رأي

صبرى الديب  يكتب.. حتى لا ننسى.. 56 عامًا على “مجزرة العار”

لا أعتقد أن العالم شهد على مدار تاريخه “كيانًا” بخسة ووضاعة وقذارة وجُرم “الكيان الصهيونى” الذى لم يتوان منذ تأسيسه عن قتل الأطفال والشيوخ، وتدمير كل ما هو أخضر ويابس، فى مقابل ترسيخ واقع استعمارى على الأرض.

فقبل 56 عامًا، وتحديدًا فى 8 أبريل عام 1970، أراد العدو “الإسرائيلى” أن يضع حدًا لنجاحات القوات المسلحة المصرية خلال حرب الاستنزاف، وإجبار القيادة المصرية على القبول بمبادرة “روجرز” لوقف إطلاق النار، فشنَّ هجومًا وحشيًا بـ5 طائرات فانتوم “إف- 4” على مدرسة ابتدائية صغيرة تحوى 86 طفلًا، بقرية “بحر البقر” تابعة لمركز الحسينية بمحافظة الشرقية، فقتل منهم 30 بريئًا وأصاب 50 آخرين.

الطيران الحربى الإسرائيلى الذى حلّق على ارتفاع منخفض للغاية، استهدف مدرسة الأطفال المصرية المكونة من 3 فصول، بـ 5 قنابل زنة 1000 رطل، وصاروخين، حوّلت المبنى الصغير إلى ركام، اختلط فيه حطام المدرسة بجثث وأشلاء “زهور” أغرقت دماؤهم البريئة عشرات الكراسات التى خطت أيديهم الطاهرة بداخلها حروفًا لا تعرف معنى الكُره أو الحقد أو الحرب أو الصراعات.

وعلى الرغم من بشاعة الجُرم الذى ارتكبه الصهاينة، الذي لم ينج منه سوى 6 أطفال فقط ممن كانوا بالمدرسة، وتدخلت العناية الإلهية فى إنقاذ 44 طفلًا غابوا عن الحضور فى ذلك اليوم، فقد خرج المتحدث العسكرى الإسرائيلي المجرم مساء اليوم نفسه، وادعى كذبًا “أن الطائرات الإسرائيلية لم تضرب سوى أهداف عسكرية في غارتها على الأراضي المصرية”.

وكعادة قادة الكيان الصهيوني الذين يتنفسون كذبًا، خرج وزير الدفاع الاسرائيلى السفاح “موشى ديان” وأعلن عبر راديو إسرائيل فى اليوم الثانى للمذبحة “أن المدرسة المصرية التي ضربتها طائرات الفانتوم الإسرائيلية، كانت قاعدة عسكرية، وأن المصريين وضعوا الأطفال فيها للتمويه”.

وفى محاولة لتضليل الرأى العام العالمى الغاضب، ومحو معالم الجريمة الإنسانية التي ستظل عالقة بقادة الكيان الصهيونى أبد الدهر، وجّه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، الكذاب “يوسف تكواه” رسالة للمنظمة الدولية قال فيها إن “تلاميذ المدرسة الابتدائية كانوا يرتدون زيًا كاكى اللون، ويتلقون تدريبًا عسكريًا”. فى الوقت الذى ادعى فيه راديو إسرائيل “أن ضحايا المدرسة كانوا أعضاء في منظمة تخريبية عسكرية”.

وعلى الرغم من محاولات التضليل الإسرائيلية، فإن بشاعة المجزرة أحدثت ردود فعل غاضبة وعنيفة وأليمة فى مصر والعالم، حيث اعتبرتها القيادة السياسية المصرية محاولة غير إنسانية لإجبارها على القبول بـ “مبادرة روجرز” ووقف الهجمات العسكرية المصرية على المواقع الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف، وسارعت بتقديم مذكرة احتجاج للأمم المتحدة، طالبت فيها بعقد اجتماع طارئ للدول الأعضاء لمناقشة أبعاد الجريمة، التى جاءت بعد شهرين فقط من المجزرة الإسرائيلية بمصنع “أبو زعبل” التى سقط خلالها 70 شهيدًا مدنيًا من البسطاء المصريين.

إلا أن أكثر ردود الفعل تأثيرًا على الرأي العام المصرى والعالمى فى ذلك الوقت، جاءت من الـ 50 طفلاً الذين نجوا من مجزرة بحر البقر، حيث قاموا بإرسال رسالة أليمة إلى “بات نيكسون” زوجة الرئيس الأمريكى قالوا فيها: “هل تقبلين أن تقتل طائرات الفانتوم أطفال أمريكا؟.. هل تقبلين أن تقتل الطائرات أبناءك جولى وتريشيا؟.. هل تقبلين أن تقتل الطائرات أحفادك؟.. هل تعلمين ماذا فعل زوجك بأطفال مدرسة بحر البقر؟”.

وعلى الرغم رد الفعل الدولى “الرسمى” المخزى من المجزرة الإسرائيلية، فإن رد الفعل “الشعبى” الغاضب فى العالم، كان له أثر واضح داخل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، حيث أجبر الرئيس الامريكى “نيكسون” على تأجيل صفقة طائرات حديثة كان مقررًا أن تحصل عليها تل أبيب، وأجبر الإسرائيليين على الحد من الغارات على المواقع المصرية، ومكّن القوات المسلحة المصرية من بناء حائط الصواريخ العملاق، الذى أسقط العديد من الطائرات الإسرائيلية فى حرب أكتوبر عام 1973.

ولو أن هناك عدالة دولية، لكانت الاعترافات التي أدلت بها الإسرائيلية “آمي حاييم” التى أسقطت طائرتها الفانتوم فوق مدينة بورسعيد خلال حرب أكتوبر 1973، كفيلة بمفردها بمحاكمة قادة العدو الصهيونى بأكملهم أمام محكمة العدل الدولية، حيث اعترفت “أنها شاركت فى قصف مدرسة بحر البقر، وأن القصف كان عمدًا، وأنهم كانوا يعلمون أنهم يستهدفون مدرسة ابتدائية تضم أطفالًا، وليس موقعًا عسكريًا كما ادعى قادة الكيان الصهيونى”.

ورغم مرور كل هذه السنوات، ستظل متعلقات أطفال “بحر البقر” حية بداخل متحف الشرقية القومى بقرية “هرية رزنة” بالزقازيق، تُذكّر ملايين المصريين يوميًا بمدى بشاعة وخسة ووضاعة وجرم الكيان الصهيونى، وإن كره المطبّعون.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى