
تعيش ليبيا منذ أكثر من أربعة عشر عاماً حالة اضطراب سياسي وأمني متواصلة، تفاقم خلالها الانقسام بين سلطتين متنافستين منذ 2014، ففي الشرق، مجلس النواب وحكومته الموازية، وفي الغرب، مجلس الدولة، وحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً. وقد تسارعت الأزمة بسبب تراكم آثار الانهيار المالي والضائقة المعيشية على المجتمع. وفي ظل هذا المشهد المعقّد، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مساراً جديداً تحت اسم “الحوار المُهيكل”، باعتباره منصة للتشاور بين مختلف المكونات الليبية، بهدف الخروج بتوصيات تساعد على تحسين الحوكمة وتجاوز الانقسام والتمهيد لانتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي المرحلة الانتقالية. انعقدت أولى جلسات هذا الحوار في طرابلس منتصف ديسمبر 2025 بمشاركة متنوعة ضمت 124 شخصية من كيانات سياسية ومجتمعية، بينما قدمت الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، إحاطة لمجلس الأمن جددت فيها التأكيد على ضرورة استكمال الإطار القانوني للانتخابات وإصلاح المؤسسات المعنية.
اقرأ أيضا: ليبيا في أسبوع.. بريطانيا تفحص الصندوق الأسود لطائرة الحداد وصدام حفتر يزور الأردن
غير أن الصورة الرسمية للحوار لا تعكس وحدها حقيقة الوضع على الأرض. فبالتوازي مع هذا المسار الأممي تدور مفاوضات أخرى بين مجلسي النواب والدولة حول ملفات سيادية وإجرائية معقدة، تشمل المناصب السيادية وقوانين الانتخابات ومجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ومن الصعب تصور أن يصل المجلسان إلى اتفاق يتيح إصدار قانون انتخاب رئيس الدولة في المدى القريب، وهو ما يجعل الحوار الأممي منقوصاً من أدوات التنفيذ. يضاعف ذلك تعقيداً إعلان نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري أن التوصيات المنتظرة من “الحوار المُهيكل” ستكون غير مُلزمة، ما يعني أن أقصى ما يمكن أن ينتجه هذا المسار هو جملة من الأفكار والمقترحات التي تفتقر إلى الضامن السياسي والمؤسسي القادر على تحويلها إلى واقع.
من ناحية أخرى، تبدي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس تمسكاً واضحاً بالسلطة إلى حين إجراء الانتخابات، وقد أكد رئيسها عبدالحميد الدبيبة ذلك في أكثر من مناسبة. وفي ظل غياب توافق وطني على موعد وشروط العملية الانتخابية، يصبح هذا الموقف كفيلاً بإدامة الأمر الواقع، الأمر الذي يثير سؤالاً مشروعاً: ما جدوى الحوار إذا كان لا يملك القدرة على التأثير في بنية القوة التي تعيق التغيير؟ إن بعثة الأمم المتحدة تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب، فالمسألة لم تعد تتعلق بحسن إدارة العملية السياسية، بل بقدرتها على إنتاج نتائج قابلة للقياس في الواقع، ووقف إعادة تدوير الأزمة عبر مبادرات تنتهي عادة بتوصيات لا تغيّر شيئاً في طبيعة الانقسام.
لقد سمع الليبيون خلال السنوات الماضية عبارات متقاربة حول “تحسين الحوكمة” و”توحيد المؤسسات” و”تحقيق المصالحة الوطنية”، لكنهم لم يروا تحولاً حقيقياً في المشهد السياسي أو الأمني أو الاقتصادي. والأدهى أن بعض الحوارات التي سُمّيت “حوارات تسوية” ساهمت عملياً في إدامة سلطات واقعية موازية، أشبه بمنظومات نفوذ اقتصادية وسياسية تسيطر على الموارد والمواقع وتمارس السلطة من خارج الدولة الرسمية. وهكذا بدأت قناعة تتشكل لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن المسار الأممي لا يستهدف الحل الشامل بقدر ما يدير الأزمة ويطيل أمدها، في بيئة دولية تتقاطع فيها مصالح القوى الأجنبية التي لا يبدو أنها مستعجلة لرؤية ليبيا موحدة وقوية.
ولذلك يبدو أن الرهان على السفراء الأجانب وإحاطات المبعوثين ومؤتمرات الفنادق المغلقة لم يعد مثمراً. فالخلاص لن يأتي من الخارج ولا من البيانات الختامية، بل من الداخل، عبر مشروع وطني جامع يكسر منطق المراحل الانتقالية ويفتح الباب لإعادة تأسيس الشرعية السياسية من جديد. ويكون ذلك، في تقديري، من خلال حراك وطني سلمي يفضي إلى انتخاب مجلس تأسيسي يُعيد صياغة العقد السياسي للدولة ويشكّل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على تسيير المرحلة وصولاً إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنهي الانقسام المستمر منذ 2011.
الخلاصة أن ليبيا وصلت إلى لحظة لا يمكن فيها إضاعة مزيد من الوقت في مسارات لا تملك القدرة على إنتاج نتائج. فالبلاد تعيش حالة إحباط غير مسبوقة، والانقسام يستنزف المجتمع والدولة معاً، وعليه فإن السؤال اليوم ليس ما إذا كان “الحوار المُهيكل” سينجح أم يفشل؟
بل أصبح: هل ما زال هناك وقت لمشاريع ترقيعية… أم آن أوان التأسيس؟
ففي النهاية، لا تُبنى الدول عبر إدارة الأزمات، بل عبر امتلاك مشروع وطني يؤسِّس لشرعية جديدة لدولةٍ ذات سيادة، بمؤسسات قوية موحدة تضع حد لحالة الانقسام، ولينهي دوَّامة المراحل الانتقالية عبر اقامة النظام السياسي الدائم.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



