رضا سلامة يكتب.. درس السماء ووهم الأرض: “الحوار” في مواجهة احتكار الحقيقة

في منطقةٍ عربية تشتعل فيها الأحداث، وتتسع رقعةُ تداعياتها عالميًا، بما يراكم تحدياتٍ وتهديداتٍ متزايدة، وتتعرض مجتمعاتُها لتحوّلاتٍ عميقة تُعيد تشكيل منظومتها القيمية، بفعل توحّش العولمة والرقمنة، ومتطلبات وضغوط الحياة، والنزعة الاستهلاكية. وعلى مستوى الأسر، تنعكس هذه التحوّلات في اتساع الفجوة بين الأجيال، وتباين الرؤى، وتراجع مساحات الانتماء والتفاهم؛ في ظلّ هذه السياقات المركّبة، لا تبدو أهمية الحوار – وتعزيز ثقافته – ترفًا فكريًا أو خيارًا ثانويًا، بل ضرورة حتمية لإدارة الاختلاف، واحتواء التوتر، وبناء الاستقرار وترسيخ الأمن والأمان، وتكريس قيم التسامح والتعايش السلمي، على المستويات كافة.
ليس الحوار – في جوهره – اختراعًا غربيًا، بل مشيئة إلهية وسنة كونية مرتبطة بنشأة الوجود؛ فحوارُ اللهِ مع الملائكة لحظةَ خلق آدم لا يُقرأ كواقعةٍ غيبيةٍ معزولة، بل كنصٍّ تأسيسيٍّ يقدّم درسًا عابرًا للزمن في قيم الحوار والحرية والمسؤولية والتسامح والتنوع، وغيرها من المعاني العظمى.
حين أعلن اللهُ للملائكة إرادتَه بخلق خليفةٍ في الأرض، لم يكن الإعلان مجرّد إخبار، بل كان فتحًا لباب السؤال ومساحةً للرأي، وسماحًا للملائكة أن يقدّموا ما في علمهم من مخاوف حول طبيعة الإنسان المجبول على الازدواج: الإعمار والإفساد، ليُؤسَّس بذلك منطق الحوار بوصفه أداةً للوعي. ثم تجلّت قيمة المعرفة حين عُلِّم آدم الأسماء، فبان أنّ الإنسان – على ضعفه – مؤهّلٌ لحمل الأمانة بما أوتي من قابلية الفهم والتمييز، وأن عمارة العالم لا تقوم على طاعةٍ صمّاء، بل على عقلٍ يختبر ويختار.
ثم جاء دور إبليس في المشهد؛ رفض السجود وعاند وجادل، واحتجّ بما ظنّه فضيلة النشأة، ومع ذلك لم يُقابَل بالقمع أو الإسكات؛ لم يُفْنِه الله، بل سأله وأصغى إلى منطقه، ثم ترك له المجال ليعرض ما في صدره من تمرّد. وحين طلب الإمهال مُنح زمنًا معلومًا رغم ما ينطوي عليه من نية الإغواء. هنا تتجلّى دلالةٌ أعمق: إتاحة القول تمتدّ حتى للمخالف، وأن الحرية – بأركانها من تفكيرٍ ورأيٍ وتعبير وإرادةٍ واختيار – شرطٌ بنيويّ لقيام الامتحان.
الدرس الإلهي يقول إن القوة لا تُثبت نفسها بالقمع، بل بالحوار؛ ولا تكتسب الشرعية بالترهيب، بل بالعدل. ولهذا، فإن الأمم التي تستلهم هذا الدرس لا تبني سلطانها على الخوف، بل على سعة الصدر للنقد واحترام التعدّد والإيمان بأن التقدّم ثمرةُ تفاعلٍ حرّ بين العقول؛ فالأفكار لا تزدهر في الغرف المغلقة، بل في فضاءٍ يسمح بظهور الخطأ، لأن خطًا يُقال ويُناقش أفضل من صمتٍ مطبقٍ يطمس إمكان الصواب والخطأ.
ولا يقومُ حوارٌ هادفٌ وبنّاء – دوليًا ومجتمعيًا وأسريًا – إلّا على جملةٍ من الشروط المتلازمة: الاعتراف المتبادل بإنسانية الأطراف وحقهم في الاختلاف، والاستعداد للإصغاء، والاحتكام إلى منطقٍ موضوعيّ يستند إلى الوقائع، مع توفّر مناخٍ آمنٍ يصون حرية التعبير ويكبح الإقصاء؛ فحيث تتكافأ الكرامة ويُصان الحق في القول، ينمو الحوار ويُثمر فهمًا وتعايشًا.
الحوار وتكريس ثقافته لا يتحقّقان في ظل سيادة وهم احتكار الحقيقة؛ إذ يُفضي هذا الوهم إلى إغلاق منافذ الإصغاء، وتحويل الحوار من بحثٍ عن الفهم إلى منازلةٍ لإثبات الغلبة، فتتعطّل إمكانات التفاهم ويتعذّر الوصول إلى أرضيات مشتركة ويُستبدل الإقصاء بالتعايش.
وهم احتكار الحقيقة أصل اختلال المجتمعات ومنبع كثيرٍ من مآسيها؛ إذ ما إن تُحوِّل جماعةٌ قناعاتها إلى يقينٍ مطلق، حتى تُنصِّب نفسها وصيّةً على غيرها، فتستبيح محاكمة المختلف، وقد يكون عقابه قتلًا حين يتلبّس الخلاف بالدين، واستبدادًا حين يتسيّس، وازدراءً حين يكتسي بالاجتماعي أو الثقافي. عندها تضيق الرؤية، ويُختزل العالم في ثنائيةٍ حادّة: “نحن” و”هم”، فيغدو المختلف خصمًا ثم عدوًا.
ومن هذا الضيق يتولّد العمى الفكري؛ حيث تتحوّل الفكرة إلى يقينٍ مغلق، فتغدو مولِّدةً للتعصّب والصراع. فالتطرّف يبدأ فكرةً تدّعي لنفسها قداسة نهائية، وتنتج عقلًا أحاديًا لا يسعى إلى الفهم ولا يملك شجاعة المراجعة، واقعًا في جهلٍ مركّب: جهلٌ يظنّ نفسَه علمًا، جهل – في نسخته الدينية خاصة – يزدري ما راكمته البشريّة من قيمٍ ومعارف، ثم لا يرى حرجًا في الاستفادة من منجزاتها – في الطب والانتقالات والإنترنت وغيرها – وهو يلعنها ليلًا ونهارًا.
الحوار، درسٌ إلهيٌّ، وضرورةٌ حياتيّةٌ لا غنى عنها لاستقامةِ العمرانِ الإنسانيّ. غير أنّه لا يُؤتي ثمراتِه إلّا بعقولٍ منفتحةٍ تتحرّرُ من أوهامِ احتكارِ الحقيقة، وتلتزم بالإنصاف والإصغاء والعدل؛ عندئذٍ يغدو الحوارُ سبيلًا لتهذيبِ الاختلاف، وجسرًا للتفاهم، وركيزةً لتقدّمِ الدولِ واستقرار وتماسك المجتمعاتِ، وتحضر وسعادة الأفراد.
* رئيس تحرير صحيفة “الجيل” وعضو المجلس الأعلى للصحافة سابقًا



