رأي

هديل فتحي المسارعي تكتب: مصر التي نعرفها لا تخذل غزة

في لحظة من أكثر لحظات التاريخ قسوة، حين اختلط الغبار بصوت القصف، وتاهت الدروب وكان الموت يطل من بين الركام، كان لا بد من يدٍ تمتد من بعيد؛ لا لتمسح الدموع فقط، بل لتقول إننا لسنا وحدنا في هذا الجحيم، في تلك اللحظة التي اشتعل فيها لهيب الحرب في غزة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، كانت مصر كما عهدناها دائمًا، مدت يدها – قيادةً وشعبًا – لتكون الحاضنة الكبرى، كما كانت منذ نكبة 1948 وحتى  الآن، كلما تتكرر المآسي وتتجدد الأحزان تكون مصر أول من تمسح الدعم وتمد اليد معلنة أن الأخوة باقية إلى الأبد.

 اقرأ أيضا: العميد عماد اليماني يكتب: الدور المصري في القضية الفلسطينية.. تاريخ من الالتزام ومواقف تتجدد

لم يكن الدعم المصري مجرد سياسة أو دبلوماسية، بل كان دفئًا إنسانيًا صادقًا، امتزج بالوجدان الفلسطيني حتى بات ملموسًا في أبسط تفاصيل الحياة. عبر معبر رفح، الذي كثيرًا ما بدا لنا نافذة ضوء في جدار الظلمة، انطلقت قوافل المساعدات المصرية تحمل على عاتقها خبزًا ودواءً، لكنها قبل كل شيء، حملت رسالة حب ومواساة من قلوب المصريين.

كم من مرة ارتسمت ابتسامة على وجه طفلٍ حين تسلّم طردًا يحمل عبارة “تحيا مصر”! لم تكن مجرد عبارة وطنية، أو شعارًا سياسيًا، بل كانت نداءً صادقًا بأن غزة في القلب، وأن المصريين لا يتركون أهلهم وقت الشدائد. لقد حملت تلك الصناديق الصغيرة طيفًا من الكرامة، وشعورًا بأن هناك من يساندك حين تُخذل، ويمنحك القوة حين توشك على الانهيار، ويربت على كتفيه ليخفف الألم.

اليوم، ومع تفاقم المجاعة، تعود مصر لتفتح المعابر وتبتكر المسارات وتنسق مع المنظمات الدولية لتصل القوافل إلى من ينتظرها خلف أنقاض البيوت وجدران الخوف. بتنسيقها مع الهلال الأحمر والأمم المتحدة، تبرهن القاهرة على أن دورها لا ينبع من حسابات سياسية ضيقة؛ بل من إيمان عميق بالحق والإنسان.

لكن الموقف المصري لم يقف عند حدود الغذاء والدواء، بل تجاوزه إلى ما هو أعمق: حماية الكرامة الفلسطينية من مخططات التهجير والتصفية. رفضت مصر، رغم كل الضغوط، أن تكون جزءًا من حل يُبقي الفلسطينيين بلا وطن، ورفضت أن تتحول سيناء إلى مكبّ لمعاناة غزة. بهذا الموقف، أكدت مصر أنها ليست فقط جارة؛ بل حامية وصاحبة مبدأ، تقف حيث يجب أن يقف الشرفاء.

وعلى المستوى الإنساني، يصعب على من يمر عبر رفح إلى القاهرة أن ينسى ما يلقاه من أهل هذه الأرض الطيبة. يكفي أن تقول “أنا من غزة”، لتُفتح لك القلوب قبل الأبواب، وتُقدم لك الضيافة قبل السؤال. مشاهد التضامن، والمشاركة في الوجع، والمقاطعة الشعبية للمنتجات الداعمة للعدوان، كلّها ترسم صورة لشعب يرى في الفلسطيني مرآة لألمه، وامتدادًا لعروبته.

في الشوارع، وعلى نوافذ السيارات، وعلى أبواب البيوت، يرفرف علم فلسطين، وكأن القاهرة كلها تقول “أنتم لستم غرباء”. هذا الحضور الكثيف لفلسطين في وجدان المصريين، هو ما يجعلنا نشعر بأننا في حضن أمٍ لا تنام حين يتألم أولادها.

ومن هنا، من بين الركام ومن تحت ظلال الخوف، نرفع صوتنا بالشكر. شكرًا لمصر التي لم تكتفِ بالمواقف؛ بل جعلت من الدعم عقيدة، ومن التضامن فعلًا، ومن الأخوّة سلوكًا يوميًا لا يعرف التراجع. شكرًا لمصر التي بقيت على العهد، التي آمنت بأن فلسطين ليست “قضية” فقط؛ بل جزء من الهوية والمصير.

شكرًا يا مصر… لأنكِ بقيتِ كما عرفناكِ دومًا: وطنًا لكل مظلوم، وملاذًا لكل مكسور.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى