نحو برلمان أكثر إنصافًا: مطالب المرأة المصرية من ممثلاتها القادمات

د. راندة فخر الدين
تعريف العنف وفق المرجعيات الدولية
- الأمم المتحدة: ترى أن العنف هو استخدام القوة البدنية أو السلطة أو التهديد بهما ضد النفس أو الآخرين أو المجتمع، بما يؤدي أو يُحتمل أن يؤدي إلى أذى أو وفاة أو حرمان أو معاناة نفسية. كما عرّفت العنف ضد المرأة (إعلان 1993) بأنه أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس، يسبب أو يُحتمل أن يسبب أذى جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا للمرأة، بما في ذلك التهديد أو القسر أو الحرمان من الحرية في الحياة العامة أو الخاصة.
- منظمة الصحة العالمية (WHO): تُعرّف العنف بأنه الاستخدام المتعمّد للقوة البدنية أو القوة، بالتهديد أو الفعل، ضد النفس أو ضد شخص آخر أو جماعة أو مجتمع، مما قد يؤدي إلى إصابة أو وفاة أو ضرر نفسي أو حرمان أو سوء نمو. وتقسّم العنف إلى:
- موجّه للنفس (كالانتحار وإيذاء الذات).
- بين الأفراد (العنف الأسري، عنف الشريك، الاعتداء).
- جماعي (حروب، قمع سياسي، إرهاب).
أشكال وأنواع العنف
العنف ليس صورة واحدة جامدة، بل هو مجموعة من الممارسات والسلوكيات التي تختلف في الوسيلة والنتيجة، لكنها تشترك في شيء أساسي: استخدام القوة أو التهديد لإيذاء الآخر أو السيطرة عليه.
أول هذه الأشكال وأكثرها وضوحًا هو العنف الجسدي، الذي يظهر في الضرب أو الإيذاء البدني أو التسبب في إصابات متكررة، وهو الشكل الأكثر مباشرة الذي يترك علامات جسدية مرئية وآثارًا صحية قد تستمر لسنوات.
أما العنف النفسي أو العاطفي فهو أقل وضوحًا لكنه أكثر عمقًا في آثاره؛ إذ يشمل الإهانة المستمرة، السخرية، التهديد، العزل عن الأسرة أو الأصدقاء، وزعزعة ثقة الضحية بنفسها. هذا النوع قد يحوّل الضحية إلى شخص يعيش في خوف دائم، فاقدًا لقدرته على اتخاذ القرارات.
إلى جانب ذلك، هناك العنف الجنسي الذي يتمثل في الاغتصاب أو الإكراه على ممارسات جنسية غير مرغوبة، ويشمل الزواج القسري، وهو من أخطر أشكال الانتهاكات لأنه يمس خصوصية الجسد وكرامة الإنسان بشكل مباشر.
ويتفرع أيضًا العنف الاقتصادي، حيث يُحرم الشخص (غالبًا المرأة) من الحق في العمل، أو يتم الاستيلاء على دخله ومصادر رزقه، مما يضعه في دائرة اعتماد قسري على المعتدي، ويقلل فرصه في الاستقلالية والحياة الكريمة.
ومع تطور التكنولوجيا، ظهر نوع جديد هو العنف الرقمي، مثل الملاحقة عبر الإنترنت، التهديد بنشر صور خاصة، أو الابتزاز الإلكتروني، مما يعمّق شعور الضحية بعدم الأمان حتى في الفضاء الافتراضي.
وأخيرًا، هناك العنف المجتمعي أو المؤسسي، وهو العنف الذي تمارسه المؤسسات أو المجتمع من خلال التمييز أو القوانين غير المنصفة أو الممارسات الضارة مثل ختان الإناث وزواج الأطفال.
ومن زاوية أوسع، يندرج ضمن هذه الأنواع ما يُعرف بـ العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV)، وهو العنف الموجّه ضد شخص بسبب نوعه الاجتماعي أو دوره الجندري. وغالبًا ما تقع النساء ضحايا له، سواء من خلال العنف المنزلي من الشريك، أو التحرش في الأماكن العامة والعمل، أو حتى الممارسات التقليدية الضارة. وتؤكد الإحصاءات العالمية أن نحو امرأة من كل ثلاث نساء تعرّضت لشكل من أشكال العنف البدني أو الجنسي على يد الشريك أو غيره خلال حياتها.
أرقام ونِسَب
تُظهر الأرقام أن العنف ليس حوادث فردية متفرقة، بل هو ظاهرة واسعة الانتشار لها أثر عالمي. على الصعيد الدولي، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقارب 30% من النساء عالميًا (واحدة من كل ثلاث نساء) تعرضن لعنف بدني أو جنسي، وهي نسبة صادمة تكشف أن العنف مشكلة بنيوية وليست استثناءً.
