. فقد جرى العُرف طويلًا على أن العلاقة بين الطرفين تتسم بالتوجس، وتغيب عنها مفاهيم الشراكة والتعاون. وهذا تحديدًا ما تحاول الحزمة الضريبية الجديدة أن تغيره، بإرسال رسالة مباشرة: “لسنا خصومًا؛ بل شركاء في التنمية.”
دمج الاقتصاد غير الرسمي يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الدولة المصرية. فوفقًا لتقديرات بعض المؤسسات الاقتصادية، يشكّل هذا القطاع نسبة كبيرة من الناتج المحلي، ويضم ملايين المواطنين الذين يعملون خارج المظلة الضريبية والرقابية. وقد فشلت محاولات سابقة في إدماج هذا القطاع، بسبب الإجراءات المعقدة، أو ضعف الحوافز، أو غياب ثقة المواطن في أن الدولة ستعامله بإنصاف. لذلك، فإن أي خطوة جديدة يجب أن تُبنى على العدالة والشفافية والتيسير.
من حيث الأثر، فإن نظامًا ضريبيًا مبسطًا، مشفوعًا بإعفاءات وتطمينات قانونية، من شأنه أن يُحفز آلاف الأنشطة الصغيرة والمتوسطة على التسجيل، وهو ما يُوسّع القاعدة الضريبية دون أن يزيد العبء على الممولين القائمين. فالهدف ليس رفع الحصيلة على حساب الاستقرار؛ بل زيادة المشاركة بما يحقق عدالة اجتماعية وتنمية اقتصادية.
إلى جانب ذلك، هناك نقاط إيجابية أُعلنت تتعلق بتسوية المنازعات الضريبية دون الحاجة إلى فحص طويل، أو إجراءات معقدة. هذه الخطوة مهمة للغاية، لأنها تفتح الباب لحل ملفات قديمة عالقة، وتمنح الممول شعورًا بأن هناك أفقًا للتسوية، لا مجرد تراكم للغرامات أو التقديرات الجزافية. إن مئات الآلاف من الحالات التي تشكو من مشكلات ضريبية متراكمة، ستشعر بأن لديها أخيرًا فرصة لحل مشكلاتها بشكل عادل وسريع.
لكن رغم أهمية هذه الإصلاحات، فإن التحدي الأكبر لا يزال في التطبيق. فالقوانين وحدها لا تكفي، مهما كانت نصوصها جيدة. ما نحتاجه هو كوادر بشرية مؤهلة، تتفهم فلسفة التيسير، وتعمل على خدمة المواطن، لا تعقيده أو محاصرته. كما أن تفعيل المنظومة الرقمية وتوسيع استخدامها باتا أمرين ضروريين؛ ليس فقط لتحسين الكفاءة، بل لتقليل الاحتكاك المباشر، وتجنب مظاهر الفساد الإداري التي قد تُفسد النية الطيبة للإصلاح.
ولا بد من التأكيد على أهمية الرقابة والمتابعة المستقلة لمدى الالتزام بتطبيق ما أُعلن. فغياب المتابعة، أو عدم وجود قنوات استماع فعالة لشكاوى الممولين، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويُفقد النظام الجديد مصداقيته. من هنا، فإن إنشاء لجان مستقلة لتقييم الأداء، وتفعيل آليات الشكاوى والرد عليها، ينبغي أن يكون جزءًا من منظومة الإصلاح.
أمر آخر لا يقل أهمية هو ضرورة الحوار المجتمعي المستمر بشأن هذه الإصلاحات. فالممولون ليسوا كتلة واحدة؛ بل فئات متنوعة باحتياجات وأوضاع مختلفة. والتشاور مع الغرف التجارية، واتحادات الصناعات، وجمعيات رجال الأعمال، وممثلي المهن الحرة، سيسهم في بلورة نظام أكثر واقعية وفاعلية، ويمنح الممولين إحساسًا بأنهم ليسوا فقط متلقين للقرارات، بل شركاء في صياغتها.
في النهاية، إن النظام الضريبي الجديد يُعدّ خطوة جادة على طريق بناء علاقة قائمة على الثقة بين الدولة والمواطن. علاقة لا يحكمها الخوف أو الشك؛ بل التعاون والوضوح. وإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس، فإن ذلك لن يعزز فقط الحصيلة الضريبية؛ بل سيسهم في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني على أسس أكثر عدالة وكفاءة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



