رأي

ليلى موسى تكتب..الأزمة الأوكرانية وتغيير موازين القوى في سوريا

الكاتبة سياسية كردية وممثلة مجلس سوريا الديمقراطية بمصر.. خاص منصة العرب

في ظل تطورات الأزمة الأوكرانية، وتوتر العلاقات الروسية والأمريكية -الغربية، وصدور تصريحات عن غزو روسي وشيك على أوكرانيا، حيث صرح مستشار الرئيس الأمريكي جو بايدن للأمن القومي جيك ساليفان: الغزو الروسي لأوكرانيا قد يحدث خلال الألعاب الأولمبية ونحن جاهزون لكل السيناريوهات. لا نستطيع تحديد اليوم أو الساعة لذلك. ولا يمكن التكهن بما يفكر به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، إلى جانب إجلاء بعضاً من الدول الغربية والعربية رعاياها منها، بالإضافة إلى إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية حيث أعلنت أمريكا عن إرسال ثلاثة آلاف جندي إضافي إلى بولندا على خلفية التوتر الروسي –الأوكراني.

بالإضافة إلى تجديد أمريكا لتهديداتها ضد روسيا بالمزيد من العقوبات الاقتصادية على لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن عقب اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووصفها بأنها ستكون “عواقب ضخمة” حال شن الجانب الروسي المزيد من العدوان ضد أوكرانيا.

بالإضافة الى تحذيرات أمريكية من مغبة هكذا غزو بتوجيه المنطقة نحو المزيد من الفوضى والصراع على لسان الجنرال الأمريكي مايكل إريك كوريلا “إذا غزت روسيا أوكرانيا فقد يؤدي ذلك إلى عدم استقرار أوسع في الشرق الأوسط بما في ذلك سوريـا.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ هل ستلقي الأزمة الأوكرانية بظلالها في حال حدوث حرب على اختلاف موازين القوى في الشرق الأوسط وبشكل خاص في سوريا؟ وهل سنجد وضوح السياسة والاستراتيجية الأمريكية في سوريا وتتصدر الأزمة السورية أولويات أمريكا التي طالما وصِفَتْ بالغموض وعدم الوضوح؟ وهل نحن أمام مشهد جديد لنقل مركز الصراع؟

روسيا التي استغلت الغياب الجزئي لأمريكا عن المشهد السوري، والتي كانت بداية للعودة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، والاستفادة من فترة رئاسة دونالد ترامب مستخدمة صلاحياته الرئاسية بالتوسع أكثر في مناطق النفوذ الأمريكي شرق الفرات، ومستغلة الغزو التركي على منطقتي سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، إلى جانب استغلال أطماع أردوغان العثمانية التاريخية باستعادة أوهامه التاريخية طالما لم تحقق له أمريكيا بشكل كلّي سعياً منها بتحقيق توازن بينها وبين حلفاءها المحليين في محاربة الإرهاب قوات سوريا الديمقراطية.

هذا إلى جانب استغلال روسيا الخلافات التركية الأمريكية في العديد من المسائل وأهمها الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها تركيا وجودها على حدودها الجنوبية تهديداً لأمنها القومي، وبيع تركيا منظومة إس 400 لكسبها إلى المحور الروسي على حساب الناتو، وعقد العديد من المقايضات مع الأتراك عزز من وجودها في سوريا من خلال محور آستانا وسوتشي.

وبالرغم من الاتفاق الروسي مع الأمريكي والأوروبي على حماية الأمن القومي الإسرائيلي أولاً، وذلك عبر تحجيم الدور الإيراني وإعطاء بعض من احداثيات المواقع الإيرانية لإسرائيل، لم يمنع الروس من استغلال التواجد الإيراني وكسبها إلى محورها والاستفادة منها كتهديد للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.