أما في مصر، فتتضح الصورة من خلال المسوح الوطنية والدولية. فـ مسح الصحة والديموغرافيا لعام 2014 (EDHS) أظهر أن حوالي 30% من النساء المتزوجات سابقًا أو حاليًا في الفئة العمرية 15–49 سنة تعرضن لشكل من أشكال عنف الزوج، سواء كان جسديًا بنسبة 25%، أو نفسيًا بنسبة 19%، أو جنسيًا بنسبة 4%. هذه النسب تعكس أن العنف من الشريك الحميم مشكلة ممتدة ومتعددة الأبعاد.
وفي مسح هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2018، تبيّن أن حوالي 15% من النساء المصريات في نفس الفئة العمرية تعرضن لعنف جسدي أو جنسي خلال آخر 12 شهرًا فقط. الفارق بين النسبتين (30% مقابل 15%) يعكس الفرق بين قياس “مدى الحياة” وبين “آخر سنة”، وهو اختلاف طبيعي في منهجية الدراسات.
الأمر لا يقف عند حدود المعاناة الفردية، بل يمتد إلى المجتمع والاقتصاد؛ حيث قدّر مسح مشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والمجلس القومي للمرأة أن تكلفة العنف ضد النساء في مصر قد تصل إلى 6.15 مليار جنيه سنويًا، وهي أعباء تتحملها الدولة نتيجة الإصابات، فقدان الإنتاجية، والخدمات الصحية والقضائية المرتبطة بالضحايا.
الوضع القانوني الراهن في مصر — تقدّم وثغرات
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة بعض التقدّم في معالجة ظاهرة العنف عبر التشريعات. فمثلًا، جرائم التحرش الجنسي أدرجت بشكل واضح في قانون العقوبات بعد تعديلات عام 2014، وتزايد التشديد مع القانون 141 لسنة 2021 وتعديلات 2022 التي رفعت العقوبات لتكون أكثر ردعًا، مما عكس إدراكًا متزايدًا بخطورة الظاهرة.
أما فيما يتعلق بـ ختان الإناث، فقد عُدِّلت العقوبات عام 2021 بشكل كبير؛ إذ وصلت العقوبة إلى السجن ما بين 5 إلى 20 عامًا تبعًا لصفة الجاني وحجم الضرر، كما تمت معاقبة من يطلب أو يروّج للفعل، وهو ما يعكس محاولة جادة لتجريم هذه الممارسة بشكل صارم.
لكن ورغم هذه التعديلات، يظل العنف الأسري نقطة ضعف رئيسية في المنظومة التشريعية. فحتى الآن لا يوجد قانون مصري موحّد يعترف بالعنف الأسري كجريمة مستقلة لها آليات خاصة للحماية، مثل أوامر الحماية المدنية السريعة (إبعاد المعتدي، أوامر عدم التعرّض). وبدلًا من ذلك، تتوزع الأحكام على نصوص متفرقة داخل قانون العقوبات أو قوانين أخرى، وهو ما يترك ثغرات تشريعية قد تُعرّض الضحايا لمزيد من الخطر أثناء الإجراءات القانونية.
الاستراتيجيات الوطنية لمناهضة العنف
أدركت الدولة خطورة الظاهرة، فأطلق المجلس القومي للمرأة الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة (2015–2020)، التي قامت على أربعة محاور رئيسية:
- الوقاية والتوعية: وتشمل حملات إعلامية وتثقيفية لرفع وعي المجتمع بخطورة العنف وضرورة تغيّر الثقافة السائدة التي تتسامح معه أحيانًا.
- الحماية وتقديم الخدمات: عبر تطوير وحدات حماية المرأة في الشرطة، وتوفير خدمات الدعم النفسي والطبي، بالإضافة إلى إنشاء ملاجئ آمنة للنساء المعرضات للخطر.
- الملاحقة القانونية والمحاسبة: وذلك من خلال تدريب القضاة وأعضاء النيابة والشرطة على التعامل مع قضايا العنف، وتشديد الرقابة على تطبيق القوانين الخاصة بالتحرش وختان الإناث.
- التمكين الاقتصادي والاجتماعي: لمساعدة النساء على الاستقلال ماديًا وتقليل تبعيتهن للمعتدي، مما يرفع من قدرتهن على مواجهة العنف.
ورغم أن هذه الاستراتيجية مثلت نقلة مهمة، إلا أن استمرار الظاهرة بمعدلات مرتفعة يطرح تساؤلات حول كفاية الأدوات وضرورة تحديث هذه الاستراتيجية وربطها بتشريعات أكثر شمولًا.
الحاجة إلى قانون موحّد ومراجعة عادلة لقانون الأحوال الشخصية
تكشف التجربة المصرية أن غياب قانون شامل ومتكامل لمناهضة العنف الأسري يترك النساء في مواجهة مباشرة مع ثغرات قانونية قد تعيق حمايتهن. فالقوانين الحالية موزعة بين العقوبات، قانون الطفل، قوانين مكافحة الاتجار بالبشر، وغيرها، دون وجود إطار واحد يجمع بين التعريفات والإجراءات والحقوق. على سبيل المثال، لا يوجد نص واضح يعترف بالاغتصاب الزوجي كجريمة مستقلة، ولا توجد آلية موحّدة وسريعة لإصدار أوامر الحماية التي تمنع المعتدي من الاقتراب من الضحية.
إضافة إلى ذلك، فإن قانون الأحوال الشخصية في صورته الحالية لا يراعي بشكل كافٍ الأوضاع الخاصة بالنساء المعنفات. ترتيبات مثل الحضانة، النفقة، والولاية كثيرًا ما تتأثر بوقائع العنف، لكن النصوص القائمة لا توفر مرونة كافية ولا حماية مباشرة للضحايا.
لذلك، يصبح من الضروري سنّ قانون موحّد لمناهضة العنف الأسري والقائم على النوع الاجتماعي، يتضمن تعريفًا شاملاً لكل أشكال العنف، ويوفر مسارات قانونية واضحة لإصدار أوامر الحماية، وإنشاء نظام وطني للإحالة يشمل الشرطة والطب الشرعي ودور الإيواء والدعم النفسي والقانوني. كما ينبغي أن يلزم القانون الدولة بجمع بيانات دقيقة ومنتظمة لقياس حجم الظاهرة وفاعلية التدخلات.
إلى جانب ذلك، فإن مراجعة قانون الأحوال الشخصية ضرورة ملحّة؛ بحيث يضمن هذا القانون مصلحة الطفل أولًا، ويُبسط إجراءات النفقة والحضانة، ويعترف بأن وقائع العنف يجب أن تؤثر على قرارات تتعلق بالسكن أو الرعاية أو التعليم. كما ينبغي أن تتم هذه المراجعة عبر حوار مجتمعي واسع يشارك فيه ممثلو النساء ومنظمات المجتمع المدني لضمان أن يعكس القانون الجديد تطلعات وحقوق الجميع.
ملامح خطة/استراتيجية تنفيذية جديدة لمناهضة العنف
العنف القائم على النوع الاجتماعي ليس قضية قانونية فقط، بل هو قضية ثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة تحتاج إلى استراتيجية متكاملة. ولذلك فإن أي خطة جديدة يجب أن تجمع بين البعد الوقائي والبعد الحمائي والبعد التنموي.
- الوقاية والتغيير الثقافي:
الخطوة الأولى تكمن في تغيير الثقافة التي تسمح للعنف بالاستمرار أو تبرره باسم التقاليد أو الأعراف. ينبغي أن تبدأ الوقاية من المدرسة، من خلال إدماج مفاهيم المساواة وعدم العنف في المناهج الدراسية. كما يمكن للجامعات ووسائل الإعلام أن تلعب دورًا في نشر رسائل توعوية تُظهر أن العنف ليس شأنًا عائليًا خاصًا، بل جريمة تهدد المجتمع بأكمله. ولا يقل أهمية عن ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في حملات رقمية تفضح أشكال العنف الإلكتروني مثل الابتزاز والمطاردة.
- الحماية والاستجابة:
حين تقع الحوادث، لا بد من توفير حماية عاجلة وفعّالة للضحايا. وهذا يتطلب وجود أوامر حماية مدنية يمكن إصدارها بسرعة لإبعاد المعتدي ومنع تواصله مع الضحية. كما يجب إنشاء وحدات متخصصة في أقسام الشرطة مجهزة بغرف استجابة سريعة تتعامل بحساسية مع النساء والفتيات. وتحتاج الدولة أيضًا إلى شبكة ملاجئ آمنة مجهزة بالخدمات الأساسية، مع خطوط ساخنة يسهل الوصول إليها على مدار الساعة.
- الملاحقة والعدالة:
لا يكفي أن توجد قوانين، بل يجب أن تطبق بصرامة. هنا يأتي دور تدريب القضاة وأعضاء النيابة وضباط الشرطة على التعامل مع قضايا العنف الأسري بحرفية وحساسية. وينبغي تطوير أدلة إجرائية تراعي خصوصية الضحايا، وتمنع تعرضهن لمزيد من الأذى خلال التحقيقات. كما يجب ضمان تنفيذ العقوبات المشددة للتحرش وختان الإناث على أرض الواقع، بما يعزز ثقة الضحايا في المنظومة القضائية.
- التمكين والدعم الاقتصادي:
النساء اللواتي يتعرضن للعنف غالبًا ما يعتمدن اقتصاديًا على المعتدي، مما يجعلهن غير قادرات على الانفصال أو طلب الحماية. لذلك فإن أي استراتيجية ناجحة يجب أن توفر برامج تمكين اقتصادي للناجيات، مثل مشروعات صغيرة أو فرص عمل مدعومة، إلى جانب خدمات رعاية الأطفال التي تمكّن الأمهات من العمل واستعادة استقلاليتهن.
- البيانات والبحث:
لا يمكن وضع سياسات فعّالة دون بيانات دقيقة. ولهذا ينبغي إجراء مسوح دورية لقياس معدلات العنف على مدار الحياة وخلال آخر 12 شهرًا، إضافة إلى تقدير التكلفة الاقتصادية والاجتماعية بشكل مستمر. هذه البيانات ستساعد في قياس مدى نجاح التدخلات، وتوجيه الموارد إلى المجالات الأكثر احتياجًا.
بهذا الشكل تصبح الخطة التنفيذية أشبه بـ “خريطة طريق” متكاملة لا تكتفي بالرد على حوادث العنف بعد وقوعها، بل تعمل على منعها من الأساس، وفي الوقت نفسه توفر مظلة حماية وعدالة وتمكين للضحايا.
مسئولية المرشحات للبرلمان في دعم حقوق النساء
البرلمان هو السلطة التشريعية التي تملك صلاحية وضع القوانين ومراقبة تنفيذها، ومن ثم فإن وجود نساء فيه ليس مجرد تمثيل شكلي، بل ضرورة لضمان أن تُطرح قضايا النساء بجدية على أجندة التشريع والسياسة.
المرشحات للبرلمان يحملن على عاتقهن مسؤولية كبيرة، إذ يمكنهن:
- طرح مشاريع قوانين موحّدة لمناهضة العنف الأسري: من خلال خبرتهن المباشرة أو تواصلهن مع الناخبات، يعرفن حجم المعاناة الحقيقية التي تواجهها النساء، وبالتالي يستطعن صياغة قوانين أكثر واقعية وملائمة.
- الدفاع عن تعديلات عادلة لقانون الأحوال الشخصية: القوانين الأسرية غالبًا ما تكون معقدة ومتداخلة، والنساء البرلمانيات قادرات على الدفع نحو نصوص أكثر إنصافًا تضمن حقوق الطفل والمرأة، وتراعي ظروف الأسر التي تعاني من العنف.
- الرقابة البرلمانية: للبرلمان دور رقابي لا يقل أهمية عن التشريع. وجود نساء برلمانيات يمكّن من متابعة تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية وخطط الوزارات، والتأكد من أن المخصصات المالية تُصرف بالفعل على برامج الحماية والتمكين.
- رفع الوعي المجتمعي: المرشحات لا يعملن فقط تحت قبة البرلمان، بل في دوائر انتخابية واسعة. ومن خلال اللقاءات المجتمعية يمكنهن نشر الوعي بحقوق النساء، وتقديم صورة مختلفة عن القيادة النسائية التي لا تقتصر على الشأن السياسي بل تمتد إلى حياة المواطنات اليومية.
إن وجود عدد كافٍ من النساء في البرلمان يساهم في تمرير تشريعات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي، ويُظهر التزام الدولة بالتمكين السياسي للمرأة. لكنه في الوقت نفسه يرسل رسالة للمجتمع أن النساء قادرات على حمل مسؤوليات تشريعية ورقابية، وبالتالي يكسر الصور النمطية التقليدية.
ختاما
العنف ضد المرأة قضية انسانية واجتماعية واقتصادية كبرى. أرقامه صادمة عالميًا ومحليًا، وآثاره مدمّرة على الأفراد والمجتمعات. ورغم التقدم التشريعي، فإن غياب قانون شامل يظل ثغرة كبيرة. لذلك فإن طموحات البرلمانيات في مصر يجب أن تتركّز على إقرار قانون موحّد لمناهضة العنف، ومراجعة عادلة لقانون الأحوال الشخصية، وربط هذه التشريعات باستراتيجيات فعّالة للوقاية والحماية والتمكين.
إن مواجهة العنف ليست قضية نساء فقط، بل قضية مجتمع كامل، وفرصة لبناء مستقبل تُصان فيه الكرامة وتتحقق فيه العدالة.



