
لعلّ أحد أهم العوامل التي سمحت لإيران بالتوغّل في أكثر من دولة عربية، ومنحت نظام الملالي في طهران الضوء الأخضر لبسط نفوذه على أربع عواصم عربية، كان موقف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما. فقد اتخذت تلك الإدارة موقفاً أقرب إلى الانحياز الصريح لإيران على حساب العرب، انطلاقاً من رؤيةٍ كان يرددها أوباما في جلساته الخاصة مع أقرب مساعديه، مفادها:
“العرب مجرد بدو بلا حضارة، بينما يمتلك الفرس تاريخاً عريقاً .”
ورغم ذلك، تبقى السياسة الأمريكية محكومةً بمنطق المصالح العليا للولايات المتحدة، الاقتصادية منها والسياسية والعسكرية، وبما ينسجم مع ظروف كل مرحلة. فالعلاقة الفاترة بين واشنطن والرياض خلال عهد أوباما تحولت فجأة إلى علاقات وثيقة مع وصول ترامب إلى السلطة.
إنها المصالح… وأمريكا لا تتحرك إلا وفق مصالحها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
أين موقعنا نحن من مصالح أمريكا؟
وكيف يمكن للقوى الوطنية العراقية أن توحّد أهدافها مع مصالح واشنطن، بما يخدم أمن العراق واستقلاله؟
*اللوبي الإيراني… قوة مؤثرة في قلب واشنطن*
تمتلك إيران واحداً من أقوى لوبيات الضغط في الولايات المتحدة بعد الـ AIPAC. ويتكون هذا اللوبي من نشطاء، ومحامين، وتجار، وإعلاميين، ومحللين، استطاعوا التغلغل داخل البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس. وقد نجحوا، خصوصاً في عهد أوباما، في التأثير على القرار الأمريكي بشكل مكّن طهران من بسط نفوذها على عدة دول في الشرق الأوسط، بما فيها العراق.
*الحاجة إلى لوبي عراقي… مشروع وطني ملحّ*
ومن هنا، يصبح من أهم أهداف القوى الوطنية العراقية اليوم تأسيس لوبي عراقي قوي داخل واشنطن، قادر على الدفاع عن المشروع الوطني العراقي. لكن هذا لن يتحقق ما لم تتمكن القوى الوطنية من نبذ خلافاتها الداخلية، التي تنشأ في معظم الأحيان من الشخصنة، وروح الاستقصاء، وسوء فهم الآخر، رغم أن الجميع يهدف إلى نفس الغاية الوطنية.
فلماذا الخلاف؟ ولماذا التفرقة إذا كان الهدف واحداً؟
العملية السياسية… وأفق التغيير الأمريكي
عاملٌ آخر بالغ الأهمية هو المشاركة في العملية السياسية. فالولايات المتحدة مصرة على استمرار النظام السياسي الذي أنشأته عام 2003، رغم إدراكها أنه كان معيباً منذ البداية، وأنه أنتج خليطاً من الجهلة والعملاء والفاشلين في إدارة الدولة.
ورغم رغبتها الواضحة في تغيير الطبقة السياسية الحالية في المنطقة الخضراء، فإن واشنطن لن تدعم أي مشروع انقلاب أو بيان رقم واحد جديد.
لذلك يُتوقّع أن تعمل الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة على تغيير ولاءات المؤسسات الحكومية العراقية تدريجياً، من الولاء لإيران إلى الولاء لواشنطن. وسيجري ذلك عبر دعم وزراء وشخصيات سياسية تؤمن بأن مصلحة العراق تكمن في بناء دولة ذات سيادة، بعلاقات قوية ومتميزة مع الولايات المتحدة، وقادرة على مواجهة الهيمنة الإيرانية في المنطقة.
الميليشيات المسلحة… العقبة الأولى أمام أي تغيير
يبقى وجود الميليشيات المسلحة العقبة الأبرز أمام أي مشروع أمريكي داخل العراق. فهذه الفصائل قادرة على تهديد المصالح الأمريكية وإفشال أي ترتيبات سياسية جديدة.
ولهذا، فإن الخطوة الأولى—سواء دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران أو وصلت معها إلى اتفاق—ستكون حلّ الميليشيات المسلحة في العراق والمنطقة.
**المشهد الإقليمي… وصيفٌ ساخن في الأفق*
من الواضح أننا مقبلون على متغيرات كبيرة ستلقي بظلالها على الوضع السياسي في العراق. فالولايات المتحدة لن تنسحب من المنطقة قبل أن تستجيب إيران لشروط واشنطن والمجتمع الدولي.
وما بين الضغط العسكري والمفاوضات، تبدو المنطقة أمام صيف سياسي ساخن، مليء بالمفاجآت والتحولات.



