الرئيسيةرأي

الدكتور فكري سليم يكتب..  الدستور الإيراني والشؤون الداخلية للدول 

الكاتب خبير في الشؤون الإيرانية.. خاص منصة العرب 2030 الرقمية

الدستور الإيراني والشؤون الداخلية

تقول المادة الرابعة والخمسون بعد المائة من الدستور الإيراني:”تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل، حقاً لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي مكان من العالم، وفي نفس الوقت لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى”.

من العبارة الأخيرة في هذه المادة ننطلق ونتساءل كيف لا تتدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول والشعوب الأخرى، وهي في نفس الوقت تدعم (المستضعفين)، وكيف يكون هذا الدعم؟ ثم من هم هؤلاء (المستضعفون) في نظر واضعي الدستور وأهل الحكم في إيران؟

الواضح أن هذه المادة من الدستور الإيراني تحتوي على تناقض ملحوظ، وما ورد فيها كلام عجيب وغير منطقي لا يرى فيه الحكام الإيرانيون تناقضاً، ومن هنا فعندما يتهمهم أحد بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، يجيبون بأنهم لا يتدخلون! وهم في هذا وبناء على هذه المادة الدستورية المتناقضة لا يعدون التدخل في لبنان وسورية وفلسطين والعراق واليمن تدخلاً بقدر ما يعدونه دعماً لنضال (المستضعفين).

والواقع أن هذه المادة الدستورية وضعت خصيصاً لخدمة “تصدير الثورة” وهو الشعار الذي تبناه القادة الإيرانيون منذ انطلاق الثورة حتى يومنا هذا، وإن حاولوا التنصل منه أو أنه لم يعد قائماً، إذ أن الواقع يؤكد على أن ما تقوم به إيران من تدخلات في الشؤون الداخلية لدول المنطقة هو امتداد لتصدير الثورة، وهي إستراتيجية لن تتخلى عنها الحكومات الإيرانية بل إنها تحاول تطبيق هذه الاستراتيجية بأشكال مختلفة على جميع الأصعدة عن طريق الدعم المادي والمعنوي الثقافي منه والعسكري.

وهذه الإستراتيجية يمكن توصيفها على أنها نزعة توسعية راسخة في ذهن الحكومات الإيرانية روج لها قياديو الثورة ومنظروها، وتناولتها حتى الأدبيات الإيرانية خاصة شعر شعراء الثورة الذين وصفوا دولاً عربية بأنها دول محتلة من قبل حكامها وأن على النظام الإيراني تحرير تلك الدول التي على رأسها مصر والسعودية. وأشعار مثل هؤلاء الشعراء تعد بمثابة وثيقة تؤرخ لفكر الثورة الإيرانية الذي يستميت مؤيدوها من أجل تحققه وتطبيقه على أرض الواقع مهما كلفهم من أموال يتحملها المواطن الإيراني، ومهما كلف المنطقة من زعزعة لاستقرارها وأمنها، وهم في هذا يعتمدون على دستور يقول بأن (سعادة الشعوب قضية مقدسة)! فأين هذه السعادة من الشعب العراقي الذي تفشت الطائفية المقيتة بين أطيافه منذ إحتلاله من قبل أمريكا وإلى جوارها إيران عام 2003م عندما تعالت الأصوات فيه بشعارات مذهبية لم يكن لها وجود في عصر صدام (الطاغية) على حد تعبيرهم؛ فمنذ ذلك الوقت وإيران لا تريد أن ترفع قبضتها عن العراق مستعينة بمليشاتها وحشودها وفيالقها التي يظهر قادتها على شاشات التلفاز مهددين كل من يعارض توجهاتهم حتى وإن كان رئيس وزرائها.

أين هذه السعادة من الشعب السوري الذي صار وطنه مسرحاً لقوى متصارعة من أجل مصالحها ونفوذها في هذا البلد الجريح الذي يتعرض بين الحين والأخر لقصف من قبل المحتل الصهيوني بحجة استهدافه لقوى إيرانية على الأراضي السورية؟

أين هي السعادة من الشعب اللبناني الذي لم يعد متمكناً من اتخاذ قراره بنفسه بعد أن أصبح أمره مرهوناً بيد حزب الله لصالح إيران التي أسسته عام 1982م؟

وأين هي سعادة الشعب اليمني الذي تراق دماؤه في حرب بالوكالة بين التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن وبين ميليشيات الحوثي التي تدعمها إيران ضد المملكة العربية السعودية لتهديد أمنها واستقرارها وتبنيها هجمات الحوثيين ضدها بطائرت مسيرة وصواريخ باليستية؛ فأصبحت حياة هذا الشعب تتدهور وتسوء يوماً بعد يوم بسبب حرب طاحنة تدور راحها وتحصد أرواح اليمنيين دون تمييز؟

وأين هي سعادة الشعب الفلسطيني الذي تستخدم إيران قضيته ورقة تفاوض بها الغرب من أجل مصالحها، بل إنها تفرق صف هذا الشعب وتميز بين أطيافه وتحرض البعض على البعض الآخر؛ فتدعم فقط من يخدم أجندتها وينفذها داخل فلسطين وخارجها، ذلك الشعب الذي كلما جمعته مصر ولمت شمله فرقته إيران متوارية خلف شعار تحرير القدس المرفوع دون تفعيل منذ قيام الثورة الإيرانية؟

وختاماً فإننا نرى أن هذه المادة من الدستور الإيراني ما هي إلا عبارات تدخل ضمن خطاب شعبوي ثوري إيراني لكنه حظي ولا يزال يحظى بإعجاب أنصار إيران في البلاد العربية رغم خلوه من مضمونه.

بعد ان تناولنا موضوع الدستور الإيراني والشؤون الداخلية يمكنك قراءة ايضا

محمد أرسلان علي يكتب .. نحو حوار عربي كردي ناجح

د. شرين مختار تكتب.. الفيتامينات والمعادن ما بين الفائده و الضرر

يمكنك متابعة منصة العرب 2030 على الفيس بوك

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى