كيف قرأت إسرائيل نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟
التحول في موازين القوى داخل الكونجرس وتداعياته على مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية .
تمثل نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في 3 نوفمبر 2026، تطورًا سياسيًّا يتجاوز حدود التنافس الحزبي الداخلي في الولايات المتحدة، نظرًا لما تحمله من انعكاسات محتملة على طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وعلى مستقبل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل، وقد اكتسبت هذه الانتخابات أهمية استثنائية في الحسابات الإسرائيلية بعد تمكن الحزب الديمقراطي من استعادة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع تشريعي جديد، ويمنح المعارضة الديمقراطية أدوات مؤسسية أوسع لمراجعة سياساته الداخلية والخارجية، بما فيها سياسته تجاه إسرائيل والشرق الأوسط.
وقد عكست التغطية الإعلامية الإسرائيلية للنتائج حالة من القلق إزاء ما وصفته بعض الصحف والقنوات الإسرائيلية بـ”التسونامي الأزرق”، في إشارة إلى المكاسب الانتخابية الواسعة للديمقراطيين، واللون الأزرق الذي يرمز إلى الحزب، ولم يكن مصدر القلق الإسرائيلي مقتصرًا على خسارة الجمهوريين للأغلبية التشريعية، وإنما ارتبط أيضًا بطبيعة التحولات داخل الحزب الديمقراطي، وبصعود شخصيات سياسية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، وأكثر استعدادًا لمناقشة استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ولا سيما في ظل الحرب على إيران، والتطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.
وتشير النتائج الأولية والتغطيات الأمريكية المنشورة في 4 نوفمبر إلى أن الديمقراطيين تمكنوا من انتزاع مقاعد مهمة من الجمهوريين، بما فيها مقاعد في ولايات كانت محسوبة تقليديا على المعسكر الجمهوري، كما فاز الديمقراطي تروي جاكسون بمقعد ولاية مين في مجلس الشيوخ، متغلبا على السيناتور الجمهورية سوزان كولينز، المعروفة بدعمها لإسرائيل، وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية لأنها لا تقتصر على إعادة توزيع المقاعد البرلمانية، بل تعكس اتساع نطاق المساءلة الانتخابية لإدارة ترامب، في ظل تداخل الاعتبارات الاقتصادية والحرب والسياسة الخارجية في تشكيل اتجاهات التصويت.
ومن ثم فإن السؤال المركزي الذي تطرحه هذه النتائج ليس فقط: لماذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم؟ وإنما أيضا: كيف قرأت إسرائيل هذه الخسارة؟ وهل تنظر إليها باعتبارها أزمة مؤقتة في إدارة ترامب، أم باعتبارها مؤشرا على تحولات أعمق في البيئة السياسية الأمريكية، يمكن أن تؤثر في طبيعة التحالف الاستراتيجي بين البلدين؟
أولًا: صحيفة معاريف.. الخسارة الجمهورية تفتح باب مراجعة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل
ركزت صحيفة معاريف على التداعيات المباشرة لفقدان الجمهوريين أغلبيتهم في الكونجرس، معتبرة أن الرئيس ترامب ليس الخاسر الوحيد، وأن إسرائيل تواجه بدورها تحديًّا سياسيًّا متزايدًا في واشنطن، وأبرزت الصحيفة فوز الديمقراطي تروي جاكسون في ولاية مين على السيناتور الجمهورية سوزان كولينز، التي ارتبط اسمها على مدى سنوات بدعم إسرائيل، مشيرة إلى أن جاكسون جعل إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أحد مواقفه الانتخابية.
وتكشف قراءة “معاريف” عن قلق يتجاوز نتائج المنافسة الانتخابية ذاتها؛ إذ إن المسألة تتعلق بتنامي تيار داخل الحزب الديمقراطي لم يعد يكتفي بإبداء التحفظات على بعض السياسات الإسرائيلية، وإنما بدأ يناقش الأساس المالي والعسكري للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وهذا التحول مهم من الناحية الاستراتيجية؛ لأن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل كان يعتمد تاريخيا على وجود توافق واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حتى مع اختلافهما في بعض التفاصيل المتعلقة بالتسوية السياسية والقضية الفلسطينية.
وبالتالي فإن تراجع هذا التوافق قد يضع إسرائيل أمام معضلة سياسية تتمثل في كيفية المحافظة على مستوى الدعم الأمريكي في ظل تزايد الانقسامات الحزبية بشأنها، كما أن فوز شخصيات تنتقد المساعدات العسكرية قد يدفع قيادات الحزب الديمقراطي إلى إعادة تقييم مواقفها، خصوصًا إذا أصبحت القضية الإسرائيلية عاملًا مؤثرًا في الانتخابات التمهيدية وفي المنافسة على قيادة الحزب والاستعداد للانتخابات الرئاسية لعام 2028م.
ثانيا: يديعوت أحرونوت.. هزيمة ترامب وتحول الإدارة إلى “بطة عرجاء”
وصفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” النتائج بأنها هزيمة سياسية قاسية لترامب، مشيرة إلى أن الديمقراطيين تمكنوا من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول تجاوز التوقعات التي سبقت الانتخابات، وركزت الصحيفة على أن انتزاع الديمقراطيين مقاعد من دوائر وولايات كانت محسوبة على الجمهوريين يمنحهم قدرة أكبر على تقييد حركة الإدارة الأمريكية خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
واستخدمت الصحيفة تعبير “البطة العرجاء” لوصف الوضع السياسي المتوقع للرئيس، وهو مصطلح في العلوم السياسية الأمريكية يشير إلى رئيس تتراجع قدرته على تمرير برنامجه التشريعي بسبب فقدانه الدعم البرلماني الكافي، أو بسبب سيطرة المعارضة على المؤسسة التشريعية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل؛ لأن العلاقة بين نتنياهو وترامب كانت تستند بدرجة كبيرة إلى التقارب الشخصي والسياسي بينهما، وإلى وجود أغلبية جمهورية في الكونجرس توفر غطاء تشريعيًا وسياسيًا لسياسات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط.
ومع تغير الأغلبية البرلمانية، لن يكون بإمكان نتنياهو الاعتماد بالدرجة نفسها على العلاقة المباشرة مع البيت الأبيض، باعتبارها قناة كافية لضمان المصالح الإسرائيلية، فحتى إذا ظل ترامب ملتزما بدعم إسرائيل، فإن قدرته على تنفيذ بعض السياسات ستصبح مرتبطة بدرجة أكبر بمواقف الكونجرس، ولا سيما في الملفات التي تتطلب اعتمادات مالية أو موافقات تشريعية أو رقابة برلمانية.
والأهم أن خسارة الجمهوريين قد تؤدي إلى تغيير طبيعة الحسابات الإسرائيلية في التعامل مع واشنطن؛ فإسرائيل ستحتاج إلى بناء علاقات مؤسسية مع قيادات الحزبين، بدلا من ربط مستقبل مصالحها الاستراتيجية بإدارة أمريكية واحدة أو برئيس بعينه.
ثالثًا: يسرائيل هيوم.. القلق من كونجرس أكثر انتقادا لإسرائيل:
ركزت صحيفة “يسرائيل هيوم” على التداعيات الاستراتيجية للنتائج، معتبرة أن انتقال السيطرة على مجلسي الكونجرس إلى الديمقراطيين يفتح مرحلة جديدة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وتنبع أهمية هذه القراءة من أن الكونجرس لا يقتصر دوره على التشريع، وإنما يمتلك أدوات مؤثرة في الرقابة على الإدارة الأمريكية، ومراجعة المخصصات المالية، ومناقشة صفقات التسليح، ومساءلة المسؤولين عن إدارة السياسة الخارجية.
وتتوقع الصحيفة أن تتحول لجان الكونجرس المعنية بالشؤون الخارجية والدفاع والمخصصات المالية إلى ساحات لمناقشة السياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب على إيران، والحرب في قطاع غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، واستخدام المساعدات والأسلحة الأمريكية.
كما أن الرقابة على صفقات الأسلحة تمثل نقطة حساسة في الحسابات الإسرائيلية؛ فالتعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي لا يتوقف على المساعدات المالية المباشرة، بل يشمل منظومة أوسع من التوريد والتكنولوجيا والتعاون الاستخباراتي والدفاع الصاروخي. ومن ثم، فإن أي تشديد للرقابة على نقل الأسلحة أو على شروط استخدامها يمكن أن يترتب عليه تأثير في التخطيط العسكري الإسرائيلي.
وتبدو دلالة موقف”يسرائيل هيوم” أكثر عمقا عندما تدعو الصحيفة إسرائيل إلى توسيع علاقاتها داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وعدم الاكتفاء بالعلاقة الوثيقة مع ترامب. فهذا الطرح يعكس إدراكا بأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي قد يدخل مرحلة تتطلب إعادة بناء أدوات النفوذ السياسي الإسرائيلي في واشنطن.
رابعا: القناة 14.. الخشية من تراجع حرية الحركة الأمريكية تجاه إيران
أما القناة 14 الإسرائيلية، المعروفة بتوجهها اليميني وقربها السياسي من نتنياهو، فقد وصفت النتائج بأنها ضربة قاسية لترامب وإسرائيل، وركزت على ما قد يترتب على سيطرة الديمقراطيين على اللجان البرلمانية ذات الصلة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
وتكمن أهمية هذه القراءة في ارتباطها بالملف الإيراني؛ إذ تنظر إسرائيل إلى العلاقة مع الإدارة الأمريكية باعتبارها أحد العناصر الرئيسية في إدارة المواجهة مع إيران، سواء فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية أو التعاون الاستخباراتي أو العمليات العسكرية أو مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
ومن هذا المنطلق، فإن وجود أغلبية ديمقراطية في الكونجرس قد يرفع مستوى الرقابة السياسية على القرارات المتعلقة باستخدام القوة العسكرية الأمريكية، وعلى الإنفاق الدفاعي المرتبط بالعمليات الإقليمية. كما قد يؤدي إلى زيادة النقاش حول أهداف الحرب وتكاليفها وانعكاساتها على المصالح الأمريكية.
خامسا: القناة 12 والإعلام الإسرائيلي.. الانتخابات بوصفها استفتاء على سياسات ترامب
تعاملت القناة 12 الإسرائيلية ووسائل إعلام أخرى مع النتائج باعتبارها تعبيرا عن تراجع التأييد الشعبي لإدارة ترامب، ولا سيما في ظل تصاعد الأعباء الاقتصادية وتكاليف المعيشة وتداعيات الحرب على إيران وأسعار الطاقة.
وتكشف هذه القراءة عن أهمية العامل الداخلي الأمريكي في تحديد مستقبل السياسة الخارجية؛ إذ إن استمرار الانخراط العسكري في الشرق الأوسط لا يُقاس فقط بمدى توافقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وإنما أيضا بمدى تقبل الناخب الأمريكي لتكاليفه الاقتصادية والبشرية والسياسية.
وفي هذا السياق، يصبح ملف الحرب على إيران أكثر حساسية؛ لأن ارتفاع تكاليف المواجهة قد يثير تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق الحكومي، ومدى ارتباط المصالح الأمريكية المباشرة باستمرار العمليات العسكرية، وما إذا كانت واشنطن تتحمل أعباء إضافية نتيجة سياسات حلفائها الإقليميين.
وتشير التغطيات الأمريكية إلى أن الحرب على إيران وارتفاع تكاليف المعيشة كانا من العوامل التي ساهمت في تشكيل المزاج الانتخابي، وإن كان من غير الدقيق تفسير النتائج بعامل واحد؛ فالاقتصاد والفساد السياسي والثقة في الإدارة والسياسات الخارجية تداخلت جميعها في تحديد اتجاهات التصويت.
سادسا: إعلان ترامب إنهاء المساعدات العسكرية.. هل تتغير طبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي؟
من أكثر التطورات التي أثارت الانتباه في التغطية الإسرائيلية إعلان الرئيس دونالد ترامب اتفاقه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل بحلول نهاية عام 2026، وهي المساعدات التي تبلغ قيمتها نحو 3.8 مليارات دولار سنويا، وفقا للترتيبات القائمة.
وقد برر ترامب توجهه بأن استمرار المساعدات يوفر للديمقراطيين مادة سياسية يستخدمونها في انتقاد الجمهوريين، بما يعني أن قراره يرتبط، وفق تفسيره المعلن، باعتبارات تتصل بالصراع الحزبي الأمريكي، وليس بالضرورة بتراجع التزامه السياسي بأمن إسرائيل.
غير أن هذا الإعلان يثير مجموعة من التساؤلات الاستراتيجية المهمة؛ فهل يمثل إنهاء المساعدات تحولا في طبيعة التحالف بين البلدين، أم أنه محاولة لإعادة صياغة العلاقة المالية والعسكرية بما يقلل من الضغوط السياسية التي تتعرض لها إدارة ترامب؟
ومن الناحية التحليلية، يمكن النظر إلى هذا الإعلان من ثلاثة أبعاد:
البعد الأول: إعادة توظيف العلاقة العسكرية في الصراع الحزبي الأمريكي.
يبدو أن ترامب يسعى إلى تقليل استخدام ملف المساعدات العسكرية لإسرائيل باعتباره نقطة خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين. فبدلا من استمرار تقديم المساعدات باعتبارها التزاما ماليا أمريكيا سنويا، يمكن أن تتحول العلاقة إلى نمط مختلف يعتمد بدرجة أكبر على المشتريات العسكرية الإسرائيلية المباشرة والتعاون الدفاعي والتكنولوجي.
البعد الثاني: نقل جزء من الأعباء المالية إلى إسرائيل.
إن وقف المساعدات قد يفرض على الحكومة الإسرائيلية إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الدفاعي، وتحديد الأسلحة والأنظمة العسكرية التي يمكن الاستمرار في شرائها، وتلك التي قد تضطر إلى تأجيلها أو تمويلها من الموازنة الإسرائيلية. وهذا قد يفتح نقاشا داخليا بشأن الضرائب والإنفاق العام والأولويات الاجتماعية والأمنية.
البعد الثالث: تزايد أهمية الرقابة التشريعية الأمريكية.
إذا جرى تقليص المساعدات المباشرة، فإن ذلك لا يعني انتهاء النفوذ الأمريكي على قطاع التسليح الإسرائيلي؛ فالمبيعات والتراخيص ونقل التكنولوجيا والتعاون الدفاعي تظل مرتبطة بإجراءات وموافقات ورقابة أمريكية. ولذلك فإن وجود كونغرس أكثر انتقادا لإسرائيل قد يؤثر في بعض جوانب التعاون العسكري، حتى إذا لم تكن تلك الصفقات ممولة من المساعدات الأمريكية.
ومن المهم هنا التمييز بين الإعلان السياسي عن إنهاء المساعدات وبين التنفيذ الفعلي؛ إذ إن مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية القائمة كانت تمتد إلى عام 2028، الأمر الذي يجعل كيفية إنهائها أو تعديلها وترتيباتها الانتقالية مسألة تحتاج إلى تفاهمات وإجراءات إضافية.
سابعا: صعود الأصوات الديمقراطية المنتقدة لإسرائيل.. تحول في بنية الموقف الأمريكي
من أبرز الدلالات التي أثارت قلق الإعلام الإسرائيلي فوز عدد من الشخصيات الديمقراطية التي تتبنى مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية، وتطالب بمراجعة المساعدات العسكرية الأمريكية، وتكتسب هذه الظاهرة أهميتها من أنها تعكس اتساع النقاش داخل الحزب الديمقراطي بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بعد أن كان الدعم التقليدي لها يحظى بتوافق نسبي بين قطاعات واسعة من الحزبين.
وقد سلطت التغطيات الضوء على فوز عبد السلام السيد (Abdul El-Sayed) في ولاية ميشيجان، إلى جانب صعود شخصيات تقدمية أخرى إلى الكونجرس، بعضها يتبنى مواقف أكثر تشددا بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وتبرز في هذا السياق دلالة مهمة تتعلق بالانتخابات الأمريكية لعام 2028؛ إذ يمكن أن تصبح القضية الإسرائيلية أحد الملفات المؤثرة في المنافسة داخل الحزب الديمقراطي، خصوصا في الانتخابات التمهيدية، حيث تتزايد أهمية مواقف المرشحين من الحرب والمساعدات العسكرية وحقوق الفلسطينيين.
وقد أشار تقرير تايمز أوف إسرائيل إلى أن بعض هذه التحولات تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي، وتمس طبيعة العلاقة بين إسرائيل والقاعدة التقليدية للحزب الديمقراطي، بما فيها قطاعات من الناخبين اليهود الأمريكيين.
ثامنًا: المعارضة الإسرائيلية تستثمر النتائج لمهاجمة نتنياهو
لم تقتصر التداعيات السياسية للانتخابات الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية ووسائل الإعلام، وإنما امتدت إلى المعارضة الإسرائيلية التي استثمرت النتائج في توجيه انتقادات مباشرة إلى بنيامين نتنياهو وسياساته الخارجية.
فقد اعتبر يائير جولان، زعيم حزب الديمقراطيين الإسرائيلي، أن نتائج الانتخابات الأمريكية تكشف عن تراجع مكانة نتنياهو لدى الديمقراطيين والجمهوريين على السواء، واستخدم تعبيرا شديد الانتقاد لوصف صورته السياسية في الولايات المتحدة، كما رأى يائير لابيد أن استمرار نتنياهو في السلطة قد يضر بالمكانة الدولية لإسرائيل، ويزيد من احتمالات تعرضها لضغوط وعزلة سياسية.
وتحمل هذه التصريحات دلالة تتجاوز التنافس الحزبي الإسرائيلي؛ إذ تحاول المعارضة الربط بين سياسات نتنياهو الداخلية والخارجية وبين تراجع قدرة إسرائيل على الحفاظ على علاقات متوازنة مع المؤسسات السياسية الأمريكية، ومن منظور تحليل النظم السياسية، فإن المعارضة الإسرائيلية تسعى إلى تحويل التغير في موازين القوى الأمريكية إلى ورقة ضغط داخلية، من خلال تقديم العلاقة مع واشنطن باعتبارها أحد معايير تقييم كفاءة الحكومة في حماية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026، والتي فقد فيها ائتلاف نتنياهو أغلبيته البرلمانية، ودخلت البلاد مرحلة جديدة من المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة. وبذلك تتزامن الضغوط الأمريكية مع حالة من عدم اليقين السياسي الداخلي في إسرائيل.
وهذا التزامن يضع نتنياهو أمام تحديين متداخلين: الأول يتعلق بإعادة بناء علاقاته مع المؤسسات الأمريكية في ظل سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس، والثاني يتعلق بمستقبله السياسي وقدرته على تشكيل حكومة جديدة والحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم.
تاسعا: القراءة الاستراتيجية للنتائج.. ما الذي تخشاه إسرائيل فعليا؟
يمكن استخلاص مجموعة من الدلالات الاستراتيجية من طريقة تناول وسائل الإعلام الإسرائيلية لنتائج الانتخابات الأمريكية، وهي دلالات تتجاوز مسألة خسارة الجمهوريين للأغلبية البرلمانية.
1- تراجع احتكار العلاقة مع الجمهوريين.
اعتمدت حكومة نتنياهو خلال السنوات الأخيرة على تعزيز علاقاتها بالتيار الجمهوري، وبخاصة التيار المحافظ المرتبط بترامب، وقد وفرت هذه العلاقة غطاء سياسيًّا مهما لعدد من المواقف الإسرائيلية في الملفات الإقليمية؛ لكن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس تجعل هذا النهج أكثر تكلفة، وتعيد طرح ضرورة التعامل مع الحزبين باعتبارهما شريكين أساسيين في صناعة القرار الأمريكي.
2- انتقال القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش التشريعي الأمريكي.
إن تنامي الأصوات المنتقدة لإسرائيل قد يمنح القضية الفلسطينية مساحة أوسع داخل الكونجرس، خصوصا فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية، والاستيطان، والأوضاع الإنسانية في غزة، والانتهاكات في الضفة الغربية، وقد تتجه بعض اللجان إلى عقد جلسات استماع ومناقشة تقارير تتعلق باستخدام الأسلحة الأمريكية في العمليات العسكرية الإسرائيلية.
3- تزايد احتمالات تقييد التعاون العسكري.
لا يرتبط القلق الإسرائيلي بالمساعدات المالية وحدها، وإنما بمستقبل التعاون العسكري والتكنولوجي، وإمكانية فرض شروط إضافية على بعض صفقات الأسلحة، فالولايات المتحدة تمثل شريكا محوريا في منظومة الأمن والدفاع الإسرائيلية، وأي تغير في طبيعة هذا التعاون ستكون له انعكاسات على التخطيط الدفاعي الإسرائيلي.
4- تراجع هامش المناورة في الملف الإيراني.
تخشى إسرائيل أن تؤدي التحولات داخل الكونجرس إلى زيادة القيود السياسية والمالية على خيارات إدارة ترامب في التعامل مع إيران، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل استمرار المواجهة الإقليمية، وتباين التقديرات بشأن تكاليف الحرب وأهدافها ومآلاتها.
5- تحول إسرائيل إلى موضوع للخلاف الحزبي الأمريكي.
من أخطر الدلالات التي يمكن استنتاجها من التغطية الإسرائيلية أن القضية لم تعد مجرد اختلاف بين الإدارات الأمريكية بشأن بعض تفاصيل السياسة الخارجية، وإنما أصبحت جزءا من الاستقطاب الحزبي الداخلي. وهذا يهدد أحد أهم عناصر القوة السياسية الإسرائيلية، وهو التوافق الأمريكي التقليدي على دعم أمن إسرائيل، حتى مع وجود خلافات حول سياسات حكوماتها.
6- تزايد أهمية الرأي العام الأمريكي.
لم يعد تحليل الموقف الأمريكي من إسرائيل مقتصرا على دراسة مواقف البيت الأبيض والكونجرس ومؤسسات الضغط السياسي، بل أصبح من الضروري الاهتمام بالتحولات داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيما بين الشباب والناخبين المستقلين والقطاعات التقدمية. فهذه التحولات قد تؤثر تدريجيا في توجهات الأحزاب وفي برامج المرشحين للانتخابات المقبلة.
وختامًا يبقى سؤال: هل تواجه إسرائيل أزمة في التحالف مع الولايات المتحدة أم أزمة في إدارة العلاقة معها؟
تكشف ردود فعل الإعلام الإسرائيلي على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عن إدراك متزايد بأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يواجه تحولات سياسية ومؤسسية لا يمكن اختزالها في خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية داخل الكونجرس، فقد أظهرت التغطيات الصحفية، ولا سيما في معاريف و«يديعوت أحرونوت ويسرائيل هيوم، أن القلق الإسرائيلي يرتبط بثلاثة متغيرات رئيسة: تراجع قدرة ترامب على تمرير سياساته من دون مواجهة برلمانية، واتساع قاعدة الديمقراطيين المنتقدين للمساعدات العسكرية لإسرائيل، وتزايد تأثير الحرب على إيران في تشكيل الرأي العام الأمريكي واتجاهات التصويت.
واللافت أن الإعلام الإسرائيلي لم يتعامل مع النتائج باعتبارها مجرد هزيمة انتخابية للجمهوريين، وإنما باعتبارها مؤشرا على احتمال إعادة تشكيل البيئة السياسية التي تتحرك فيها إسرائيل داخل الولايات المتحدة، فالمشكلة من وجهة النظر الإسرائيلية لا تكمن فقط في وجود إدارة أمريكية قد تختلف معها في بعض الملفات، وإنما في احتمال تراجع الإجماع الحزبي والمؤسسي الذي شكل لعقود أحد أهم ضمانات استمرار الدعم الأمريكي.
ومن هنا تبرز مفارقة سياسية مهمة: فقد حرص نتنياهو على بناء علاقة وثيقة مع ترامب باعتبارها وسيلة لتعزيز المصالح الإسرائيلية، لكن التحولات الانتخابية الأخيرة أظهرت المخاطر المحتملة المترتبة على ربط السياسة الخارجية الإسرائيلية بدرجة كبيرة بالتقارب مع رئيس أمريكي أو تيار حزبي واحد. فالعلاقة الاستراتيجية بين الدولتين لا تتحدد فقط بمواقف الرؤساء، بل تتأثر أيضا بالكونجرس، والرأي العام، والأحزاب، ومؤسسات الأمن والدفاع، ومراكز صنع القرار.
كما أن صعود الأصوات الأمريكية المنتقدة لإسرائيل يطرح تساؤلا أوسع بشأن مستقبل الدعم التقليدي لها، ومدى قدرة الحكومات الإسرائيلية على المحافظة على هذا الدعم في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتزايد الاهتمام الأمريكي بتكاليف الحروب الإقليمية وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
وبناء على ذلك، فإن نتائج الانتخابات تمثل اختبارًا للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وتكشف عن انتقالها إلى مرحلة تتطلب إعادة تقييم أدوات النفوذ السياسي الإسرائيلي في واشنطن. ولا يعني ذلك أن التحالف الاستراتيجي قد انتهى أو أن الولايات المتحدة تتجه حتما إلى التخلي عن إسرائيل، وإنما يعني أن استمرار هذا التحالف لم يعد بالضرورة مرادفا لتأييد جميع السياسات الإسرائيلية أو توفير دعم غير مشروط لها.
والخلاصة إن إسرائيل قرأت نتائج الانتخابات باعتبارها أكثر من هزيمة انتخابية لترامب؛ فقد رأت فيها إنذارًا بشأن مستقبل التوافق الأمريكي التقليدي حول إسرائيل، واحتمال انتقال العلاقة من مرحلة الدعم الحزبي الواسع إلى مرحلة أكثر تنافسية ورقابة ومساءلة، بما قد يفرض على الحكومات الإسرائيلية إعادة صياغة استراتيجيتها في التعامل مع المؤسسات الأمريكية.



