رأي

صبرى الديب يكتب.. سياسة “ولاد الهرمة”

هناك سياسة شهيرة معروفة في التاريخ تُسمى بسياسة “ولاد الهرمة”، ابتدعها الخليفة “أبو جعفر المنصور” مع شاعره المفضل “إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة الكناني القرشي”، خلال العصر العباسي. لا تحوي هذه السياسة سوى العهر والفجور والكذب ولَيّ الحقائق طبقًا للمصالح، تمامًا مثلما يفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذه الأيام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يتعلق بملف الإبادة في غزة.

فيروي التاريخ أن الخليفة “أبا جعفر المنصور” كان مغرمًا بالشاعر الفذ “ابن هرمة”، الذي عُرف عنه العهر والفجور والعربدة والسُّكر، إلى جانب خفة الظل وبراعة الشعر، التي دفعت الأصمعي إلى القول: “خُتم الشعر بابن هرمة”.

ورغم ولع المنصور بخفة ظل وشعر “ابن هرمة”، إلا أن سلوكه المفضوح لعامة الشعب فرض على الخليفة جعل علاقتهما سرّية للغاية، ولا يعلمها سوى حاشيته المقرّبة، الذين ظلوا لسنوات يُسهّلون للشاعر الفذ دخول القصر بعد حلول الظلام، ليشارك في جلسات الخليفة، ويخرج في ساعة متأخرة من الليل وهو يترنح من كثرة شرب الخمر، ويتم القبض عليه في أغلب الأحيان.

اقرأ أيضا: صبري الديب يكتب.. رعب التحركات المصرية في سيناء

ولأن “ابن هرمة” كان حريصًا على سرية علاقته بالمنصور، فقد كان يضطر حين ضبطه مترنحا إلى الذهاب في هدوء مع العسس، ويظل قيد الحبس لحين عرضه على القاضي، الذي كان دائمًا ما يأمر بإقامة الحد عليه، إلى أن يتدخل الخليفة في اللحظات الأخيرة ويقوم بالإفراج عنه.

غير أن كثرة القبض على “ابن هرمة” وتدخل الخليفة لإطلاق سراحه وضعتهما معًا في حرج أمام القاضي والعسس والشعب، لاسيما أن الخليفة لم يكن يريد أن يظهر أمام الرعية أنه يتدخل لمنع إقامة الشرع على شارب خمر؛ مما اضطر الشاعر الداهية إلى الانقطاع عن الذهاب إلى القصر.

وبعد أيام، أرسل المنصور في طلب “ابن هرمة” الذي رفض الذهاب إلى القصر، وأرسل مع رسول الخليفة مشترطًا أن يُعطيه “صكًّا” يمنع العسس من القبض عليه إذا وجدوه سكرانًا، إلا أن الخليفة استشعر الحرج من إصدار صكّ بمثل هذه الصيغة، لا سيما وأن الرعية ستعتبره خروجًا عن الشرع، فأرسل إلى “ابن هرمة” طالبًا منه التفكير في حل آخر، يقيه شر العسس ولا يضع الخليفة في حرج.

وبعد أيام قليلة، ذهب “ابن هرمة” إلى المنصور، واقترح عليه أن يُصدر مرسومًا يقول فيه:
“نحن أمير المؤمنين، وقد تلاحظ لنا، أن هناك من بين الرعية رجلًا يُدعى ابن هرمة، كثر القبض عليه ليلًا وهو شارب الخمر، وقد عفونا عنه مرات ومرات دون أن يرتدع، لذا نأمر بأنه إذا ضُبط سكرانًا في أي وقت من أوقات الليل أو النهار، يُجلد ثمانين جلدة، ويُجلد من شارك في القبض عليه مائة جلدة”.

وبالفعل، فعل الخليفة وأصدر المرسوم، فصارت العسس يمرون على “ابن هرمة” وهو يترنح، فيناديهم ساخرًا: “من يشتري الثمانين بالمائة؟”.

وصارت سياسة “ولاد الهرمة” بعد وفاة المنصور والشاعر العربيد، بمثابة “سُبّة” يُضرَب بها المثل من شدة فجورها ومخالفتها للأخلاق والقوانين والأعراف.

وهي ذات السياسة التي يتبناها الرئيس الأمريكي هذه الأيام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، لإتمام مخطط الإبادة والتهجير ونسف القضية الفلسطينية، وإن كره الضمير الإنساني العالمي… وما أكثر “ولاد الهرمة” على شاكلة “ترامب ونتنياهو” في زمننا هذا… وكفى.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى