لماذا يجب أن تكون الكلمة الأخيرة في إنهاء الحرب بيد مصر؟

الباحث – سليم عبد الكريم الهندي
منذ عقود، ومصر ليست مجرد دولة جارة لفلسطين، بل هي الشريان السياسي والأمني الذي يربط غزة بالعالم، والباب الذي يُفتح للحرب أو للسلام. في كل مواجهة، وفي كل جولة دم ونار، كانت القاهرة هي العنوان الأول والملاذ الأخير، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بحكم التاريخ والدور.
الحرب الحالية، بكل ما تحمله من مآسٍ إنسانية ودمار شامل، لا يمكن أن تُختتم إلا عبر طاولة مفاوضات حقيقية، تتسم بالجدية والمسؤولية، وهذه الطاولة يجب أن تكون في القاهرة. لماذا؟ لأن مصر هي الطرف الذي يمتلك القدرة على التواصل مع جميع الأطراف، من الفصائل الفلسطينية إلى الحكومة الإسرائيلية، مرورًا بالقوى الإقليمية والدولية. هي اللاعب الوحيد الذي يملك خطوطًا مفتوحة مع الجميع، دون أن يفقد مصداقيته لدى أي طرف.
القاهرة ليست وسيطًا طارئًا على المشهد، بل هي الحارس التقليدي لبوابة غزة. عبر معبر رفح مرّ الدواء والغذاء، وخرج الجرحى والمصابون، ودخلت المساعدات الإنسانية. هذا الدور الميداني يمنحها شرعية إنسانية وسياسية تجعلها أكثر من وسيط، وتجعلها الضامن لأي اتفاق.

واليوم، لا يقتصر الأمر على كون مصر مؤهلة لهذا الدور، بل إن غزة نفسها، بكل أطيافها وفصائلها ومجتمعها المدني، تطالب بأن تُنقل جلسات المفاوضات إلى القاهرة. هذه الرغبة ليست عاطفية فقط، بل نابعة من الثقة في أن مصر قادرة على إدارة حوار جاد، بعيدًا عن التجاذبات والمزايدات السياسية، وبما يضع مصلحة الشعب الفلسطيني في قلب أي اتفاق.
المسألة ليست فقط لوجيستية أو إنسانية، بل سياسية بامتياز. أي اتفاق وقف حرب يحتاج إلى طرف قادر على فرض التزامات وضمان تنفيذها، وهنا تأتي قوة مصر. فهي ليست دولة تبحث عن نفوذ في غزة، وليست طرفًا يريد اقتسام الغنيمة، بل دولة تعتبر استقرار غزة جزءًا من أمنها القومي.
إجراء المفاوضات في القاهرة يعني أن هناك طرفًا مسؤولًا يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويعرف تفاصيل الصراع ودهاليزه، ويملك مفاتيح الحلول الواقعية بعيدًا عن المزايدات. أما ترك المفاوضات لتُدار في عواصم أخرى، فذلك يعني فتح الباب أمام أجندات لا علاقة لها بالمصلحة الفلسطينية أو حتى الإسرائيلية، بل قد تؤدي إلى إطالة أمد الحرب وإعادة إنتاجها.
اليوم، ومع كل قطرة دم تسيل في غزة، يزداد اليقين أن الحلول العسكرية وصلت إلى طريق مسدود، وأن التفاوض لم يعد خيارًا مؤجلًا؛ بل ضرورة عاجلة. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة توقف هذه الحرب، فلا بد أن تُقال في القاهرة، حيث يجلس الجميع على الطاولة، ويعلمون أن هناك طرفًا قادرًا على صياغة اتفاق لا يكون مجرد هدنة هشة، بل بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار.
إن التاريخ علمنا أن مصر حين تتدخل بجدية، تتوقف المدافع. وحين تقول كفى، يتغير مسار الأحداث. واليوم، العالم بأسره ينتظر أن يكون في يدها القرار، وأن تكون على أرضها اللحظة التي يُطوى فيها دفتر هذه الحرب السوداء وبداية لمرحلة جديد من الأمن والاستمرار في المنطقة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



