رأي

اشتيوي الجدي يكتب.. لنصنع إعلاماً ليبياً جديداً

بات من المسلّم به أنّ الإعلام يشكّل اليوم حجر الزاوية في صناعة الوعي العام وتوجيه الرأي السياسي، وأنه في لحظات الأزمات يتحول إلى أحد أهم أدوات حماية الدولة والمجتمع. فالإعلام الوطني لا يُفترض به أن يكون أداة تضليل، بل مرآة للواقع، تمنع الانزلاق نحو الفوضى وتعزّز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وفي زمن الحروب الإعلامية يعد الإعلام الوطني خط الدفاع الأول ضد الشائعات وحملات التضليل.

لقد أصبح من الصعب تصور قدرة أي دولة على الخروج من أزماتها أو بناء استقرارها السياسي دون إعلام مسؤول يعيد تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة. فالإعلام لم يعد مجرد قناة لنقل الأخبار، بل تحوّل إلى أحد أهم أدوات تشكيل الرأي العام واستشراف المواقف التي تحدد مستقبل الدولة.

وفي الحالة الليبية الراهنة، حيث تتعايش الانقسامات السياسية مع تعدد مراكز القرار وتضارب الخطابات، يصبح الإعلام الوطني ضرورة لا يمكن تجاهلها. فالمشهد السياسي المتوتر لا يسمح لأي مشروع وطني أن يتقدم في غياب دور إعلامي مهني ومتزن، قادر على تهدئة الساحة بدلاً من صب الزيت على النار.

ولعل ليبيا خلال الخمسة عشر عاماً الماضية قدّمت المثال الأوضح على حجم تأثير الإعلام عندما يغيب الانضباط المهني. فقد تعرّض المزاج العام لحملات تأثير منظمة وظفت الفراغ المعلوماتي وضعف التواصل الرسمي لتوجيه المواقف وتشكيل الانحيازات. ولو كان هناك حدٌّ أدنى من الانضباط الإعلامي لكان بالإمكان تحجيم كثير من تلك الحملات وتقليل آثارها على المجتمع والسياسة معاً.

ولا يقتصر دور الإعلام على السياسة وحدها، بل يمتد إلى تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الهوية. فالإعلام القادر على استحضار التاريخ الوطني والرموز المشتركة والإنجازات الحقيقية هو إعلام يبني الذاكرة الجمعية ويعمّق الشعور بالانتماء إلى الدولة. فهذه القيم ليست ترفاً، بل مصدر قوة حين تواجه الدولة التحديات والمخاطر.

لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن جزءاً واسعاً من الإعلام الليبي خلال السنوات الماضية انحرف عن وظيفته الأساسية، فتحول إلى إعلام اصطفاف وخطاب تعبئة. فإمّا أنه خضع لضغوط سلطات الأمر الواقع، أو تكيّف مع اشتراطات التمويل، أو خضع لحسابات الولاء الضيقة، وهو ما أفقده استقلاليته وأضعف دوره في خدمة الصالح العام. ومع ذلك، فإن الجمهور الليبي لم يعد جمهوراً خاملاً، بل أصبح أقدر على الفرز والتمييز بين إعلام يخدم الوطن وآخر يتماهى مع أجندات فئوية أو خارجية.

ولكي يتجاوز الإعلام الليبي هذا الواقع المحبط، ويؤسس لنفسه دوراً تاريخياً في المرحلة المقبلة، فإن الانتقال من “إعلام تابع” إلى “إعلام جماهيري وطني” لم يعد خياراً نظرياً بل ضرورة وطنية. إعلام يبني وعياً لا يصنع جمهوراً مستهلكاً؛ يحول المتلقي من مجرد متابع سلبي إلى مشارك في صياغة الرأي العام. فالدولة التي لا تمتلك إعلاماً وطنياً جماهيرياً ومسؤولاً هي دولة مكشوفة أمام التشويه ومفتوحة أمام الاختراق. أما الإعلام الذي يصطف إلى جانب الوطن، فإنه لا يصنع رأياً عاماً فحسب، بل يصنع مناعة وطنية في مواجهة الفتنة والتضليل ويحمي المجتمع من مشاريع التشكيك والتفتيت.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى