رأي

سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. السلطة الفلسطينية القادرة على إدارة غزة

غزة لا تحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى مشروع مسلح يقتات على الفوضى والدم. ما تحتاجه هو حكومة فلسطينية ، تعيد للناس حياتهم ، وترمم كرامتهم .

فالمرحلة لم تعد تحتمل مزيداً من العبث أو التجريب، وغزة التي دفعت أثماناً باهظة من دم أبنائها ومستقبل أجيالها، تستحق خروجاً حقيقياً من دوامة الانقسام والمزايدات.

اقرأ أيضا: سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. مصر أمُّ الدنيا… ليست مجرد لقب

الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تضيق يوماً بعد يوم. و اليوم أمام السلطة الفلسطينية الفرصة ليس فقط في استعادة الدور ، بل في استعادته بطريقة تُنقذ المشروع الوطني، وتعيد بناء الثقة مع الناس، وتضع حداً لسنوات طويلة من التيه والمعاناة.
قد تختلف معها، قد تنتقدها، وقد تراها مرهقة من عقود الانقسام، لكنها تبقى الجهة الشرعية الوحيدة التي يمكن أن تعيد لغزة وجهها الفلسطيني المدني، وتنتشلها من قبضة حكم أحادي اختزل الوطن في فصيل، والقضية في بندقية.
غزة ليست ساحة تجريب جديدة لحركات تتحدث باسم المقاومة وتراكم المآسي. غزة ليست معسكراً دائماً للحرب، ولا يجب أن تظل رهينة مشروع لا يرى فيها إلا منصة للدمار، بينما شعبها يجوع ويقصف ويدفن تحت الركام.
إن إعادة غزة إلى حضن الشرعية ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فالمشروع الوطني الفلسطيني لا يكتمل بدون غزة، ولا يكتب له النجاح في ظل الانقسام والازدواجية . اليوم وبعد كل هذا الدمار ، يجب أن نبحث عمن يبني لا من يهدم ، عمن يُعيد المدارس والمستشفيات و إعادة بناء ما تم تدميره .
السلطة الفلسطينية ليست مثالية، لكنها على الأقل ليست مشروعاً مغلقاً على نفسه. هي إطار قابل للإصلاح، للنقد ، وللتطوير. أما البديل، فعبارة عن ظلام دائم، وحكم لا يقبل شريكًا، ولا يسمع صوتاً إلا صدى صوته.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور العربي وخاصة  المصري و السعودي  الثابت والداعم لوحدة الصف الفلسطيني ، و عودة الشرعية إلى غزة. فمصر ، التي لم تتخل عن القضية يوماً، لا تزال تقف على مسافة واحدة من الشعب الفلسطيني كله ، داعمة للمصالحة ، وممهدة الطريق لعودة السلطة الشرعية إلى كامل الأرض الفلسطينية، بما فيها غزة. الدعم المصري ليس موقفاً عابراً، بل عقيدة ثابتة تُدرك أن الأمن القومي العربي يبدأ من فلسطين.
كما هو مطلوب اليوم كذلك موقف عربي جماعي، صادق ومسؤول، يساهم فعلياً في إعادة إعمار غزة، بعيداً عن الحسابات الضيقة. دعم عربي لا يقاس بالبيانات، بل بالخرسانة التي تبنى بها البيوت، وبالمدارس التي تفتح من جديد ، وبالمستشفيات التي تُرمم لتعيد الحياة لمدينة أُنهكت بالحرب. إعادة إعمار غزة ليست منة، بل التزام أخلاقي وتاريخي تجاه شعب لم ينكسر رغم كل ما فرض عليه.
ومع هذا الدعم العربي المنتظر، يبرز أيضاً موقف دولي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى ، أن لا حل دائم في غزة دون سلطة فلسطينية شرعية وموحدة، تمثل الشعب بأكمله، وتكون قادرة على إدارة شؤون القطاع كما تدير الضفة، ضمن مشروع سياسي واحد.
المجتمع الدولي، بكل ثقله السياسي والاقتصادي، يدرك أن استدامة الإعمار، وضمان الأمن، ووقف دوامة الحروب، لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام أو تحت حكم جماعات مسلحة لا تعترف إلا بسلاحها.
لقد أعلن الأوروبيون صراحة ، ومعهم دول كبرى، أن إعادة الإعمار وتمويل مستقبل غزة مشروط بوجود سلطة شرعية مسؤولة، قادرة على فرض النظام، وبناء مؤسسات تخضع للمحاسبة. وهذا الموقف، وإن بدا سياسياً، إلا أنه في جوهره يعكس رغبة حقيقية في إعادة غزة إلى طريق الحياة، بعيداً عن مشاريع العنف والتفرد بالحكم .
ولا يمكن الحديث عن واقع غزة ومستقبلها دون التوقف عند مسألة جوهرية : قرار الحرب والسلم. فهذا القرار ليس شأناً فصائلياً أو أداة بيد جماعة، بل يجب أن يعود إلى الإرادة الوطنية الجامعة، من خلال قيادة شرعية منتخبة تمثل الشعب كله، وتحاسب أمامه. إن الاستفراد بهذا القرار هو أحد أخطر مظاهر الانقسام، لأنه يجعل حياة الناس رهينة لمغامرات لا يُسأَل عنها أحد.
ومن هنا، فإن أولوية وقف العدوان على غزة لا يجب أن تُترك لمبادرات خارجية أو وساطات دولية فقط، بل يجب أن تكون مهمة السلطة الفلسطينية بصفتها الطرف المسؤول أخلاقياً ومعنوياً عن شعب يُقصف ويُجوَّع تحت إدارتها السياسية. السلطة لا يجب أن تكتفي بدور الوسيط، بل يجب أن تكون عنوان التفاوض، لأنها صاحبة الأرض والناس والقضية.
وغزة تستحق ذلك ، تستحق أن تكون في إطار الدولة الفلسطينية المستقبلية ،  تستحق حكومة تخدمها، لا سلطة تخنقها. والسلطة الفلسطينية، بكل ما تحتاجه من إصلاح، تبقى الخيار الوحيد القادر على لم شتات هذا الوطن، والعبور به إلى بر الأمان.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى