اقتصاديةدراسات

رامي زهدي يكتب.. قراءة في نتائج القمة الألمانية لمجموعة العشرين وإفريقيا

الكاتب خبير الشؤون الإفريقية- مدير وحدة الدراسات الإفريقية بمركز العرب للأبحاث والدراسات

الشراكة الأوروبية الإفريقية العادلة.. طريق ممهد نحو فرص معززة لتعاون إيجابي

دور مرجح لدول مجموعة العشرين لدعم فرص النمو والاستثمار المتسارع في القارة الإفريقية

هل يتحول الاهتمام الدولي المتجدد بالقارة الإفريقية إلى واقع مفيد ومنصف للقارة

القارة الإفريقية تمتلك مفاتيح إنتاج الطاقة المتجددة في العالم

نتائج قمة إفريقية مع مجموعة العشرين بهدف الاهتمام بنمو القارة المتسارع

بحضور زعماء أكثر من 12 دولة إفريقية بألمانيا للمشاركة في مؤتمر حول إفريقيا تقوده مجموعة العشرين بهدف المساعدة في تعزيز الاستثمار الخاص في القارة سريعة النمو، أملا في الوصول لصيغ تعاون أكثر وضوحا واتصالا بجهود الدول الإفريقية للنهوض الاقتصادي المنشود ومواجهة أزمات اقتصادية عنيفة قد تعصف بخطوات التنمية والإصلاح الاقتصادي والسياسي في عدد غير قليل من دول القارة لو لم يتنبه العالم لأن أزمات ومشكلات القارة الإفريقية جزء من أزمات ومشكلات العالم الذي لم يعد يقوي على مواجهة مزيد من الانهيار والتصدع في نظام عالمي لم يعد في مقدوره الصمود أمام صعود قوى عالمية مؤثرة وتحديات اقتصادية وجيوسياسية هائلة.

وبالتوازي مع حضور إفريقي مؤثر، حضرت فاعليات القمة التي عقدت خلال شهر نوفمبر من العام الحالي، رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته بالإضافة إلى المستشار الألماني أولاف شولتس الذي استضافت بلاده القمة.

وعقد شولتس، الذي زار إفريقيا عدة مرات منذ توليه منصبه في أواخر عام 2021، محادثات ثنائية مع عدد من زعماء الدول الإفريقية، قبل أن تبدأ أعمال القمة وفق أجندة محددة بدقة مسبقاً.

وفي ظل روح أكثر إيجابية هذه المرة أكثر من مرات سابقة، بدا أن بعض القوى الأوروبية تعي الآن دروسا عديدة حدثت في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تنافس محموم على الظهور والتأثير في القارة الإفريقية وفي كافة القطاعات الاقتصادية والإستراتيجية، وإن ظلت فرص دخول القارة الإفريقية كمزود رئيس مرجح للقارة الأوروبية للطاقة سواء طاقة تقليدية ممثلة في النفط والغاز والغاز المسال أو طاقات متجددة، وخصوصا الهيدروجين الأخضر، مما يمكن أن يساعد أوروبا على التحول إلى اقتصاد محايد كربونيا، كما يعد استقرار القارة وازدهارها أيضا عنصرا أساسيا في الحد من الهجرة غير الشرعية، والجريمة والإرهاب ولاسيما أن ظواهر الهجرة غير الشرعية والجريمة عابرة القارات والإرهاب قد عادت من جديد بعد أن كانت تراجعت في السنوات الأخيرة، وربما يعزى ذلك بشكل أساسي لتردي الأوضاع الاقتصادية في القارة واحتدام الصراعات والحروب في نطاقات جغرافية متعددة في القارة الإفريقية، وكذلك الظلم المتنامي الذي تشعر به الشعوب الإفريقية فيما يتعلق بتعاطي القوى الدولية مع مشكلات القارة الإفريقية.

أقيم الحدث رسميا يوم الاثنين 20 نوفمبر، في مقر المستشارية الألمانية، وسبقه مؤتمر صحفي مع قادة الاتحاد الإفريقي الذي أصبح في سبتمبر عضوا دائما في مجموعة العشرين.

ويري محللون عدة أن إفريقيا يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في مساعدة ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي على تنويع سلاسل التوريد الخاصة بهم بشكل أفضل وتأمين العمالة الماهرة والحد من الهجرة غير الشرعية وتحقيق التحول الأخضر.

وفي شأن علاقات ألمانيا بالقارة الإفريقية يشار إلى أن حجم التجارة الألمانية مع إفريقيا تجاوز 60 مليار يورو (65.4 مليار دولار) العام الماضي، وهو جزء صغير من تجارتها مع آسيا، لكنه ارتفع بنسبة 21.7 بالمئة عن عام 2021.

