العميد عماد اليماني يكتب.. مصر والأمن القومي العربي

لم تكن الجغرافيا يومًا مجرد خطوط على الخرائط، بل هي قدر الأمم ومسار تاريخها. وإذا نظرنا إلى موقع مصر العبقري في قلب العالم العربي، ندرك تمامًا أن الدور المصري لم يكن أبدًا خيارًا سياسيًا عابرًا، بل هو التزام حتمي تفرضه حقائق التاريخ ومحددات الجغرافيا. فمصر، بشعبها وجيشها وحضارتها، تمثل “رمانة الميزان” والقلب النابض للأمة العربية، وأمنها القومي هو امتداد طبيعي وعضوي للأمن القومي العربي بأسره.
ارتباط عضوي ومصير مشترك
تعتمد العقيدة الاستراتيجية المصرية على مبدأ راسخ؛ وهو أن أمن مصر لا يتوقف عند حدودها السياسية، بل يمتد ليشمل محيطها الإقليمي. فأي تهديد يمس أي دولة عربية، سواء في المشرق أو المغرب أو الخليج، هو في جوهره تهديد غير مباشر – وربما مباشر – للأمن القومي المصري. وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في المقولة المصرية الشهيرة التي تؤكد أن أمن الخليج وأمن الدول العربية خط أحمر، وأن الرد المصري على أي تهديد يقترب من حدود الأشقاء هو على بُعد “مسافة السكة”.

دوائر التهديد المحيطة
نعيش اليوم في منطقة تموج بالصراعات والتوترات غير المسبوقة، حيث تتشابك المصالح الدولية مع الأطماع الإقليمية لمحاولة إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تقف مصر حصنًا منيعًا أمام محاولات اختراق الجسد العربي:
- الاتجاه الاستراتيجي الغربي: تمثل الأزمة في ليبيا الشقيقة تحديًا كبيرًا، وقد تعاملت مصر مع هذا الملف بحزم وحكمة، حيث وضعت “الخطوط الحمراء” التي أوقفت زحف الميليشيات والمرتزقة، وأرست قواعد للحل السياسي يحفظ لليبيا سيادتها ووحدة أراضيها.
- الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي: يمثل السودان ودول حوض النيل والقرن الأفريقي العمق الاستراتيجي الأهم لمصر. وما يشهده السودان من أزمات، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، فضلًا عن قضية الأمن المائي الوجودية، كلها ملفات تديرها الدولة المصرية بأعلى درجات الوعي الاستراتيجي، رافضة أي مساس بحقوقها أو تهديد لاستقرار جيرانها.
- الاتجاه الاستراتيجي الشرقي: تظل القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية وقضية مصر الأولى. لم ولن تتخلى القاهرة عن دورها التاريخي في دعم صمود الشعب الفلسطيني، والتصدي لمخططات تصفية القضية أو التهجير القسري، مع العمل الدؤوب لوقف نزيف الدم وإحلال السلام العادل.
بناء القوة الشاملة للردع
إن الدبلوماسية وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي لحماية المقدرات في عالم لا يحترم سوى الأقوياء. من هنا، جاءت الرؤية الثاقبة للقيادة السياسية والعسكرية في مصر بتحديث وتطوير القوات المسلحة المصرية، وتنويع مصادر التسليح، ورفع الكفاءة القتالية لتكون جيشًا قادرًا على الردع وحماية السلام. القوة العسكرية المصرية اليوم ليست موجهة للاعتداء على أحد، بل هي درع وسيف؛ درع تحمي مقدرات التنمية في الداخل، وسيف يبتر أي يد تمتد لتهديد أمن مصر أو أمن أشقائها العرب.
الدولة الوطنية هي الحل
إن من أهم ركائز الرؤية المصرية للأمن القومي العربي، التمسك بمفهوم “الدولة الوطنية” ذات الجيوش النظامية والمؤسسات القوية، ورفض أي تدخلات خارجية أو دعم للميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي تسعى لتفتيت الدول من الداخل. لقد أثبتت التجربة أن تفكك الدولة الوطنية هو الباب الخلفي للتدخلات الأجنبية وضياع الثروات العربية.
خاتمة
في الختام، يجب أن ندرك جميعًا أن التحديات التي تواجه الأمة العربية أكبر من أن تواجهها دولة بمفردها. إن التضامن العربي، والتنسيق السياسي والأمني، والتكامل الاقتصادي، هي الأسلحة الحقيقية في معركة البقاء. ستبقى مصر، كما كانت دائمًا، السند القوي والشقيق الأكبر الذي يدرك أن قوته من قوة العرب، وأن أمنه من أمنهم، وأن المصير المشترك يتطلب وقفة صلبة للحفاظ على حاضر الأمة ومستقبل أجيالها.