فالوجود الروسي وتوسعه على حساب المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ومنحها دور أكبر لإيران وتركيا وتحولهما إلى دولتين إقليميتين مارقتين يشكلان تهديداً لمصالح أمريكا وأوروبا بعدما ما كانتا تؤديان دوراً وظيفياً، وتضخيم لدور الإيراني والتركي في المنطقة بعد ما يسمى بربيع العربي ربما تأتي في أحدى جزيئاتها إلى غياب المحور العربي وفاعليته لانشغال الكثير من الدول العربية بمشاكلها الداخلية وحالة الانكماش على الذات في مسعى لحماية أمنهم القومي في مواجهة التوجهات الإسلاموية الإرهابية وغيرها من القضايا التي تمس أمنهم القومي.

فالولايات المتحدة الأمريكية بعدما غيّرت من استراتيجياتها العسكرية إلى الدبلوماسية، وذلك عبر إنهاك خصومها من خلال فرض العقوبات الاقتصادية لاستنزافها داخلياً لتكون بحاجة إلى عقود من الزمن حتى تستعيد عافيتها وايصالها لمرحلة من العجز تجبرها على الخضوع لمطالبها، ربما وجدت في استراتيجياتها وفق سياساتها البراغماتية بتحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع ولعقود من الزمن وبأقل خسائر، وربما جني ثمار تلك السياسة تكون غير مباشرة على عكس العسكرية ولزمن طويل لكنها اثبت فاعليتها.

ليلى-موسى-الأزمة-الأوكرانية-سوريا
ليلى-موسى-الأزمة-الأوكرانية-سوريا

وما الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وسيطرة طالبان، واستفزازاتها بدفع الروس إلى غزو أوكرانيا ربما كان الهدف خلق بؤر للتوتر لتشكل تهديداً مباشراً على الأمن القومي لخصومها ومنهم روسيا وإيران والصين، بحيث تكون بمثابة بوصلة توجه تلك الخصوم إلى الانشغال بالمسائل الداخلية وتخفيفاً من تدخلاتهم الخارجية، ودفع تركيا عبر منحها بعضاً من الامتيازات لحكومة العدالة والتنمية مستغلة أوضاعها الاقتصادية وزيادة المعارضة الداخلية لها بعد فشلها في سياساتها الخارجية وما خلفته من تداعيات سلبية على أوضاعها الداخلية، وتركيا تعلم جيداً بأن أي خطوة منها بتراجع عن تدخلاتها الخارجية لن يبقى أردوغان في السلطة طويلاً. لذا، تركيا وأردوغان بحاجة دائماً إلى إلهاء الشعب والترويج على أنه يعمل على حماية الأمن القومي وذلك عبر التدخلات الخارجية. وهذا ما شاهدناه عبر تسليم تركيا تأمين مطار كابول، مستغلة علاقة حزب العدالة والتنمية بالتنظيميات الإسلاموية “الإرهابية” كدولة في الناتو للحفاظ على أمنها وسلمها –أمريكا- من تلك التنظيمات، وربما تستخدم تركيا في المواجهة الروسية في أوكرانيا وتركيا مضطرة هنا لاختيار أحدى المحورين والزمن اللعب على المتناقضات بين الخصوم طالما لجأت إليها خلال الأزمة السورية انتهت، وفقاً للمعطيات بالرغم من الخسائر التي قد تلحق بها في حال معاداتها لروسيا لكنها مجبرة على الإبقاء ضمن محور الناتو لأسباب اقتصادية وغيرها من الأسباب تجبر العدالة والتنمية على الانصياع للمطالب الأمريكية الغربية وما عدم استكمال صفقة إس 400 مثال على ذلك، وبالتالي ضرب العلاقات الروسية التركية في سوريا وخلق المزيد من الصراع والتوتر وعدم الاستقرار هذا ما نفهمه من تصريح الجنرال مايكل كوريلا.

فتعزيز الوجود الأمريكي في سوريا بحاجة إلى حلفاء إقليمين مساهمين في تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالأزمة السورية 2254 وهذا ما لم يكن يتحقق إلا من خلال وجود بديل بعد تحول إيران وتركيا إلى دولتين مارقتين وما سيخلفه من فراغ حال نشب صراع تركي –روسي في سوريا. وجود محور استانا وسوتشي يشكل عائقاً أمام هذه القرارات. لذا العملية بحاجة إلى نسف هذا المحور، وباعتقادي البديل سيكون عبر استعادة المحور العربي لدوره في المنطقة والذي بات ضرورياً وملحاً.

ليلى-موسى-الأزمة-الأوكرانية-سوريا
ليلى-موسى-الأزمة-الأوكرانية-سوريا

وما التراخي الأمريكي وإبداء الليونة حيّال تمرير خط الغاز عبر سوريا مستثنياً من عقوبات قانون القيصر، والانفتاح العربي على سلطة دمشق، ربما يندرج ذلك ضمن هذه الجزيئة، والشراكة الأمريكية الاستراتيجية مع قطر لتوريد الغاز لأوروبا بديلا عن الغاز الروسي.

ربما يدفع البعض إلى التساؤل بأن الانفتاح العربي على سلطة دمشق كانت بدفع روسيا، صحيح ولكنها دفع ومطالب روسيا تناقض تطلعات والمطالبات العربية لذا الموقف الأمريكي سيكون الأقرب إلى التوجه العربي وخاص في ظل وجود دول عربية ترفض بشكل مطلق عودة سلطة دمشق دون تنازلات وشروط على عكس التوجهات الروسية.

وتحريك الجبهات على الحدود الروسية وتهديد أمنها القومي وفرض المزيد من العقوبات عليها والتي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية متردية، ولم يعد بمقدورها دفع فاتورة الحرب السورية، وهي بأمس الحاجة إلى حلحلة الأزمة السورية بأقرب وقت. وما تعنت الروسي  وتمسكها بسلطة دمشق ورفض أي تعديل لصلاحيات الرئيس حيث عبر عنه قال مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف “إذا سعى شخص ما إلى هدف وضع دستور جديد من أجل تغيير صلاحيات الرئيس، وبالتالي محاولة تغيير السلطة في دمشق، فإن هذا الطريق لا يؤدي إلى شيء”. سوى مسعى منها لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح.

النجاح الأمريكي في التوجه الروسي نحو الداخل وانشغالها بحماية أمنها القومي ليس بالسهولة ولن يكون في المدى المنظور، ولكنه في حال تحقق ذلك سيخفف من تعنتها وتمسكها بالنظام ودفعها إلى الاستجابة للمطالب الدولية، مما سيمهد ويسهل الطريق أمام التقدم بعودة سوريا إلى المحور العربي وفق القرارات الدولية والمطالبات العربية.

وكما أن الوجود العربي يعزز من دفع وتسهيل عملية الانتقال السياسي وفق القرارات الدولية لكونه مقبول من قبل غالبية السوريين والدول الفاعلة في الأزمة السورية، بالإضافة إلى أن الوجود العربي لا يحمل أية أطماع توسعية احتلالية بل سيضمن وحدة الجغرافية والشعب السوري كما أنه ضمانة لحماية الأمن القومي الإسرائيلي والعربي من التهديد الإيراني.

وانفتاح بعض الدول العربية مع إسرائيل وعمليات التطبيع ربما سيخدم تشكيل جبهة مشتركة في مواجهة إيراني عدو مشترك. إلى جانب المساعي بإعادة العلاقات العربية التركية في مسعى لها في هذا الاتجاه تمهيداً لفتح صفحة جديدة من العلاقات لما بعد حكومة العدالة والتنمية.

كون استراتيجية العدالة والتنمية المبنية على الجماعات الإسلاموية المتطرفة وهي ما تناهض الاستراتيجيات العربية والإفريقية المناهضة لهذا التوجه الاستراتيجي والتي وصلت إلى طريق مسدود كما أن تحول تركيا بقيادة العدالة والتنمية إلى مارقة ترهق مصالح الأمريكية في المنطقة لذا ربما نكون 2023 مع حكومة جديدة مدنية ومنسجمة أكثر مع لتوجهات الدولية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى