صبري الديب يكتب.. شيطان برتبة “رئيس”

هل من عاقل على وجه الأرض يستطيع أن يجزم بأن استراتيجية القتل والدمار والخراب التي يمارسها نتنياهو بدعم أمريكي غربي غير محدود، من الممكن أن تكون طبيعية؟
وهل من بشر متزن، من الممكن أن يستوعب أن ما يفعله نتنياهو وترامب وقادة غربيون، من الممكن أن يكون طبيعيًا، رغم فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية الضخمة، التي تتكبدها تلك الدول؟
وهل من إنسان سوي، يستطيع أن يتصور أن كل هذا الكم من الاستنزاف والدمار والخراب، ما زالت يتم من أجل فرض وتثبيت واقع استعماري توسعي إسرائيلي مقيت في القرن الحادي والعشرين؟
العجيب أن الإجابة التي لا تتماشى مع العقل تقول “نعم” وأن التاريخ ملئ بآلاف الشياطين من قادة الدم، على ذات شاكة نتنياهو وترامب وحكام الغرب، الذين لا يعنيهم سوي السيطرة والهيمنة والتوسع، وإن طال الدمار والخراب شعوبهم.
فيحكي التاريخ، أنه في عام 1347 ميلادي، حرّكت الإمبراطورية المغولية جيشًا ضخمًا تحت قيادة شيطان في صورة قائد يدعى “جاني بيج” بهدف احتلال “أوروبا” التي كانت في ذلك الوقت غارقة في بحور من الصراعات والمجاعات، أدت بها إلى حالة كارثية من الوهن والضعف.
وبالفعل، تقدم الجيش المغولي مدعومًا برجال وعتاد ضخمة، إلى أن وصل إلى مشارف مدينة “كافا” في شبه جزيرة القرم بالبحر الأسود، إلا أنهم فوجئوا بمقاومة شرسة، جعلت “جاني بيج” يتخذ قرارًا بمحاصرة المدينة، مراهنًا على سقوطها بعد أيام، بفعل نقص المياه والطعام وكل متطلبات الحياة، مثلما يحدث الآن في غزة.
وبدأت الأيام الشهور تمر، و”بيج” ينتظر سقوط “كافا” إلى أن مرَّ عام كامل، ووجد القائد الشيطان نفسه في حيرة، بعد أن بدأ الطاعون ينتشر بين جنوده، وبدأوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر، إلى أن أصبح لديه عدد هائل من الجثث المتحللة، وأدرك أن الهزيمة قادمة لا محالة، في ظل صمود أهالي المدينة، فاتخذ قرارًا بالانسحاب.
إلا أن “القائد الدموي” عزَّ عليه أن يترك الميدان دون أن يُشبع رغبته “اللا إنسانية” في القتل والدمار والإبادة – تماما مثلما يفعل نتنياهو – فقرر أن ينفّذ أول “حرب بيولوجية” في التاريخ ضد أهالي “كافا”.
وبالفعل أمر جنوده بجمع كل جثث زملائهم المتحللة، التي أصبحت بمثابة قنابل مليئة بالطاعون، وقام بتحميلها على أسلحة المنجنيق الضخمة، وألقى بها في أماكن متفرقة من مدينة “كافا”، حيث أصيب السكان بالهلع، وبدأوا في الهروب من المدينة بعد أن أصابهم الطاعون، حيث كانت وجهتهم الأولى إلى مدينة “سيينا” الإيطالية، التي بدأوا منها نشر المرض إلى كل دول أوربا، إلى أن حصد الطاعون ما يزيد على 50% من سكان القارة العجوز.
ومن أوربا بدأ الطاعون في الانتشار في كل دول العالم، إلى أن وصل إلى “قارة آسيا” وحصد أرواح ما يزيد على 50% من سكانها، ووصل إلى مصر ودول شمال إفريقيا وحصد ما يقرب من 60% من سكانها، ولم ينج من الوباء سوى سكان الأمريكيتين، حيث وقف “المحيط الأطلنطي” كمانع طبيعي في الوصول إليهم.
وعلى الرغم من أن “الإمبراطورية المغولية” خلّفت في تاريخ حروبها الدموية ما يقرب من 40 مليون قتيل، فإن الطاعون الذي نشره “بيج” حصد أرواح أضعاف أضعاف هذا الرقم بكثير، لدرجة أن بعض المراجع قدرت عدد الضحايا في ذلك الوقت، بما يزيد على الـ 200 مليون قتيل.
حيث بدت شوارع أوروبا مكتظة بالجثث المتعفنة، بعد أن عجزت الحكومات عن دفنها، ما دفع “البابا كليمنت السادس” الذي كان معروفًا في ذلك الوقت بجديته وامتلاكه لثروة ضخمة، وتحكمه في كثير من الجيوش، إلى شراء حقول شاسعة لدفن الجثث، وعندما ضاق به الحال ولم يجد مكانًا للدفن، اضطر لإلقاء الجثث في “نهر رون” الذي تحول إلى “قاتل متحرك” حمل معه الموت إلى كل مكان مر به في أوروبا.
ولم تنحسر كارثة الطاعون إلا مع اكتشاف المضادات الحيوية في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، ورغم ذلك لا يزال الفيروس متوطنًا في دول مثل “بيرو، والكونغو الديمقراطية، ومدغشقر” ويحصد أرواح المئات سنويًا.
للأسف.. إن قصة القائد المغولي الدموي الذي ضحى بالمئات من جنوده وتركهم يتساقطون بفعل الطاعون، في مقابل حلم توسّعي، يؤكد أن “نتنياهو وترامب وقادة غربيون” لا يعنيهم حجم الضحايا، وإلى أي مدى قد تتسع رقعة الخراب، بل يعنيهم الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية، وإن كان ذلك على حساب أروح الآلاف من شعوبهم.
أي أن التاريخ يقول، أن القادم في الصراع مع إسرائيل قد يكون الأسوأ، بأيدى شياطين برتبة رؤوساء، يقبعون على رأس الحكم في أمريكا وإسرائيل ودول غربية.. وكفى.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