 

وقد تبنت ألمانيا مبادرة تنموية لصالح بعض دول القارة، حيث كانت الدول الإفريقية الأعضاء في المبادرة، التي تم تدشينها في 2017 خلال رئاسة ألمانيا لمجموعة العشرين، هي المغرب وتونس ومصر والسنغال وغينيا وساحل العاج وغانا وتوجو وبنين وبوركينا فاسو ورواندا وجمهورية الكونجو الديمقراطية وإثيوبيا، وكانت هذه المبادرة تهدف إلى دعم التعاون الاقتصادي بين إفريقيا ودول مجموعة العشرين، من خلال مشروعات مشتركة تساهم في الإسراع إلى وتيرة النمو في القارة السمراء، والمبادرة أطلقتها ألمانيا الاتحادية عام 2017، خلال رئاستها لمجموعة العشرين بهدف دعم التنمية في البلدان الإفريقية، وجذب الاستثمارات إليها، ويشار إلى أن الاتحاد الإفريقي حصل على “العضوية الدائمة” في مجموعة العشرين، وذلك خلال أعمال قمة المجموعة في نيودلهي سبتمبر 2023.

المشاركة المصرية وجدول الأعمال المتوقع

وعلى صعيد المشاركة المصرية في القمة، شاركت وزيرة التعاون الدولي الدكتور رانيا المشاط، كممثلة عن مصر في القمة، من خلال جدول أعمال متخم بالتفاصيل، عقدت قمة الاستثمار لمجموعة العشرين، التي استضافتها مبادرة الأعمال الألمانية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث اجتمع فيها ممثلون ألمان وأفارقة رفيعو المستوى من مجتمع الأعمال وعالم السياسة لمناقشة كيفية تكثيف العلاقات الاقتصادية المتبادلة بشكل عام، بالإضافة إلى المشاريع المشتركة الملموسة، ثم مؤتمر “التعاون مع إفريقيا”، لمناقشة فرص تعزيز الاستثمار الخاص، والتعاون في مجال إمدادات الطاقة المستدامة، فيما استضاف الرئيس الألماني فرانك شتاينماير، رؤساء الدول وممثلي الحكومات الإفريقية المشاركة في القمة في قصر الرئاسة بلفيو، وعقدت جلسة تشاور بين وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر، لتبادل جهات النظر خلال مأدبة غداء مع زملائه من البلدان المدعوة، بالإضافة إلى تحسين الظروف الأساسية لزيادة الاستثمار الخاص وتعبئة الموارد المحلية، كذلك تم تناول قضايا الديون، وخاصة تعزيز الإطار المشترك لمجموعة العشرين.

والتقت الوزيرة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية، سفينيا شولز بـ 40 من رواد الأعمال الشباب من 16 دولة إفريقية في مؤتمر “تشكيل المستقبل مع إفريقيا، حيث تمثل ريادة الأعمال الشبابية مفتاحا للانتقال العادل”. وقدم رواد الأعمال توصياتهم بشأن تعزيز دور الشركات الناشئة في خلق فرص العمل وتشكيل التحول الاجتماعي والبيئي، بهدف بناء تعاون طويل الأمد في مجال إمدادات الطاقة المستدامة، وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته من إفريقيا إلى ألمانيا وأوروبا.

اقرأ أيضا: رامي زهدي يكتب.. “القمة الألمانية الإفريقية فرص معززة نحو شراكة إفريقية أوروبية إيجابية”

الإستراتيجية الألمانية المعدلة تجاه القارة الإفريقية

تتطلع ألمانيا للعب دور أكبر على الساحة الإفريقية، حيث يعتقد الألمان أنهم يمتلكون رصيدا جيدا ومتوازنا مع عدد كبير من دول القارة، وأن ألمانيا ولو نسبيا بقيت كثيرا بعيدة عن التداخل السياسي في الشؤون الإفريقية وظلت تنتهج منهجا تنمويا واقتصاديا أكثر منه سياسيا بعكس بريطانيا، وفرنسا والبرتغال وإيطاليا.

ألمانيا ترى أنها “لا تريد أن تبقى الدول الإفريقية معتمدة على مساعدات أوروبا إلى ما لانهاية”، حيث “ترى ألمانيا كيف تتطور إفريقيا، وما إمكانيات الابتكار لديها، وتؤمن ألمانيا طبقا لخططها المعلنة بفرص بناء شبكات، وشراكات يستفيد منها الطرفان وليس طرفا واحدا فقط”.

وينبغي أن تهتم هذه الشراكات بمواضيع جديدة. وكما نصت اتفاقية تشكيل التحالف الحكومي الألماني الحالي على أن موضوع الاستدامة يلعب دورا كبيرا. وهو أمر غير مستغرب في عصر التغير المناخي، الذي تشعر البلدان الإفريقية بتأثيره الواضح. لذلك تريد ألمانيا دعم عملية إعادة الهيكلة الاجتماعية للاقتصاد الإفريقي بشكل ملائم للمناخ. فمثلا تريد وزارة التنمية الألمانية دعم البلدان الإفريقية من أجل توسيع مصادر الطاقة المتجددة، وإحداث وظائف جديدة وخاصة للشباب، وخلق 25 مليون فرصة عمل جديدة في القارة سنويا على الأقل لأن النمو السكاني مطرد في إفريقيا، وبحلول عام 2050، يمكن أن يصل عدد سكان القارة إلى 2.5 مليار نسمة.

ألمانيا لها مصلحة قوية أن يكون لدى دول إفريقيا آفاق اقتصادية جيدة، وهذا يتطلب تزايد حجم الاستثمارات الخاصة إلى جانب الدعم من جانب الدولة الألمانية.

مفهوم “الشراكة مع إفريقيا” يشير دائما إلى الفكرة الجوهرية وراء مبادرة “الشراكة مع إفريقيا”، ألا وهي العمل على نحو مشترك من أجل تحسين اشتراطات الاستثمار والتجارة، “إلى جانب تعزيز إفريقيا كموقع للاستثمار يدور جوهر الاتفاق حول علاقات تجارية عادلة بين أوروبا وإفريقيا. فالمهم ليس التباحث بشأن إفريقيا وإنما التباحث مع إفريقيا”.

 

الشراكة المصرية الألمانية

الشراكة المصرية المعززة اقتصاديا وسياسيا بين مصر والاتحاد الأوروبي بصفة عامة وبألمانيا بصفة خاصة وهي أحد أبرز دول الاتحاد الأوروبي وأحد أقوى الاقتصاديات في العالم، حيث تمثل هذه العلاقة نقطة ارتكاز قوية ومؤثرة جدا في علاقة القارة الأوروبية بالقارة الإفريقية وفي إطار تطوير هذه العلاقة نجحت مصر في السنوات الأخيرة للتحول إلى شكل العلاقة الأكثر فاعلية والمبنية على أساس الندية والتكافؤ والمصالح المشتركة واحترام الآخر وعدم التداخل في الشؤون الداخلية وهو ما يقدم نموذج العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، ومصر وألمانيا كنموذج جيد لبقية دول القارة الإفريقية للتطبيق في شكل علاقات ما بين الاتحادين الأوروبي والإفريقي وما بين كل دولة إفريقية على حدة بالاتحاد الأوروبي ثم ما بين كل دولة إفريقية ودولة من دول الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر.

تمثل ألمانيا أحد اهم الشركاء الاقتصاديين للدولة المصرية باستثمارات تتجاوز 40 مليار يورو، وحجم تجارة بينية متوازن وكبير في الاتجاهين يقدر بنحو 6 مليارات يورو، بينما تظهر بوضوح أطر التعاون المختلفة وتوافق الرؤى السياسية والقضايا المشتركة ومن أهمها الأمن والسلم والأمن الطاقي على جانبي المتوسط وشمال الصحراء الإفريقية، وكذلك قضايا مكافحة الهجرة غير الشرعية ومقاومة الجريمة والإرهاب، والإرهاب العابر للحدود.

وتحظى مصر بمكانة أنها وجهة الاستثمار الأبرز لدول الاتحاد الإفريقي والدولة الإفريقية الأكثر ملاءمة لاستيعاب فرص التعاون الممكنة، بينما تظل مصر محور الاتصال والتواصل بين دول القارة الإفريقية ودول الاتحاد الأوروبي.

أخيرا، ألمانيا ومصر تشتركان في أن كلا منهما يمتلكان ثقلا سياسيا واقتصاديا وطاقة بشرية قوية مؤثرة في محيطهما، فألمانيا مركز ثقل الاتحاد الأوروبي وأكبر الدول الداعمة للوحدة الأوروبية، وكذلك مصر هي مركز ثقل الأمن والسلم في القارة الإفريقية، والمنطقة العربية والشرق أوسطية، وصاحبة القوة الاقتصادية الناشئة التي يتوقع لها موقع اقتصادي أكثر أهمية في الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.

 

 

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى