أبو الفضل الإسناوي من اندونسيا : التطرف يبدأ من فكرة.. والمعركة الحقيقية مع الوعي لا السلاح
- حروب الجيل الرابع تهدد العقول .. علي الشرفاء يطرح مشروع فكري يعيد صياغة الخطاب الديني من جذوره

أكد الدكتور أبو الفضل الإسناوي مدير مركز رع للدراسات والأبحاث وعضو مؤسسة رسالة السلام العالمية أن العالم يشهد في المرحلة الراهنة تحولات جيوستراتيجية عميقة انعكست بشكل مباشر على العلاقات الدولية وعلى استقرار العديد من المجتمعات، مشيرًا إلى أن هذه التحولات لم تعد مجرد تغيرات سياسية تقليدية، بل أصبحت تمتد إلى بنية العلاقات بين الشعوب والدول، وتؤثر في الأمن الفكري والاجتماعي بشكل متزايد.
جاء ذلك خلال كلمته التي ألقاها خلال جلسة ” تصويب الخطاب الديني .. الرؤية القرآنية ومخاطر التطرف ودور المؤسسات ” والتي انعقدت علي ضمن جلسات ندوة ” رسالة السلام من القرآن الي العالم ” المنعقدة في إندونيسيا والتي تنظمها مؤسسة الفتح بالاشتراك مع موسسة رسالة السلام العالمية .
وأوضح الدكتور الأسناوي أن ما يُعرف في الدراسات السياسية بـ”حروب الجيل الرابع” يمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول، حيث لم تعد الصراعات تعتمد على القوة العسكرية المباشرة فقط، وإنما باتت تركز على التأثير في المجتمعات من الداخل، عبر استغلال الفضاء الإعلامي والاجتماعي، ومحاولة توجيه الوعي العام، وهو ما استغلته بعض التنظيمات المتطرفة التي تنسب نفسها إلى الدين الإسلامي زورًا وبهتانًا، على حد وصفه، من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بزعزعة الاستقرار داخل الدول.
وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط شهدت خلال السنوات التي أعقبت عام 2011 موجات متتالية من عدم الاستقرار في عدد من الدول، من بينها جمهورية مصر العربية، وتونس، وليبيا، وجمهورية السودان، لافتًا إلى أن هذه المرحلة ارتبطت بانتشار واسع للتنظيمات الإرهابية التي سعت إلى إضعاف مؤسسات الدولة والسيطرة على مقدراتها. وأضاف أن بعض الدول تمكنت من استعادة قدر من الاستقرار نتيجة تبني استراتيجيات واضحة في مواجهة التطرف، مشيدًا في هذا السياق بدور المؤسسات الدينية الوسطية في التصدي للفكر المتشدد، وعلى رأسها المؤسسات الدينية العريقة.
وأشار الأسناوي إلى الدور الفكري الذي يقدمه المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، موضحًا أن رؤيته تقوم على إعادة قراءة الخطاب الديني في ضوء مقاصده الكبرى، باعتباره خطابًا إنسانيًا في جوهره يقوم على قيم الرحمة والعدل والتعايش، وليس نصًا جامدًا مغلقًا على تأويل واحد وأضاف أن هذا التصور الفكري يسعى إلى تحرير الفهم الديني من القراءات المتشددة أو التوظيفات الأيديولوجية التي استغلت النصوص الدينية في غير سياقها، مؤكدًا أن مؤسسة رسالة السلام العالمية تعمل ضمن هذا الإطار على تعزيز خطاب ديني وسطي منفتح، يربط بين النص الديني ومتطلبات الواقع المعاصر، ويدعم جهود ترسيخ ثقافة السلام ونبذ العنف والتطرف على المستويين الفكري والمجتمعي .
وفي سياق متصل، تناول الدكتور الأسناوي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تشكيل الوعي الديني، موضحًا أن هناك تحولًا جذريًا في مصادر المعرفة الدينية، حيث انتقل المتلقي من نموذج العلاقة التقليدية بين العالم والمتعلم إلى فضاء مفتوح متعدد المصادر، لا يخضع في كثير من الأحيان للضبط العلمي أو المؤسسي. وأكد أن هذا التحول أتاح المجال لانتشار محتوى ديني غير منضبط، وأسهم في تشويش المفاهيم الدينية لدى بعض فئات الشباب.
وشدد على أن تصويب الخطاب الديني أصبح ضرورة ملحة وليس خيارًا، نظرًا لما يشهده العالم من تحديات فكرية وثقافية وأمنية، مؤكدًا أن الخطاب الديني يجب أن يرتبط بواقع العصر وألا يظل أسير القراءات الجامدة للنصوص. وبيّن أن جوهر الرسالة الدينية يقوم على قيم الرحمة والعدل والسلام والتعايش الإنساني، وأن أي تفسير للنصوص الدينية يجب أن ينطلق من هذه المقاصد الكبرى.
كما حذر من خطورة احتكار تفسير النصوص الدينية من قبل أفراد أو جماعات غير مؤهلة علميًا، موضحًا أن هذا الأمر أدى في كثير من الحالات إلى انحراف في الخطاب الديني، وإلى استغلال الدين في تحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية. وأشار إلى أن بعض التنظيمات المتطرفة استخدمت هذا النهج في تجنيد الشباب، مستغلة ضعف المعرفة الدينية لديهم، وانتشار الفتاوى غير المنضبطة عبر الفضاء الإلكتروني.
وأكد أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمع المدني، من خلال تطوير المناهج التعليمية الدينية، وتدريب الأئمة والدعاة، وتقديم خطاب ديني علمي رصين، إضافة إلى ضرورة وجود حضور فاعل في الفضاء الرقمي لمواجهة الخطابات المتطرفة بنفس أدواتها الحديثة.
وفي ختام المحاضرة، شدد الدكتور أبو الفضل الأسناوي على أن تصويب الخطاب الديني يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والعنف، داعيًا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الفكرية والدينية على المستويين المحلي والدولي، من أجل ترسيخ ثقافة السلام والتعايش، ودعم الاستقرار في المجتمعات المختلفة، مؤكدًا أن الرسالة الدينية في جوهرها رسالة بناء وليست هدم، ورسالة حياة وليست صراع .
ترأس الوفد الرسمي لموسسة رسالة السلام العالمية الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة وعددًا من الشخصيات الأكاديمية والإعلامية البارزة، من بينهم الدكتور عبد الراضي رضوان نائب رئيس مجلس الأمناء بالقاهرة وعميد كلية دار العلوم الأسبق، والدكتور رضا عبد السلام مستشار المؤسسة ومحافظ الشرقية الأسبق وعضو مجلس النواب، إلى جانب الكاتب الصحفي خالد العوامي نائب رئيس مجلس الأمناء لشئون الصحافة والإعلام ومدير تحرير بوابة أخبار اليوم، والدكتور أبو الفضل الإسناوي رئيس مركز رع للدراسات والأبحاث وعضو المؤسسة، فضلًا عن الكاتب والباحث محمد الشنتناوي، والدكتور تامر سعد خضر .



